اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/23 الساعة 15:53 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/29 هـ

انضم إلينا
سيدة النجوم.. فيرا كوبر روبين

سيدة النجوم.. فيرا كوبر روبين

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"لقد أصبحت عالمة فلك فقط لأنني لم أتصور امكانية أن أعيش على الأرض ولا أتسائل حول كيفية عمل الكون"

 

كأية فتاة حالمة، بدأت بطلة هذا التقرير حياتها مع سماء الليل في سن الحادية عشرة عبر نافذة غرفتها الشمالية في منزلهم الجديد والتي تشاركتها مع أختها، لتسهر ليلًا كي تتأمل حركة النجوم في ظلام الحجرة الدامس، فتقول(1) أنه "شيئًا فشيئًا أصبحت مراقبة النجوم أقرب إليّ من النوم"، ألهمتها النجوم بكل ما يقع حولها من سحرٍ وعلم أن تبدأ القراءة في العلوم عسى أن -بحد تعبيرها- تفهم كل شيء عن الكون فقط بمجرد قراءة أكبر عدد ممكن من الكتب، وحينما رأت والدتها ذلك الشغف الأخضر تدخلّت لمساعدتها في الإستعارة من المكتبة من قسم الكُبار وليس قسم الأطفال، في المقابل حينما وجد والدها هذا الاهتمام الواضح بالسماء من قبل ابنته، ساعدها في بناء أوّل تلسكوب خاص بها، هكذا انطلقت فيرا كوبر روبين (Vera Cooper Rubin) من مجرد هاوية لعلم الفلك تتأمل سماء الليل عبر تلسكوب صغير في باحة المنزل الخلفية إلى واحدة من أشهر سيدات علم الفلك في القرن العشرين.

 

في كل نقطة بحياة روبين العلميّة أو العملية سوف تبدو لنا الحياة بشكل مختلف تمامًا عما اعتدنا عليه في كل مرة نتحدث فيها عن سيرة أحد العظماء في العلوم، بالطبع هناك الكثير من الصبر لويلات العمل الطويل والإحباط المتقطع حد البكاء كلما تحدثنا عن انجاز علمي وفلسفي، فهذه هي طبيعة الأمور، وهكذا هي الحياة لا تعطينا المكافآت بسهولة فكما تقول مريام ميرزخاني أعظم نساء الرياضيات والحاصلة الوحيدة على ميدالية فيلدز في الرياضيات أن الجمال الحقيقي للرياضيات لا يظهر نفسه إلا للمحبين الأكثر صبرًا، لكن يضاف لذلك كله في حياة روبين جانب ورديّ اللون، دافئ الطبع، لتبدو الأمور - رغم كل ذلك التعب والعناء - كأننا في ليلة ربيعية حانية، سوف نفهم ذلك خلال مقالنا لكن دعنا الآن نبدأ بالتعرف على ما قدّمته روبين للعلم، الجانب الصلب من حياتها.

 

رحلة إلى أندروميدا

 
في منتصف الستينات بالقرن الماضي التقت كوبر بمطياف(2) Spectrometer كينت فورد الفلكي بمعهد كارنيجي في واشنطن، والذي كان يُعرف كأدق أجهزة الرصد وقتها لأنه احتوى على صمامات الكترونية مفرغة تميزت بحساسية شديدة للضوء لذلك سمّيت "مضخمات ضوئية(3) photomultipliers " والتي أكسبت مطياف كينت القدرة على - ليس فقط على دراسة أجرام سماوية كاملة ولكن -  دراسة أجزاء محددة من المجرّات، المطياف هو جهاز يستخدم لدراسة خواص الضوء القادم من الأجرام البعيدة، وهو بذلك يعطينا قدر ضخم من المعلومات فقط عبر تحليل هذا الضوء إلى مكوناته من الأطوال الموجية، كأن يحلل المنشور الثلاثي الضوء الأبيض إلى ألوان الطيف السبعة.

 

تعلمنا قوانين نيوتن أن الأجرام الأكثر قربًا من مركز الدوران، مركز المجرة هنا، من المفترض أن تدور بسرعة أكبر من تلك التي تدور في الأطراف، وذلك مفهوم لأنه كلما ابتعدنا عن مركز المجرة من المفترض أن تضعف الجاذبية، لو تصورنا مثلًا نجم ما في طرف مجرة يدور بسرعة كبيرة فسوف يفلت بسهولة من سيطرة جاذبية المجرة عليه، لكن حينما بدأت فيرا وكينت برصد مناطق(4) الهيدروجين ||  - وهي سحب جزيئية عملاقة غنية بالهيدروجين المتأين في صورة من غاز ساخن وفيها ومنها تنشأ النجوم الجديدة بكثافة - على مسافات مختلفة من مركز المجرة جائت النتائج مخيبة للآمال، فلقد جائت البيانات(5) لتؤكد أن سرعة تلك السحب لا تقل كلما ابتعدنا عن مركز المجرة، تظل ثابتة في كل مرة، تسبب ذلك في توتر روبين واحباطها واضطرت هي وكينت لعمل رصد آخر في عدة مراصد، ثم رصد مجرات أخرى غير أندروميدا، لكن في كل مرة كانت النتائج واحدة، سرعة النجوم في أطراف المجرات أكبر من المتوقع، وبذلك من المفترض أن تفلت تلك النجوم من المجرة، لكنها لا تفعل ذلك، لماذا ؟!

 

في الحقيقة لا أحد يعرف بالضبط، يعد التصور السائد حاليًا هو أن المادة المظلمة(6) Dark matter هي السبب، وهي ذلك الكيان الذي يغلف المجرات ويمنع نجوم أطرافها من الهروب لا يشع أي شيء نعرفه ولا يتفاعل مع أي شيء نعرفه إلا جذبويًا فقط، يتصور العلماء أن تلك المادة العجيبة تمثل 25% من الكون بينما يمثل ما نسميه الطاقة المظلمة 70% من الكون وفقط يُترك 5% تقريبًا للمادة التي نراها ونتمكن من رصدها والتعامل معها، كانت نتائج روبين وفورد هي الباب التجريبي الذي دخلت منه المادة المظلمة إلى ما اشتهر أنه "حيز التأكيد" فأصبح العلماء - والعامة على حد سواء - يتعاملون معها على أنها "موجودة"، لكن هناك شيء واحد مهم هنا.

 

العلم عند فيرا
لطالما احترمت روبين ضرورة الرصد في توجيه دفة العلم، واهتمت بالتعبير دائمًا عن مهمتها الأساسية، وهي عمل أدق وأفضل رصد ممكن ثم ترك بقية العمل (مواقع التواصل)
  
لم تقبل روبين(7) في المجمل فكرة أن يُقال أنها هي من أكد وجود المادة المظلمة، أو أنها "أم المادة المظلمة" بالمعنى المفهوم، في البداية بعد تلك النتائج التي حصلت عليها - كانت روبين قد توقّعت بالفعل أن يتم الكشف عن المادة المظلمة خلال عشر سنوات، لكن ذلك لم يحدث، بعد ذلك واصل العلماء توقعاتهم لكن لم نحصل على شيء بعد، فقط مجموعة من التوقعات المبنية على ملاحظات روبين وغيرها، ربما تحتاج تلك النقطة أن نلتفت إليها قليلًا لأنها تتسبب في بعض اللغط، لا يوجد شيء بعد يمكن أن نطلق عليه المادة المظلمة، انها فقط تصورات علماء، فرضيات لم تتأكد بعد.

 

عمل التسويق للعلم على التحدث عنها كأنها حقائق بطريقة "هناك مادة مظلمة"، لكن الحقيقة هي أن هناك "شيء ما" ليس بالضرورة أن يكون المادة المظلمة، وهذا هو النطاق الفكري الذي ربما تتبعته روبين في الفترة الأخيرة لتقول أن المشكلة كما يبدو ذات علاقة بفهمنا للجاذبية، باحتياجنا لتحول نوعي في افكارنا عنها، وتضيف لشرح تلك المشكلة أنه(8) "هناك بديل للمادة المظلمة، وهو أن قوانين نيوتن للجاذبية لا تعمل بالشكل الذي نظنه على مسافات سعة كتلك التي في المجرات، لكننا نعرف أن قوانين نيوتن تعمل في نطاق واسع، ويعتقد 100% من الوسط العلمي أنها هناك مادة لا تشع هي السبب، لكن على الرغم من ذلك نحن لا نعرف كيف تعمل الجاذبية أو لماذا هي ضعيفة بهاذا القدر، حينما ترفع ورقة من على المكتب فأن تغلب جامل جاذبية الأرض، وذلك مذهل!".

 

يفتح ذلك الباب لنا كي نتأمل معنى المنهج العلمي عند فيرا روبين، وهي التي قضت عمرها في الرصد، فتقول أن(9) "العلم يتقدم بشكل أفضل حينما يتسبب الرصد في تحويل إدراكنا"، لطالما احترمت روبين ضرورة الرصد في توجيه دفة العلم، واهتمت بالتعبير دائمًا عن مهمتها الأساسية وهي عمل أدق وأفضل رصد ممكن ثم ترك بقية العمل، الإفتراض، وبناء النماذج، وعمل الرياضيات المناسبة، لمتخصصيها، لكن ليس عليهم أن يغرقونا في بحر من التصورات غير المؤكده على أنه حقائق، لقد اهتمت روبين دائمًا بأن يتم العمل، أي عمل، على أدق وأفضل صورة ممكنة له، بدون أية أهمية إضافية لأي شيء آخر، فقط العمل الصبور حتى نصل لنتائج دقيقة.

  

لم ترد روبين أن تندمج في أجواء مشحونة بالمنافسات والضغط الشديد، أرادت فقط بعض الهدوء والوقت والبحث المفصّل، لذلك اتخذت مكانًا بعيدا كل البعد عن الاهتمامات الحالية للباحثين، وهنا وقع اختيارها على أندروميدا

مواقع التواصل 
  

في الحقيقة تلك نقطة هامة، دعنا نتأملها قليلا عبر أحد حكايات روبين، قبل الدخول(10) إلى عالم المجرة أندروميدا كانت روبين قد بدأت مع فورد بحثًا حول طبيعة تلك الأجرام الغربية المكتشفة حديثًا وقتها، قبل سنتين فقط، انها الكويزارات(11) Quasars وهي أنوية مجرات عظيمة التألق والإشعاع تتكثف حول ثقوب سوداء عظيمة، لكن في تلك الفترة كانت سر تنافس كل رجال الفلك والفيزياء لكشفه، حتى أن الإصطلاح نفسه (كويزار) جاء من تصور وقتها أنها  quasi-stellar radio source "مصدر راديو شبه نجمي"، بعد البدء في البحث بفترة تراجعت روبين لأنها ببساطة- بحد قولها(12) - "ليست تلك هي الطريقة التي أود أن أعمل بها، لقد قررت أن أتتبع مشكلة يمكن لي أن أبدأ الرصد وأحرز تقدمًا خلال حلها، مشكلة آمل أن تثير انتباه الآخرين، لكن ألا تثير انتباههم للدرجة التي تجعلهم يزعجونني قبل أن أنتهي من حلّها".

 

حينما يظهر شيء جديد في الوسط البحثي، كشف جديد، يهرع كل الباحثين إليه لمحاولة كشف أسراره عسى أن يحصلوا من خلاله على نوبل سريعة، أو على الأقل شهرة واسعة، لكن ليست روبين، لم ترد روبين أن تندمج في أجواء مشحونة بالمنافسات والضغط الشديد والذي يمكن أن يتسبب في ازعاجها وتوترها، أرادت فقط بعض الهدوء والوقت والبحث المفصّل، لذلك اتخذت مكانًا قصيًا بعيد كل البعد عن الاهتمامات الحالية - وقتها - للباحثين، وهنا وقع اختيارها على الجارة أندروميدا، في وقت لم يهتم أحد كثيرًا بدراسة دوران المجرات البعيدة وخصائصه، وكانت تلك - للمفاجأة السعيدة، أو ربما لأن روبين كانت أذكى من الجميع - هي سر شهرة صديقتنا الحالمة.

 

امرأة في العلم
في الحقيقة كانت روبين دائمًا كذلك، تلك الحالمة ، ربما يجدر بنا هنا الإشارة إلى فكرة أن تعمل امرأة بعلم الفلك في تلك الفترة من تاريخ الولايات المتحدة في وقت كان العمل فيه بعلم الفلك محجوز فقط للرجال، بل ان أستاذ روبين في كلية فاسار نصحها أنه(13) "طالما ابتعدت قدماكِ عن العلم، فأنت على الطريق الصحيح"، مشيرًا إلى أن العلم هو طريق الرجال فقط، ربما من الأفضل أن تهتم روبين بالكتابة مثلا، أو أي شيء آخر ليس في ذلك النطاق، هنا تقول روبين في سنة أحد كلمات التكريم بالتسعينات أنها عاشت وعملت بموجب ثلاثة افتراضات(14) "الأول، لا توجد مشكلة في العلم يمكن للرجال دون النساء أن يصلوا لحلها، وثانيًا، على مستوى العالم، نصف العقول هي عقول نساء، ثم ثالثًا، نحتاج جميعًا أن يُسمح لنا بممارسة العلم، لكن - لأسباب مزروعة في أعماق تاريخنا - يُسمح بذلك للرجال بشكل أكبر من النساء"، دعنا نتأمل أحد الحكايات المثيرة للإهتمام هنا.

     

كانت فيرا أمًا لأربعة أطفال، والآن جميعهم من حاملي الدكتوراة في العلوم، لتركن إلى الفكرة القائلة أن "كل شيء قد انتهى، لا يوجد فرصة الآن لكي أستكمل دراستي"، لكنها لم تفعل ذلك

مواقع التواصل 
 

حينما عملت روبين في مرصد بالومار خلال ليالي (كانون الأول/ديسمبر) سنة 1965، ولم يكن مسموحًا للسيدات وقتها أن تعمل في المراصد، واجهت مشكلة أولى غاية في البساطة لكن غاية في التعقد أيضًا، وهي أن الحمّامات في المرصد، جميعها، كانت جميعها بعلامات تشير إلى "مرحاض الرجال" فقط، هنا قررت فيرا ببساطة في جولة الرصد التالية أن تأخذ معها ورقة مصممة على شكل "تنّورة" لتلصقها على علامة  أحد مراحيض المرصد فتبدو كأنها علامة امرأة، لتقول روبين "الآن لدينا مرحاض للنساء"(15)، تلخص تلك الحكاية مدى بساطة فيرا روبين، مدى قدرتها على تجاوز مشكلات كبيرة، تلك المشكلات التي أشارت لها فيرا بشكل دائم وتسائلت - حتى قبل وفاتها(16) في 2016 - عن ان كان سيحدث أن تمتلك المرأة نفس الدرجة من السماحية للعمل في العلم كالرجال، ودافعت كثيرًا عن حقوق المرأة في هذا المجال.

 

عاشت روبين حياة سعيدة رغم المشكلات التي واجهتها كامرأة في العلم، لكنها امتلكت عائلة حنونة اهتمت بها ورعت هواياتها حتى أصبحت عالمة عظيمة، وزواج ناجح، حتى أن زوجها عمل على توفير كل ظروف الراحة الممكنة لها لكي تستكمل دراستها المسائية  للدكتوراة في جامعة جورج تاون، فقط بعد أن سمعها تتسائل ان كان من الممكن أن تصبح عالمة فلك يومًا ما، دعنا نتأمل تلك الخطة العائلية(17) المثيرة للإهتمام، كان روبرت روبين - زوج فيرا - على مدى سنتين، لمرتين في الأسبوع، ينتهي من عمله، ثم يذهب لإحضار والدتها، ويذهب للمنزل، تخرج والدة فيرا من السيارة وتدخل للمنزل لترعى الطفل، تركب فيرا السيارة، وكانت حاملًا في الطفل الثاني، لينطلق روبرت إلى جامعة جورج تاون، ينتظر فيرا لمدة ساعتين حتى تنتهي من محاضراتها، وتعود.

 

في الحقيقة يعلمنا ذلك أنه للإنجاز ربما نحتاج لنوع من التعاون، للوهلة الأولى كانت فيرا - أم لأربعة أطفال، والآن جميعهم من حاملي الدكتوراة في العلوم - لتركن إلى الفكرة القائلة أن "كل شيء قد انتهى، لا يوجد فرصة الآن لكي أستكمل دراستي"، لكنها لم تفعل ذلك، ربما لأنها - كما تقول - لم تجد شيء آخر لتفعله، فقط كان يجب أن تستمر في تتبع ما تحب، لكن ذلك لم يكن ليتم إلا بحالة من التفهم في تلك العائلة الصغيرة، حالة يدفع فيها من وقته، جهده، ورعايته، بعض الشيء من أجل سعادة الآخر، ويفعل الآخر كذلك، يمكن لنا هنا أن نضع ما سبق كتعريف لمفهوم نعرفه جيدًا، نتحدث عنه كثيرًا، نكتب عنه الشعر والروايات، لكن تلك هي كما أرى صورة حقيقية منه، صورة واقعية عملية، إنه الحب، حب عائلة فيرا لها، وحب فيرا لهم، وللسماء ونجومها، تلك التي النقاط المضيئة الصغيرة هناك والتي هرعت فيرا وراءها كفتاة في الحادية عشر، طوال عمرها.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك