انضم إلينا
اغلاق
سندريلا.. هل يمكن أن يرعاك أحد أفضل من أبويك؟

سندريلا.. هل يمكن أن يرعاك أحد أفضل من أبويك؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

في الفيلم العربي الشهير "تزوير في أوراق رسمية" يقرر كامل لعب دوره الفنان محمود عبد العزيز -الذي عانى في طفولته من زوجة أب قاسية- أن يسجل طفلين باسم زوجته دولت، واحد منهما هو ابنها البيولوجي، والآخر هو ابنُه من امرأة أخرى تزوجها وشاءت الأقدار أن تلد في نفس الليلة مع دولت وتموت في أثناء الولادة، هنا يقرر كامل ألا يخبر زوجته بإجابة سؤالها "من منهما ابني؟" حتى تقوم بتربيتهما بالتساوي دون تفريق في المعاملة، هل يمكن بالفعل أن تفرّق الأم/الأب في المعاملة بين أبنائهم البيولوجيين والمتبنين؟

 

حسنا، سوف تحتاج منّا الإجابة عن هذا التساؤل إلى بعض الخوض في العديد من الدراسات والفرضيات المتعلقة بعلم النفس التطوري، حيث بدأت الإشارة إلى عنف الآباء البدلاء -أي زوجة الأب وزوج الأم- ضد الأطفال في أوائل السبعينيات(1) من القرن الماضي حينما لاحظ ب. د. سكوت الطبيب النفسي الشرعي أن 52% من حالات القتل بسبب الضرب في الأطفال جاءت من آباء بُدلاء (Stepparents)، وسميّت تلك الحالة بـ تأثير سيندريلا نسبة إلى حكاية سيندريلا الخيالية مع زوجة أبيها.

 

عنف ضد الأطفال
  
لفتت تلك الملاحظة انتباه العديد من الباحثين، وخلال ثلاثين عاما جُمعت العديد من الدلائل على صحّتها، خاصة عند دراسة عائلات وُجِّدَ فيها الأبناء البيولوجيين مع أبناء ليسوا كذلك، لتصل النتائج(2) إلى أنه من بين كل 22 حالة عنف ضد الأبناء كان هناك 19 حالة من الأبناء غير البيولوجيين، بينما 3 فقط كانت حالات عنف ضد الأبناء البيولوجيين، تواترت النتائج على تأكيد تلك الحالة من عدة دول كبريطانيا، كندا، الولايات المتحدة، تنزانيا، المكسيك، جنوب أفريقيا، ما عنى أن الحالة ربما تكون عابرة للثقافات، أقصد أنها لا تتأثر بثقافة محددة، بل تحدث عند الجميع، لذلك ربما قد ترتبط حالات كتلك بأسباب بيولوجية، هنا يدخل كل من مارتن دالي (Martin Daly) ومارجو ويلسون (Margo Wilson) للعبة البحثية.

 

رأى باحثونا أن تأثير سيندريلا هو دليل مباشر على صحة المفهوم التطوري المسمى بالتكيف الشامل (Inclusive Fitness)، حيث إن هناك نوعين من التكيف: نوع مباشر يقع على عاتق الفرد تجاه ذاته، وآخر غير مباشر يقوم به الفرد لحماية آخرين أقرباء له من أجل تمرير جيناته من خلالهم، ويجمع التكيف الأشمل الجانبين، المباشر وغير المباشر، عبر ما تحدده قاعدة هاميلتون التي تشرح تطور الصفات السلوكية الاجتماعية، وهو موضوع لا حاجة لنا هنا في التطرق إليه الآن فقد أشرنا له باستفاضة في مقال(3) "لماذا نحابي أقاربنا؟" والذي ربما سيخدمك كثيرا لفهم ما نقصده هنا.

 

يجادل دالي وويلسون إذن بحجة بسيطة: الاستثمار الأبوي (Parental Investment) في تربية الأطفال وهو عملية مكلفة للغاية في سبيل تمرير الجينات، حيث يتحمل كلا الأبوين الكثير من المخاطر ويبذلا الوقت والجهد والموارد الكثيرة في سبيل إنجاحها، لذلك من وجهة نظر نفسية تطورية سيكون من الصعب ألا يميز الآباء بين أبنائهم البيولوجيين وغيرهم، لذلك فإن البحوث المتعلقة بالسلوك الاجتماعي للحيوان ستوفر الأساس المنطقي لتوقع أن يكون الوالدان أكثر تمييزا في رعايتهم وحبهم لصالح أبنائهم البيولوجيين.

 

دالي وويلسون وجرائم القتل
جاءت النتائج الخاصة بدراسة عدد ضخم من حالات العنف ضد الأطفال -20 ألف حالة في الموجة الأولى فقط- لتؤكد بفارق واضح فرضية دالي وويلسون، في كندا -مثلا- ما بين 1974-1990 كان معدل قتل الأطفال تحت خمس سنوات من قبل أب بيولوجي هو 2.6 حالة في كل مليون حالة(4)، بينما كان المعدل لأب غير بيولوجي هو 321.6 حالة قتل من كل مليون حالة، يعني ذلك أن هناك فارقا بقيمة 120 ضعفا لصالح الآباء غير البيولوجيين.

  

أشارت دراسات عدة إلى أن الأطفال المتبنين أكثر عرضة بمعدل يصل إلى 15 مرة من الأطفال البيولوجيين للإصابة/الموت المنزلي الطارئ بسبب عدم الانتباه

آي إم دي بي
  

بالطبع تعمد دالي وويلسون التنويع قدر الإمكان في المعايير السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بالحالات المرصودة، لكن النتائج كانت دائما قريبة، جاء الفارق في حالة الولايات المتحدة الأميركية بأكثر من 100 ضعف، أستراليا أكثر من 300 ضعف، المملكة المتحدة أكثر من 100 ضعف، جاءت التأكيدات على فرضية دالي وويلسون من عدة مراكز بحثية (5) (6) (7) (8)، في المقابل من ذلك أكدت مجموعة أخرى من الدراسات أن العكس أيضا صحيح، فالأبناء لآباء غير بيولوجيين أقل اهتماما باللجوء لآبائهم لأجل الحصول على النصح أو لإقامة حوار معهم.

 

هنا يجب توضيح أن الأمر لا يتوقف فقط عند مشكلات ارتفاع معدلات القتل من قبل آباء بدلاء في حالة الغضب، فهذه حالة نادرة للغاية كما رأينا بالنسبة لآباء غير بيولوجيين حتى، لكن المشكلة تنتشر لتشمل كل جوانب الحياة، وهو الأمر الذي يمكن أن نراه أكثر وضوحا في حالات رعاية الطفل جسديا والانتباه له بداخل المنزل خشية أي إصابة طارئة أثناء صعود/نزول السلّم أو اللعب بالقرب من النار/الماء مثلا، في الحقيقة أشارت دراسات(9) عدة إلى أن الأطفال المتبنين أكثر عرضة بمعدل يصل إلى 15 مرة من الأطفال البيولوجيين للإصابة/الموت المنزلي الطارئ بسبب عدم الانتباه.

 

يشمل الأمر إذن الاهتمام بجوانب عدة، كالاهتمام بصحة الطفل واقتياده للطبيب عند المرض، اللعب معه وتدليله، الاهتمام بالقراءة له، الانتظام في الذهاب به إلى المدرسة، الاهتمام بأن يدخل الجامعة حينما يكبر، إعطاؤه مصروفا يوميا، عدد الساعات التي تقضيها معه كل أسبوع، مراعاة احتياجاته النفسية والجسدية بتقديم طعام صحّي له... إلخ، كل تلك الجوانب بما تشمله من تنوع وتعقد تجعل من المشكلة أكثر خطورة ربما.

 

في تلك النقطة يجب أن نحول دفة القارئ لتأمل بعض المقالات الأخرى للكاتب في علم النفس التطوري والتي وضحنا خلالها (10) (11) باستفاضة أن الأمور ترتبط دائما بمتغيرات ثقافية، اقتصادية، وربما سياسية عدة، لكن لا شك أن للبيولوجيا هنا دورا واضحا تم رصده كما رأينا في المقال وربما سوف يكون من المهم أن نضعه في الاعتبار خلال بعض نقاشاتنا حول رعاية الأطفال، لماذا؟

 

ملاحظات ضرورية

حينما يوضع تأثير سيندريلا على الطاولة أمام صانعي القوانين، هنا ربما سيكون من المفيد وضع معايير جديدة تهتم بدرجة أكبر بمراقبة الآباء البدلاء

آي إم دي بي
  
قد يقف البعض ملوحا بأن الأمور ليست كذلك، وربما قد يضرب لنا بعض الأمثلة عن آباء وأمهات بدلاء قد قدموا لأطفال ليسوا أطفالهم كمًّا من الرعاية والعناية كأنهم أبناؤهم، بل ويثير الانتباه إلى ضرورة توخّي الحذر حينما نتحدث عن موضوعات شائكة للغاية كتلك، هل تعرف كم من زوج أم و زوجة أب يمكن أن تقرأ هذا الكلام؟ هل يمكن أن تدرك تأثير ذلك على أناس تربوا على أيدي آباء وأمهات بدلاء؟

 

إنه موضوع شائك بالفعل، لكنه من الضروري إثارة الانتباه لموضوعات كتلك، الفكرة هنا أولا ليست في تعميم الفرضية الخاصة بتأثير سيندريلا، ولكن في إدخالها إلى منطقة انتباهنا حينما نتحدث عن ذلك الموضوع، خاصة حينما نحاول سن قوانين تتعلق بوضع درجات أعلى من الرقابة على الآباء البدلاء، حينما يوضع تأثير سيندريلا على الطاولة أمام صانعي القوانين في أثناء وضعهم لقوانين رعاية الأطفال، هنا ربما سيكون من المفيد وضع معايير جديدة تهتم بدرجة أكبر بمراقبة الآباء البدلاء، وتوخي الحذر تجاههم بدرجة لا تقيد من حرياتهم، وتأمل أية اتهامات ضدهم ببعض الاهتمام.

 

هنا قد تساعد سيندريلا في منع بعض الضرر، خاصة حينما تتلقى أجهزة الشرطة اتهامات تجاه آباء بدلاء من الجيران، أو حينما تلاحظ مدرسة المواد الاجتماعية تغيّرا في سلوك طفل ما، أو ربما مع ملاحظة بعض البقع الداكنة على وجوه بعض الأطفال من أثر -ربما- ضرب، في النهاية قد لا يكون ذلك صحيحا، لكن على المستوى الكلّي -مستوى المجتمع- تعني الدلالات الإحصائية الكثير، وتفيد في توجيه دفة صياغتنا للمحددات القانونية لبعض الموضوعات مهما كانت شائكة.

 

يجب كذلك أن نوضح أن الأمور ليست بتلك البساطة، فهناك فرضيات أخرى تدعي أنها تشرح تأثير سيندريلا بشكل أفضل، خذ مثلا نظرية التعلق(12) (Attachment Theory) والتي تشير إلى أن الطفل خلال أول سنتين من عمره يكوّن نوعا من التعلق مع شخص واحد، وهي أمه، بينما إن تم تبني الطفل بعد سنتين من عمره ربما يتسبب ذلك في بلبلة نفسية بالمنزل.

  

الإجابة إذن لسؤال " من يرعاك أفضل من أبويك" هي لا أحد، لا أحد يمكن له أن يعطيك كل هذا الكم من الرعاية والحب غير والديك الحقيقيين

آي إم دي بي
  

في كل الأحوال يستغل الكثير من المعارضين لفرضيات دالي وويلسون -كالفيلسوف الشهير ديفيد باتلر(13)- ضعف نسب العنف ضد الأطفال غير البيولوجيين في "حالات التبني" فقط على أنها نوع من التكذيب لأفكارهم، كذلك أشارت بعض الدراسات(14) -في السويد مثلا- إلى أن هناك خطأ في تحليل البيانات يؤدي بنا إلى فهم خاطئ لحالة تأثير سيندريلا،وإننا حينما نقدم تلك المفاهيم للجمهور العربي يجب دائما أن نوضح أن الأمر معقد، ما نحاول فعله هو التقديم له بشكل مبسط.

 

ويضيف بعض من المنتقدين كذلك أنه على النطاق الواسع فإنه إذا شهدت الأسرة عنفا ضد أحد أطفالها فإن كل أطفال العائلة غالبا سوف يكونون عرضة للتعذيب كانوا بيولوجيين أو غير بيولوجيين، كما أن الأطفال غير البيولوجيين غالبا يكونون أكبر الأطفال في المنزل، بينما ترصد حالات العنف ضد الأطفال بشكل أكبر في الأطفال الأصغر سنا، في النهاية تلتقي كل حالات المعارضة لتأثير سيندريلا عند الإشكال الشهير المتعلق بعدد المتغيرات وإمكانية إهمال بعضها قصدا أو عن غير قصد، والدلالات الإحصائية ومدى صدقها.

 

الإجابة إذن لسؤال عنوان التقرير هي: لا أحد، لا أحد يمكن له أن يعطيك كل هذا الكم من الرعاية غيرهما، لكن العلم -وخاصة العلوم الناشئة وتلك التي تحتاج للمزيد من التجريب للحصول على دلائل قوية، لا يمكن أن تعطي إجابات دقيقة عن أسئلة كتلك، أسئلة تتعلق بمعايير عدة متباينة، فكما أشرنا أن كل ما نملكه هو دلالات إحصائية لا يمكن من خلالها أن نشير إلى شخص بعينه ونقول أن هذا الشخص يسيء معاملة أطفال زوجته مثلا، كذلك لقد رصدنا بالفعل حالات عنف وقتل ضد الآباء البيولوجيين، ما يطرحه التقرير إذن هو وجهة نظر مهمة تستحق منّا بعض التأمل. 

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار