اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/26 الساعة 15:11 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/3 هـ

انضم إلينا
ما الشبه بين العلم وصفحة كريستيانو رونالدو؟

ما الشبه بين العلم وصفحة كريستيانو رونالدو؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
نُشرت قبل أيّام قليلة ورقة بحثية(1) مثيرة للاهتمام تربط ما بين القوانين التي تحكم شعبية منشورات فيسبوك والتي تحكم حركة الاستشهادات بالورقات العلمية في الوسط العلمي، وكانت المفاجأة ربما التي عرضها الفريق البحثي، بقيادة زولتان نيدا (Zoltán Néda) أستاذ الفيزياء النظرية بقسم الفيزياء النظرية والحوسبة بجامعة بابيس بوليا (Babeş-Bolyai University) في رومانيا، هي أن نفس المعادلة هي ما يشرح التطور الأسّي للحالتين، ما يعني أن فيسبوك والعلم قد لا يختلفان كثيرًا في نظام شعبية منشورات كل منهما!

 

لهذا الغرض لجأ الباحثون إلى شبكة العلوم(2) (Web of Science)، وهي خدمة تحت إدارة مؤسسات تومسون رويترز للمؤشرات العلمية القائمة على الاشتراكات في شبكة الإنترنت مما سمح لباحثينا بالوصول إلى العديد من قواعد البيانات، وباستخدام روبوت مخصص قام الفريق بدراسة 600 ألف منشور علمي، كذلك لجأ الفريق إلى قاعدة بيانات تقارير الاستشهادات (Journal Citation Reports) لتحميل قوائم الاستشهادات من 12 ألف مجلة علمية، بالنسبة لفيسبوك اعتمد الفريق على بيانات فيسبوك المعلنة من 16 صفحة فيسبوك شهيرة ذات معدلات مشاركة عالية، النيويورك تايمز، بي بي سي أخبار، سي إن إن، ناسا، ناشيونال جيوغرافيك، صفحة كريستيانو رونالدو، صفحة موقع آي إم دي بي، الحزب الديمقراطي الأميركي.. إلخ.

 

فيسبوك والعلم! حقًا؟!

تطور شعبية منشور ما على فيسبوك أو بحث ما في الوسط العلمي يخضع بشكل إحصائي للبيئة الاجتماعية لكل منهما ونفس قواعد اختيار الأفراد لمشاركة منشور ما أو الاستشهاد بصحة بحث ما

بكساباي
 

تقف تلك الورقة البحثية على عدة قواعد بسيطة، فعدد استشهادات البحث هو ببساطة مقياس لشعبيته ومن المفترض أيضًا أن تكون الاستشهادات هي انعكاس لجودة وقوة هذا البحث، وأن تمثّل تقييمًا لكاتبيه كأفراد أو مجموعات أو المؤسسات التابع لها، أما بالنسبة لفيسبوك فقد اهتم الفريق البحثي بخاصية المشاركة (Share) وليس الإعجاب لأنها أكثر تعبيرًا عن الانتباه للمنشور والاهتمام به، ولأنها كذلك أقرب لمفهوم الاستشهاد (Citation) في العلوم.

 

تشير الدراسة(3) إلى أن نمط توزيع الاستشهادات بالأبحاث العلمية، والذي تم اختياره في الدراسة من وجهات نظر مختلفة "المؤلف، الجورنال، الموضوع، المؤسسة، الدولة... الخ"، يمكن إسقاط متوسطه على نفس الشكل البياني الذي يتخذه نمط تطور اختيار الأفراد لمشاركة منشور ما في فيسبوك، ما يعني أن كل منهما يخضع لنفس آليات التطور مع الزمن حتى يصل لقيمة ثابته، بمعنى أن تطور شعبية منشور ما على فيسبوك أو بحث ما في الوسط العلمي يخضع بشكل إحصائي للبيئة الاجتماعية لكل منهما ونفس قواعد اختيار الأفراد لمشاركة منشور ما أو الاستشهاد بصحة بحث ما، يدفع ذلك بنا لتأمل تأثير عملية الشعبية بغض النظر عن قوة، صحة، صدق هذا البحث.

 

للوهلة الأولى يبدو ذلك غريبًا، فيسبوك حقًا؟! هذا الكيان الفوضوي الذي لا يلتزم بأية موضوعية في انتشار المنشورات ويعتمد فقط على عدد متابعين الشخص الذي كتب أو شارك المنشور فقط، هل يمكن أن يتساوى هذا الكيان مع ما نعرفه عن المجتمع العلمي من رصانة ودقة واستقصاء دقيق لأبسط المعلومات وأكثرها بداهة؟ هل جننت؟! كريستيانو رونالدو وجامعة هارفارد؟!

 

لاحظ أن المربعات مؤسسات بحثية كهارفارد والمثلثات هي صفحات فيسبوك مثل صفحة كريستيانو رونالدو، أما الدوائر فهي مصادر البيانات (الورقة البحثية)

 

لتحقيق فهم أفضل لتلك النقطة ذات العلاقة برونالدو وجامعة هارفارد، دعنا نتأمل الشكل البياني المرفق، لا تقلق قد يبدو هذا الشكل معقد وغير قابل للفهم للوهلة الأولى، لكن فقط تأمل معي هذا الخط البياني واصطفاف كل تلك المثلثات والمربعات عليه، تلك هي متوسطات الاستشهادات من مؤسسات بحثية "المربعات" ومنشورات فيسبوك في صفحات هامة "المثلثات" وجميعها يتخذ نفس التوزيع البياني، لكن لاحظ أننا نحاول فقط تبسيط المعنى، فالأمر أعقد كثيرًا من ذلك ويخضع للكثير من قواعد الأبحاث الإحصائية ونظام بياناتها.

 

الغني يزداد غنى

في الحقيقة ليست تلك مفاجأة بالمعنى المفهوم، فكما يشير الباحثين في استنتاجهم الأخير بالدراسة إلى أن ذلك النمط يتبع قاعدة شهيرة نعرفها باسم "تأثير ماثيو"، المفهوم الشهير الذي يقول إن "الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرًا"، فربما كان أول من أشار لذلك النمط هو السوسيولوجي الشهير روبرت ك. ميرتون في الستينيات من القرن الفائت في ورقته البحثية4 الشهيرة "تأثير ماثيو في العلم" (The Matthew Effect in Science)، حيث أشار ميرتون، عالم الاجتماع الأميركي، في مقال نشره سنة 1942 بعنوان "الهيكل المعياري للعلم"(5) (The Normative Structure Of Science) إلى أن أحد أهم الضرورات أو المعايير  المؤسسية التي تعبر روح العلم الحديث هي عدم الاهتمام (Disinterestedness)، أي أنه من المفترض أن يكون أفضل (مقابل/مكافئ) ممكن للعالِم هو موقعه في مجتمع العلماء، واستشهادهم بأعماله، وليس النقود.

 

لكن بعد ذلك يطور ميرتون فكرته ليناقش مدى تأثير تلك المكانة في تراكم المصادر والمواهب والتقدير والاستشهاد حول العلماء الأكثر مكانة دون غيرهم في الوسط العلمي، حتى إن كان إنجازهم مساويًا لآخرين غير مشهورين أو ذوي مكانة مرتفعة في الوسط. حيث أن الفكرة القائلة أن الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرًا قائمة في صورة تلك المكانة العلمية للفرد أو المؤسسة في الوسط العلمي والتي تجذب الجميع ناحيتهم، بذلك فهي تؤثر بشكل أوسع ربما حينما توجه هيكلة ونظم التواصل في المجتمع العلمي ككل، وتخلق نقاط مركزية تجتذب الوسط لها بغض النظر ربما عن جودة ما تقدم أو صدقه أو موضوعيته، وهنا سوف يختلف تأثير نفس الورقة العلمية المكتوبة بيد عالم مغمور وآخر شهير.

 

تقول الدراسة أن معدل الاستشهاد بالورقات البحثية الخاصة بالباحثين في العلوم الطبيّة يرتفع عن المعدلات الطبيعية إن حصل هذا الباحث على تكريم ما

بكساباي
 

دعنا الآن نتأمل ورقة بحثية نشرت(6) بمشاركة مدرسة الدارة في جامعة "إم آي تي" مع جامعتي كاليفورنيا وبوسطن، تقول الدراسة أن معدل الاستشهاد بالورقات البحثية الخاصة بالباحثين في العلوم الطبيّة يرتفع عن المعدلات الطبيعية إن حصل هذا الباحث على تكريم ما، بدون أية أسباب موضوعية تتعلق بقيمة الورقة البحثية نفسها، وأن ورقات بحثية تنتشر في الوسط والعمل البحثي دون غيرها بغض النظر عن أفضلية أي منها على الآخر، فقط بسبب مكانة صاحبها في الوسط البحثي، عدد الميداليات والتكريمات التي حصل عليها، بل إن التأثير يزداد بشكل أكبر وأوضح في تلك الورقات البحثية التي نشرت قبل فترة قصيرة من استلام جائزة ما.

 

اهتم الفريق البحثي بدراسة الورقات العلمية المنشورة من قبل أطباء حصلوا على لقب باحث (Investigators) في معهد هوارد هيوز الطبي (Howard Hughes Medical Institute)، في الفترة بين 1984 و 2003 لتدرس 424 عالِمًا بعدد 3636 ورقة بحثية مقارنة بنفس العدد من الورقات البحثية في مجموعة عادية من العلماء للمقارنة، مع الإشارة إلى ملاحظة إضافية هامة، وهي أن درجة الاستشهاد بأعمال هؤلاء العلماء ارتفعت بنسبة 12% فقط إن كانت ورقاتهم البحثية منشورة في مجلات هامة كـ "Cell" "Biology" أو "Nature"، لكنها كانت 24% أكثر ارتفاعًا في ورقاتهم المنشورة في مجلات أقل في القيمة العلمية.

 

كيف يتطور العلم؟

إنها إذن ربما نفس القاعدة التي يخضع لها كل شيء في العالم، كتابٌ ما يحصل على درجة من الشهرة، يلفت الانتباه، فيصبح مشهورًا بشكل أكبر ثم يدخل قائمة "الأكثر مبيعًا" فتدور الدورة من جديد لإعطائه زخمًا أكبر، وهكذا حتى يصل لدرجة ثابتة، منشورٌ ما على فيسبوك يلقى إعجابا ومشاركات بالمئات فيتسبب ذلك في أن يظهر عند عدد أكبر من الناس فيقومون بدورهم بعمل مشاركة وإعجاب فيرتفع انتشار المنشور بشكل أُسّي ربما بغض النظر عن موضوعه أو دقته أو رصانته، ويبدو أن الاستشهاد بالأبحاث العلمية قد يخضع لنفس القواعد!

  

يتعذر علينا أن نحقق اختيار عقلاني بين النظريات العلمية، لا يمكن لنا بشكل عقلاني تحديد أي النظريات سوف يمر ليصبح جزءا من العلم وأيها سوف يبقى

بكساباي
 

لا شك أن ذلك النوع من الأبحاث لا يمكن بسهولة أن يعطي تأكيدات على صحة نتائج كتلك، كالعادة نحتاج للمزيد من البحث، لكن لا شك كذلك أن هناك تأثير واضح في البنى الإحصائية التي ترسمها النماذج الرياضية هنا، نحن فقط لا نعرف "من السبب في من؟"، في تلك النقطة تجدر الإشارة إلى أن تأثيرات كتلك توقعها فلاسفة مثل ويلارد كواين(7) وتوماس كون(8) وباول فييرابند(9) من قبل، حيث طوّر ويلارد كواين، الفيلسوف الأميركي، في مقاله الأشهر "عقيدتان في التجريبية" (Two Dogmas of empiricism) نموذجًا يكون العلم كله فيه شبكة واحدة مترابطة من المعاني والدلالات والفروض والفروض الإضافية تركيبيًا وتحليليًا، بدءًا من خبرتنا(10) بأكثر الموضوعات عرضية في الجغرافيا والتاريخ حتى أكثر القوانين عمقًا في الفيزياء الذرية أو حتى الرياضيات البحتة والمنطق.

 

لكن ذلك النموذج -ويدعى دوهيم كواين- يعني أنه يتعذر علينا أن نحقق اختيار عقلاني بين النظريات العلمية، لا يمكن لنا بشكل عقلاني تحديد أي النظريات سوف يمر ليصبح جزءا من العلم وأيها سوف يبقى، هنا اقترح توماس كون وباول فييرابند أن الاختيار بين النظريات العلمية والنماذج الإرشادية في الوسط العلمي يحدث فقط لأن مؤيديه أكثر قوة، شهرة، ذكاء، أو موهبة، أو أي شيء آخر له علاقة بسيكولوجية تلك العملية وليس عقلانيتها.

 

عند تلك النقطة تدخل سوسيولوجيا المعرفة العلمية لتبحث في مجتمع العلماء، تكوينه وانحيازاته وآليات توجيه الأفكار به، العلم إذن هو -رغم أهميته القصوى وتميزه الشديد- نشاط بشري كغيره، يتدخل فيه ما يحكم باقي الأنشطة البشرية، يصل الأمر أقصاه حينما يقول باول فييرآبند فيلسوف العلم الأشهر إن(11)  "العلم إنما هو أيديولوجيا ضمن أيديولوجيات متعددة، وينبغي فصله تماما عن الدولة مثلما يعتبر الدين الآن منفصلا عن الدولة".

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك