اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/15 الساعة 12:00 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/21 هـ

انضم إلينا
ضد المنهج.. فلسفة العلم عند باول فييرآبند

ضد المنهج.. فلسفة العلم عند باول فييرآبند

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"في مقدور الرجل العادي، بل من واجبه، أن يتولّى الإشراف على العلم"

"العلم إنما هو أيديولوجيا ضمن أيديولوجيات متعددة، وينبغي فصله تماما عن الدولة مثلما يعتبر الدين الآن منفصلا عن الدولة"

(باول فييرآبند)

 

يمكن القول إن باول فييرآبند (Paul Feyerabend) -وتنطق "فَييِر-آبِند"- فيلسوف العلم الشهير نمساوي الأصل هو نيتشه العِلم، فقد أمسك -عبر تعدديته المنهجية- بفأس قوي وحطّم به كل ما يمكن الإشارة له على أنه مقدس في المشروع العلمي. قد تكون ناقدا جيّدا، قد تكون محبا للنقد، لكنك بالتأكيد ستُصدم في مواجهة عدائية التحرك الفلسفي الذي أقبل فييرآبند عليه، لن تكون بذلك الجموح وتلك الوقاحة أبدا، وقاحة الرفض كما يرى البعض.

 

يعلمنا نيتشه أن الفيلسوف لا منهج محدد له سوى الوقوف ضد توجهات المجتمع، لأن تلك التوجهات تصنع في نهاية الحكاية كيانا مقدسا يمتلك سلطة للحكم على الآخرين ويحاول من خلالها تمرير ما يرغب في صورة مقدسة مثله، يتخذ فييرآبند نفس المنهجية ليقول إن العلم الذي يدّعي رجاله أنه الفاتح، بطل الحرب ضد الخرافة، المُحرر من قيد التكلّس المعرفي، وأمين سرّ الحرّية الفكرية، كان كذلك فقط في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لأنه دفع الناس في الشوارع والبيوت إلى التشكيك فيما ظنّوا أنه قناعات موروثة، لكن العلم الآن يختلف، فيقول(1):

"إن العلم ليس كتابا مغلقا لا يمكن فك طلاسمه، بل هو نظام عقلي يمكن أن ينتقده أي شخص معني بأمر العلم، وإن الصعوبة المزعومة للعلم ترجع إلى الحملة الأيديولوجية المنظمة التي يشنها العديد من العلماء لإدخال الرعب في نفوسنا من العلم"

 

العلم كدين

يرى فييرآبند أنه لا حاجة لنا في اتباع الحقائق فقط، فحياة البشر توجهها العديد من الأفكار بجانب ما نسميه "الحقائق"، منها الحرية، واستقلال العقل

بيكساباي
  
هنا يشير فييرآبند إلى أن الحقائق العلمية أصبحت تُدرس للطلبة كما كانت حقائق الدين تدرس لهم قبل قرن واحد فقط، فهي ممنوعة عن النقد، وبعيدة عن رغبة الطالب/المواطن العادي في تأملها والتشكيك فيها، في حين يقوم العلماء بتغطيتها عبر الدفاع عن مدى تعقد العملية العلمية، بينما هم في الحقيقة يحصنّون ما يعتقدون أنه حقائق علمية، في تلك النقطة يستخدم العلم ذلك المصطلح الغاية في الضبابية والمدعو "حقائق علمية" للترويج لذاته بطريقة "العلم قد اكتشف الحقائق"، وهذا -في رأي فييرآبند- هو نقطة انطلاق أية أيديولوجيا.

 

يرى فييرآبند الحقيقة العلمية من وجهة نظر أخرى، فهو لا يجادل في كونها حقائق  أو لا، لكنه يجادل حول سلطتها، فيقول إنه لا حاجة لنا في اتباع الحقائق فقط، فحياة البشر توجهها العديد من الأفكار بجانب ما نسميه "الحقائق"، منها الحرية، واستقلال العقل، لذلك -كما يقول(2)- فإنه إذا "كانت الحقائق تتعارض مع الحرّية، فنحن إذن أمام اختيار، من الممكن أن نهجر الحرية في سبيل الحقائق، ومن الممكن كذلك أن نهجر الحقائق في سبيل الحرّية"

 

لتوضيح الفكرة السابقة يمكن لنا أن نتصوّر مريض سكّري يعرف أن الحقيقة العلمية تقول إن هذه الكمّيات الكبيرة من الحلويات قد تتسبب في وفاته في مرحلة ما، رغم ذلك هو أمام اختيار يسمح له بأن يتوقّف انصياعا لأمر المرض، أو أن يأكل ما يريد وهو حر، هنا قد يتطرق الأمر لصورة أعمق ذات علاقة بالسلطة، لنفترض مثلا أن للدولة قدرة على معرفة كل مرضى السكري وتمتلك قاعدة بيانات ضخمة بهم، ثم تمكنت عبر تقنيات متقدمة من ربط قاعدة البيانات تلك بكل محلات الحلويات.

 

الآن يطلب مريض سكري من أحد المحلات قطعتي كيك وسينابون مثلا، هل من الممكن هنا أن تضع الدولة قانونا يحميه فيقول البائع له :"سيدي، للأسف تقول قاعدة البيانات إنك مريض سكري، غير مسموح لك أن تشتري كل تلك الكمّية"، للوهلة الأولى قد تظن أن ذلك شيء ساذج، لكن تأمله قليلا لو مددنا بالخط على استقامته وسألنا عن التدخين؟ سلوكيات الطلبة ذوي أعراق مختلفة في المدارس؟ ألا يقدّم العلم هنا درجة سُلطة أكبر وأكثر عمقا من السلطة السياسية؟ ثم دعنا نضيف سؤالا آخر هنا، هل ينجح العلم أصلا؟ بمعنى أنه يتسلّط برأيه بما يدّعي أنها نتائجه اليقينية، لكن هل يستحق العلم تلك المكانة العالية فقط لأنه يحصل على نتائج؟ ماذا لو حصلت طريقة أخرى على نتائج؟ هل تعد أفضل بدرجة ما؟ لنرَ.

 

ضد المنهج

 
يبدأ فييرآبند من جاليليو(3)، حيث للوهلة الأولى نتصوّر أن جاليليو قد استخدم الرصد ضد الدوجمائية الكنسية وقتها، لكن الأمر -كما يرى فييرآبند- أكثر عمقا من ذلك، فعمليات رصد أخرى وقفت ضد جاليليو، كسقوط قطع الصخور في خط مستقيم أسفل النقطة التي أُسقطت منها مثلا، فإذا كانت الأرض تدور ألم يكن -حسب درجة وعي المجتمع وقتها- من المفترض أن تتحرك الصخرة قليلا للخلف؟ كذلك لم يمتلك الفلكيون وقتها تلسكوبات من القوة بحيث تستطيع قياس عملية التزيّح (Parallax)، وهو اختلاف دقيق في موضع النجم بتأثير دوران الأرض بين جانبي الشمس.

 

أضف لذلك مشكلات نظرية أخرى واجهت جاليليو، فهناك نماذج بطليموس وأرسطو التي كانت موجودة آنذاك والتي اعتنقها المجتمع العلمي ورفض زعم جاليليو، يرى فييرآبند هنا أنه لا توجد منهجية علمية واحدة -وضعية منطقية، بوبرية، أو كونية- يمكن لها تفسير ما حدث، لقد انتصر العلم فقط لأن جاليليو صدّق ذاته وتصور أنه على حق، وكان شجاعا ومبدعا، العلم عند فييرآبند هنا إذن هو تحرّك ذاتي إبداعي تتعدد منهجياته وليس له قواعد محددة، دعنا نتوسع قليلا.

 

جاليليو هنا هو الروح الرافضة لكل منهجية، هو الأناركي(4) الفوضوي الذي قرر ألا يلتزم بأية طريقة علمية كانت موجودة وقتها، وفقط اتّبع حدسه وقدراته على الإبداع، ثم نجح، وذلك بالنسبة لفييرآبند هو العلم في أفضل أحواله، فهو يدعوك لتحدي المنهجية، الملاحظة، التجربة، ويدعو فييرآبند جميع العلماء لتأمل جاليليو والتعلّم منه، فيقول في كتابه "ضد المنهج" إن "العلم هو مشروع أناركي في الأساس، الأناركية النظرية إنسانية بدرجة أكبر وأكثر قدرة على تشجيع التقدم من البدائل المنظمة والمقننة".

 

يمكن في تلك النقطة أن نضع جاليليو في نقطة الثورة العلمية بفلسفة توماس كون، وأن نضع العلماء العاديين في منطقة العلم القياسي، يرى فييرآبند أن جاليليو هنا يصنع نموذجا أصيلا لتحصيل المعرفة بسبب زجّه لذاته في العلم، بينما هؤلاء الذين يلتزمون بالمنهجية العلمية يقعون فريسة لما يسمونه "المنهج العلمي"، بينما هو فقط عملية تقليد لآخرين ثاروا على السائد، عملية تقييد لهم، جاليليو بالنسبة لفييرآبند هو ألفيس بريسلي، ملك الروك آند رول، والبقية مجرد تقليد له.

 

لا توجد نظرية علمية واحدة لا تدين ولو بالقليل لإجراءات غير علمية، فيحدث كثيرا أن يستقي عالم ما بذور نظريته من الأسطورة، الدين، الحكمة الشعبية

بيكساباي
 

في تلك النقطة ننطلق مع فييرآبند لنتأمل رؤيته حول المنهج العلمي، كأس العلم المقدسة، فهو يرى أن المدافعين عن أفضلية العلم على المجالات المعرفية الأخرى يستندون إلى أساسين(5): منهج العلم، ونتائج العلم. الأول هو ما يرتّب العملية العلمية ويضع لها قواعد وحدود، والثانية هي ما يضع العلم في منطقة اليقين المعرفي بشكل منفصل عن أية معارف أخرى أو فاعليات غير علمية. لكن هذين الأساسين -كما يرى فييرآبند- يتحطمان في حالات كثيرة بتاريخ العلم -من ضمنها جاليليو كما عرضنا من قليل- تُنتهك فيها المنهجية العلمية وتكون النتيجة -رغم ذلك- هي نظرية علمية ناجحة تساعد في تطور العلم، كما يضيف فييرآبند هنا أنه لا توجد نظرية علمية واحدة لا تدين ولو بالقليل لإجراءات غير علمية، فيحدث كثيرا أن يستقي عالم ما بذور نظريته من الأسطورة، الدين، الحكمة الشعبية... إلخ.

 

لهذا يعد فييرآبند مختلفا عن كل نقد سابق للعلم، حيث خرجت كل فلسفة علمية فيما سبق ببديل لفلسفة قديمة تنتقدها، بوبر(6) انتقد الوضعية المنطقية وقدم القابلية للتكذيب، كون(7) انتقد ما سبق وقدم لنموذج الإرشادي/البارادايم، لاكاتوش(8) قدم برامج البحث، ولاودن(9)  قدم تقاليد البحث، لكن فييرآبند لم يقدم إلا النقد فقط من دون أية نظرية عن المنهجية العلمية في خلفية عقله، وهذا هو ما أعطى نقده ذلك الحس السخيف اللاذع الذي طال الجميع.

 

لنبدأ ببوبر مثلا، لقد وجه فييرآبند نقده للفلسفة البوبرية عبر طريقين، نقد المعرفة الموضوعية ونقد القابلية للتكذيب، فيقول إن بوبر بشكل ما يُناقض ذاته حينما يقول إن المعرفة برغم أنها من إنتاج الإنسان فإنها تظل مستقلة عنه، وهو أمر يبدو مستحيلا، فإذا كانت الاعتقادات سابقة للتجريب فإنها تؤثر في كل شيء في حياتنا، في خبرتنا عن العالم نفسه.

 

لذلك السبب ينطلق تعريف فييرآبند للنظرية العلمية على أنها(10) "اعتقاد مسبق يحدد رؤيتنا للعالم، أو بعبارة أخرى طريقة النظر للعالم"، وبالتالي فإن النظرية تختلف من ملاحظ إلى آخر، ويمتد ذلك التعريف لينتقد في الأساس ارتباط النظرية العلمية بالخبرة، ويتساءل فييرآبند: هل يمكن أن نعتبر أن الخبرة الحسية هي المصدر الرئيس للمعرفة العلمية؟ ثم يجيب بـ: "لا"، وأحد الأسباب التي يعرضها في دراسته "العلم دون خبرة"(11) (Science without experience) ذلك الفصل التعسّفي بين النظرية والملاحظة، وآخر يتعلق بعدم حاجتنا للخبرة الحسّية أثناء فهم النظريات، كذلك فإن بعض النظريات يمكن اختبارها من خلال عمليات حوسبة فقط دون الحاجة لتجريب.

  

العلم بالنسبة لفييرآبند مجرد تقليد من مجموعة تقاليد أخرى، وجهات نظر أخرى تريد أن تفهم هذا العالم وتتفاعل معه، لا هو أعلى ولا أقل منهم، ولا سلطة لديه للتحكم فيهم والحكم عليهم (بيكساباي)

 

هنا يستمر فييرآبند في نقد بوبر قائلا إن ما نسميه "العقلانية النقدية" ليس في الأساس نقدا، فالمعنى الحقيقي للنقد هو الاستمرار في التساؤل عن نقاط ضعف أفكارنا التي نقدمها، لكن القواعد التي يفرضها بوبر -القابلية للتكذيب نموذجا، المعيار الذي يقول إنه يعرقل العلم أكثر ما يعطيه الفرصة للتقدم- تقوّض من حرّيتنا في النقد، فيصبح نقد كارل بوبر هو نسخة باهتة غير حقيقية للنقد، وبالنظر لتاريخ العلم سوف نجد في حالات كثيرة -حالة جاليليو مثلا كما عرضنا منذ قليل وكوبرنيكوس كذلك- أن القابلية للتكذيب لم تكن لتنجح في تطوير العلم.

 

ينطلق فييرآبند بعد ذلك لنقد نماذج توماس كون الإرشادية قائلا إن كون هنا يطلب من العلماء أن يلتزموا بأيديولوجيا النموذج الإرشادي التي يهندسونها بأنفسهم، بل يصل الأمر بفييرآبند للقول إن العلم القياسي (Normal Science) هو والجريمة المنظمة سواء، حتى إنه يمكن لنا أن نضع اصطلاح "جريمة منظمة" موضع "علم قياسي" في كل موضع بكتابات توماس كون ونحصل على نفس النتائج، وبذلك يؤدي وجود تلك الحالة إلى تقييد صارم للحرّيات الإنسانية، للإبداع، للخوض ضد سلطة المنهجية العلمية السائدة، كما ضربنا في مثال جاليليو أوّل حديثنا.

 

العقل الغربي ضد العالم
العلم إذن بالنسبة لفييرآبند هو مجرد تقليد من مجموعة تقاليد أخرى، وجهات نظر أخرى تريد أن تفهم هذا العالم وتتفاعل معه، لا هو أعلى ولا أقل منهم، ولا سلطة لديه للتحكم فيهم والحكم عليهم، يضيف فييرآبند دائما أن المجتمع الحر لا يمكن أن يقوم عن طريق عقلانية علمية، نظرية علمية، برنامج بحث واحد، ولكن بتعدد المنهجيات وبالتعاون بين كل الطرائق لتحصيل المعرفة بين كل الحضارات يتم التأسيس للمجتمع الحر.

 

تتسع نظرة فييرآبند لتشمل ما قدمه الغرب على أنه خلاص العالم وطريقه نحو الحقيقة، وبذلك يعد فيلسوفنا واحدا من الغربيين(12) الذين قدموا نقدا لاذعا غاية في الوقاحة للحضارة الغربية، متهما إياها بأنها تصنع من العلم سلاحا للتسلط لإهمال أفكار الحضارات الأخرى بدعوى أنها -عبر العلم ودون غيره- تعرف الحقيقة وتستطيع سبر أغوار الطبيعة وكشف أسرارها، تلك النقطة هي ما يُمركز المشروع الغربي الثقافي والحضاري حول العلم، لذلك يطالب فييرآبند بالتعددية المنهجية، ويشير إلى أن الواقعية في التعامل تتطلب أن نستفيد من كل وجهة نظر ممكنة.

  

يطلب فييرآبند من فلسفته قبل كل شيء، ومن العلم، والعلماء، ومن الجميع، أن يكونوا أقل جدّية، لأن تلك الصرامة المزعومة هي ما تدفع بنا لتقديس ما نحن جادين تجاهه

بيكساباي
  

بذلك يعتبر فييرآبند أن المجتمع الغربي بينما هو يدّعي الديمقراطية(13) فإنه يعتمد فقط على تقليد واحد وهو العقلانية العلمية التي تحكم على كل شيء آخر وتصنف الأشياء من حيث كونها علمية/عقلانية أم لا، ويمتد الأمر بتلك الطريقة في النظر للعالم إلى وصم كل ما هو غير غربي بأنه متخلف وغير علمي، وفي تلك النقطة نصل إلى الهدف الرئيس -كما يرى فييرآبند- لمشروع الوحدة الثقافية الغربي، فهو ممارسة للهيمنة فقط، تبدو فيه الثقافة الغربية كنُسق كوني يلهث وراء الصواب ويسبر أغوار الكون ولا مجال واضح للتعدد، ولا لأية آراء أخرى ممكنة، هنا يقول فييرآبند إن ذلك هو التهديد الأكثر خطرا للديمقراطية، يقول(14) الدكتور خالد قطب أ. فلسفة العلم بجامعة الفيّوم:

"إن لسان حال فييرآبند يقول إن الدعوات المعاصرة التي تتشدق بالعولمة والكوكبية والعالمية هي أفكار أيديولوجية مغرضة تحاول تثبيت دعائم ثقافة ما وهيمنتها على الساحة الفكرية والثقافية العالمية باسم العقلانية العلمية"

 

نيتشه والأصنام
فلسفة فييرآبند إذن تبث روح النقد الحقيقي في جنبات العلم، رغم ذلك تواجه تلك الطريقة الأناركية مشكلات عديدة يمكن تبسيطها في دُعابة شهيرة تقول إن فييرآبند ذهب للطبيب بسبب أزمة قلبية شديدة فقال له الطبيب: "سيد فييرآبند، للأسف أنت في مشكلة كبيرة وتحتاج لجراحة ناجزة وعدد من الأدوية، هناك جراحات تقليدية عديدة في هذا المجال، وأدوية عديدة معروفة، لكنني لن أصدق كل هذا، ذلك لأن لدي طريقة جراحية إبداعية مختلفة طوّرتها بنفسي وأنا أصدق أنها ستنجح، كذلك قمت بعمل خلطة عشبية مميزة أثق أنها سوف تأتي بنتائج مبشرة، ورغم أنني -بالنسبة لكل منهج علمي وبالنسبة لمجتمع العلماء- أُعتبر مخرفا فإن الإبداع في العلم هو ألا نثق في المنهج كما تقول، فهل سوف تصدقني وتقبل بالخضوع لطرقي في العلاج يا سيد فييرآبند؟"

 

ربما سوف يكون السيد فييرآبند قد خرج من باب المستشفى بالفعل قبل أن يكمل الطبيب عباراته، وربما سوف يخضع لجراحات وأدوية تنص عليها الطريقة العلمية، لكن في تلك النقطة من رحلتنا -دعنا نقول- الخفيفة للغاية حول فلسفة فييرآبند، الفلسفة التي في الواقع تمتلك مستوى غاية في التعقد وحججا غاية في القوة وليست مجرد انتقادات سطحية، ولكنها فقط تبدو كذلك لأن فييرآبند نفسه تعمد ذلك منتقدا ناقدي العلم من قبله قائلا:(15) "حينما يفتقد التعقد للهدف والمحتوى فإن أفضل طريقة للاستمرار في التواصل مع الواقع هي أن تكون وقحا وسطحيا، وهذا ما أنوي فعله"، لذلك تعمد كاتب المقال أيضا ألا يستخدم أية اصطلاحات معقدة وأن يتحدث بنفس سلاسة وبساطة -وربما سطحية- فييرآبند في مقاله الطويل "كيف ندافع عن المجتمع ضد العلم؟" (How to Defend Society Against Science?)، فذلك ربما هو أفضل طريق لنقل فييرآبند إلى الناس.

  

يرتكز فييرآبند في فلسفته ربما على تلك الجملة الشهيرة من فيلم باتمان حينما يقول الجوكر: "لماذا أنت جاد للغاية؟" (Why so serious)

مواقع التواصل
  

هنا يجب توضيح أن فييرآبند نفسه حينما يساوي بين كل المنهجيات بحيث لا تمتلك أي منها درجة من السلطة على الأخرى، قائلا الجملة النسباوية الشهيرة "كل شيء يمشي/ينفع (Everything Goes)" فهو -كما يوضح- يهدف إلى تحرير العلم مما يعتقد أنه دوجمائيته، في المقابل تستخدم فلسفة فييرآبند من قبل كل مروجي الخرافة والدجل لا لدعم العلم، ولكن للتشكيك في قدراته بدرجة تدعو المواطن العادي لفقدان الثقة في العلم، وبالتالي اتباع خرافاتهم وتلقّي العلاج من خلالها، هنا يتضح الفارق الواسع بين فييرآبند ومستغلّي فلسفته، فهو ينتقد للنقد، وهم يستخدمون نقده للنقد من أجل تحويل دفة التقديس ناحيتهم فقط.

 

لهذا السبب تحديدا يدعونا فييرآبند في مقدمة كتابه "ضد المنهج" إلى عدم أخذ فلسفته على نحو جاد لأننا لو فعلنا ذلك فنحن بالفعل ضد تلك الفلسفة التي تطالبنا أن نكون غير جادين، تلك في الحقيقة نقطة تدعو للتأمل حقا، ويمكن خلالها أن نختصر كامل فلسفة هذا الرجل، ذلك لأن فييرآبند يرتكز في فلسفته ربما على تلك الجملة الشهيرة من فيلم باتمان حينما يقول الجوكر: "لماذا أنت جاد للغاية؟" (Why to serious?).

 

يقول فييرآبند(16) هنا -بوقاحته المستفزّة المعهودة-: "على المرء ألا يأخذ ذلك بجدية، عليه أن يقرأ الأعمال العلمية كما يقرأ حكايات الجنيّات الخيالية، والتي لديها الكثير من الأشياء المثيرة للانتباه لتقولها، لكن في الوقت نفسه بها الكثير من الأكاذيب، أو كتلك الوصفات الأخلاقية التي قد تكون مفيدة في بعض الأحيان ولكنها قد تكون قاتلة إذا اتبعناها حرفيا".

 

يرى فييرآبند أن العلماء صارمون للغاية، يأخذون الطريقة العلمية على محمل الجد بشكل غير طبيعي ربما، وهو لا يطلب منهم الاستغناء عن العلم، ولا عن آلياتهم، لكنه يطلب منهم أن يكونو أقل جدّية تجاه المنهجية العلمية التي يبدو أنها ليست بتلك الصرامة المزعومة، فييرآبند إذن يطلب من فلسفته قبل كل شيء، ومن العلم، والعلماء، ومن الجميع، أن يكونوا أقل جدّية، لأن تلك الصرامة المزعومة هي ما تدفع بنا لتقديس ما نحن جادين تجاهه، ربما نحتاج في حياتنا اليومية أن نتأمل ذلك الموقف كثيرا.

 

فييرآبند لا يهتم كثيرا للتصميم الذكي ولا يؤمن به، لكنه فقط يفتح بابا ضروريا لنقد تلك الهالة من القداسة التي تلتف حاليا حول العلم والعلماء

بيكساباي
 

ما بدأ عند الوضعية المنطقية(17) ينتهي عند فييرآبند، وكمهتمين بفلسفة العلم ربما يجب أن نتوقف قليلا لتأمل تلك القصة الجدلية الطويلة التي بدأت بالمدرسة الوضعية المنطقية، تلك الحالة المفرطة من الثقة في العلم، والعلم فقط، ذلك الرفض الصارم لأهمية تاريخ العلم، ثم يظهر لك النقد لها من كل حدب وصوب، بداية من كواين، بوبر، ثم كون، ثم لاكاتوش، حتى نصل إلى الضد تماما مع باول فييرآبند ورؤيته للعلم كنطاق معرفي فوضوي لا ثابت فيه إلا بالنسبة للملاحظ فقط.

 

فبينما حاول كل سابقيه إعطاء درجة من درجات الأهمية للعملية العلمية، يقف فييرآبند مساويا العلم بكل النشاطات الإنسانية الأخرى، حتى إنه يطالب بتدريس الدجل والسحر والشعوذة لطلبة المدارس، ويستثير حفيظة البيولوجيين بحديث عن وجود الاهتمام بنظرية الخلق والتصميم الذكي بنفس درجة الاهتمام بالبيولوجيا التطورية، فالفصل بين ما هو علمي وما هو غير علمي عند باول فييرآبند هو وهم، كل شيء ينفع.

 

في تلك النقطة قد يقف البعض -مهما كان ناقدا للعلم- عند مستوى ما ويقول إن فييرآبند قد ابتعد كثيرا حينما يطالبنا باعتبار كل ذلك، لكنك هنا ربما لا تفهم فييرآبند، فهو ربما لا يهتم كثيرا للتصميم الذكي مثلا ولا يؤمن به، لكنه فقط يفتح بابا ضروريا لنقد تلك الهالة من القداسة التي تلتف حاليا حول العلم والعلماء، يخلق في مركز تلك الحالة من الإهمال الكامل للإنسان مكانا له، لإبداعه، لشجاعته، بعد أن سيطر اصطلاح المنهجية العلمية على كامل الساحة المعرفية، أنسنة العلم هي ربما إنجاز فييرآبند الأهم.

 

لذلك، ربما ليس من الممكن أن نتخذ فلسفة فييرآبند أو آلياته التي نعرضها على محمل الجد، قد نختلف أو نتفق حول تلك النقطة، لكننا لن نختلف أبدا حول أهمية ما يقوله فييرآبند، حول أننا لن نستطيع تجاوزه بأي شكل، وسوف تظل فلسفته، وقاحتها، وسخف ادعائتها، هي مسمار جحا الشهير في غرفة كل فلسفة علمية تدعي أنه يمكن للعلم -أو غيره- أن يصبح مقدسا، وذلك هو سر أهمية وروعة فلسفة هذا الرجل، وجوهرها.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك