اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/1 الساعة 16:10 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/9 هـ

انضم إلينا
دماغ العبقري.. ما العلاقة بين الإبداع والمرض العقلي؟

دماغ العبقري.. ما العلاقة بين الإبداع والمرض العقلي؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"أجمل الأشياء هي تلك التي يوحي بها الجنون ويكتبها العقل"

(أندريه جيد)(1)

 

"لقد اعتبرني الناس مجنونا، ولكن لم يُبَت بعد إن كان الجنون هو أرفع درجات الذكاء أم لا، أو إن كان كلّ ما هو رائع وكل ما هو عميق نابعا من سَقَم في الفكر أو من حالات مزاجية للعقل تعلو على حساب القدرات الفكرية العامة"

(إدغار ألان پُو)(2)

 

يطرح السؤال عنوان التقرير مجموعة من المشكلات على طاولة النقاش، يتعلق معظمها باعتقاد شائع بين الناس عن علاقة أساسية بين مس من الجنون -بالصورة الفانتازية الشيطانية المعروفة- ومس من العبقرية كوجه آخر لنفس العملة الغريبة في اعتقادهم، ويدفع ذلك بالبعض لتجنب العمل في، أو حتّى التعاطي مع، النشاط الإبداعي بأية صورة كان، علما، أو أدبا، أو فنا. ثم يتطور الأمر لاستنكار أهمية الإبداع نفسه والعمل الإبداعي، والسخرية من المبدعين كانوا كبارا ومشاهير، مرورا بكل أطوار ذلك الأثر حتّى موقف الطلبة الساخر في مدرسة ما من طفل في المدرسة يبرع في الرياضيات أو الرسم، لذلك سوف نحاول تلمّس طريق حذر لكشف أسرار تلك العلاقة بحيث نصل ربما إلى استنتاجات بعيدة عن أرض الخيالات.

 

في الحقيقة يصل تاريخ هذا الاعتقاد القائل بوجود بين العبقرية والجنون حتّى أرسطو الذي قال(3) إنه "لم يوجد عقل عظيم بدون لمسة جنون"، لكن هذا الاعتقاد ظل حتّى السبعينيات من القرن الفائت خاضعا لمجموعة من التكهّنات والتصورّات الأدبية أو الفلسفية التي لم تمتلك بعدُ دلائل تجريبية تقترب من الوضوح على صحّتها. والمشكلة التي تواجهنا في هذا المقال ربما سوف تكون ذات علاقة بتوضيح الفارق بين ما يقصده الناس حينما يقولون إن "الفنون جنون" بتلك الصبغة الفانتازية السينمائية المنتشرة في الأحاديث اليومية والواقع على الأرض، ذلك الذي يحتمل الكثير من النتائج.

 

تتبع الهَوَس!
تتبعت نانسي أندرسون حياة هؤلاء الأشخاص خلال 15 سنة تالية للدراسة الأولى، فوجدت أن حوالي 40% منهم تعرضّوا لنوبات الاكتئاب ثنائي القطب مقارنة بـ 10% فقط من مجموعة طبيعية و1% من عامة الناس (نانسي أندريسون)
 
يبدأ تاريخ البحث وراء هذه العلاقة من تجارب نانسي أندرسن(4) (Nancy Andreasen) أستاذة علم الأعصاب والطب النفسي العصبي بجامعة أيوا في السبعينيات، حينما أخضعت التاريخ المرضي لمجموعة من 30 كاتبا شهيرا للدراسة (5) (6) (7) بحثا عن علاقة بين الإبداع وحالات الفصام بالتحديد، ثم وجدت نانسي بالفعل ارتباطا بدرجة ما بين الإبداع والفصام، لكن ما أثار انتباهها هو الارتباط الأكثر وضوحا بفارق شاسع بين تلك الحالات قيد الدراسة والاضطرابات المزاجية، حيث عانى 80% من المجموعة من نوبة واحدة على الأقل من الاكتئاب، الهوس الخفيف (Hypomania)، أو الهوَس (Mania) -أحد أعراض الاضطراب ثنائي القطب- مقارنة بـ 30% في حالة مجموعة طبيعية، دعا ذلك نانسي أندرسون لتتبع حياة هؤلاء الأشخاص خلال 15 سنة تالية للدراسة الأولى، فوجدت أن حوالي 40% منهم تعرضّوا لنوبات الاكتئاب ثنائي القطب مقارنة بـ 10% فقط من مجموعة طبيعية و1% من عامة الناس.

 

في الحقيقة يعد إخضاع الكتّاب خصوصا -أدباء، أو شعراء، أو مفكرين- للدراسة مفهوما، فبجانب صعوبة الحصول على التاريخ المرضي لشخص ما، خاصة حينما نبحث شخصا مات قبل قرن أو اثنين مثل إدغار آلان بو (Edgar Allan Poe)، كي تكون الأبحاث خاصتنا عابرة لحقب زمنية مختلفة مما يقينا من التأثير الثقافي، يمكن لكتابات هؤلاء الأشخاص أن تساعدنا على تتبع حالات الإصابة، وتتبع تزايد أو انخفاض معدلات الإصابة بها وارتباط ذلك بالعملية الإبداعية، كذلك يفيد في هذا السياق الخطابات المتبادلة -حالة فينسنت فان جوخ مثلا-، التعليقات، كتب السيرة الذاتية، أو كتب لشخص كان قريبا من المبدع في حياته.

  

إدغار ألان بو، ناقد أدبي وشاعر، لكنه حاول الانتحار وكان قد دخل مستشفى الأمراض العقلية قبل ذلك بأربع سنوات، مع تاريخ حافل بنوبات الاكتئاب وثنائي القطب

مواقع التواصل 
  

في كل الأحوال يعد هذا النوع من الدراسات التي تتبع حياة عباقرة ومبدعين وتقوم بعمل تقصٍّ دقيق للفترات التي تعرضوا فيها لنوبات الاضطراب العقلي هو الأصعب، لصعوبة الحصول -كما قلنا- على سجلات طبّية لهؤلاء العباقرة، أو حتى التشخيص الصحيح، فالطب النفسي هو فرع حديث نسبيا وقبله كانت العلوم العصبية غاية في التخبط تجاه تلك الاضطرابات، لكنه رغم ذلك ومع جهد الباحثين بالتتبع الدقيق لحياة بعض العباقرة يعطينا دفعة جيّدة لفهم تلك العلاقة المثيرة للانتباه.

 

خذ مثلا روبرت شومان (1810-1856) الموسيقار الألماني الشهير الذي يضعه الكثيرون من النقّاد كأهم مؤلف موسيقي في الحقبة الرومانسية الألمانية، حاول شومان الانتحار مرّتين في حياته، الأولى عند سن الثالثة والعشرين، ثم في الرابعة والأربعين، ثم مات بعدها بعامين في مستشفى للأمراض العقلية عندما توقف عن تناول الطعام، ما لفت انتباه الباحثين لسيرة شومان هو أنه تعرّض لنوبات من الهوّس والهوس الخفيف مرّتين في حياته (1840 و 1849) وكانت تلك هي الفترات التي(8) (9) (10) قدّم فيها أكثر إبداعاته كثافة، بينما لم يقدم أي شيء يذكر في أثناء تعرضه لنوبات الاكتئاب في سنة 1844.

 

نجد نفس الأنماط التي ذكرناها منذ قليل مثلا في إدغار ألان بو(11) الذي حاول الانتحار 1848، وكان قد دخل مستشفى الأمراض العقلية قبل ذلك بأربع سنوات، مع تاريخ حافل بنوبات الاكتئاب وثنائي القطب، كذلك فينسنت فان جوخ(12) (Vincent Willem van Gogh) (1853-1890) أحد أشهر الرسّامين وأكثرهم تأثيرا في تاريخ الفن الغربي والذي قدّم حوالي 2100 عمل فنّي، عانى فان جوخ من نوبات متكررة من الاكتئاب، والهَوس، وحالات ممتزجة منهما، مع نوبات من الذُهان (Psychosis) ظهرت واضحة في السنين الأخيرة من عمره، حتى انتحر في النهاية. وما يلفت النظر هنا هو أن تردد النوبات في كل حالة منهم يزداد مع الزمن، وهذا مفهوم في إطار تلك الاضطرابات، لأنه في حالة عدم العلاج تزداد قسوتها مع الزمن وكذلك تزداد فرص حدوث اضطرابات مزاجية وعقلية مجاورة، كأن يصاب مريض بالاضطراب ثنائي القطب بالاكتئاب، أو الذُهان، أو العكس، لكن هل لهذا الارتفاع في معدلات النوبات علاقة بارتفاع شديد في معدلات إنتاج جوخ في السنوات الخمس الأخيرة من حياته؟

 

في أعلى الصورة ترى مجموعة عامة الجمهور، حينما نقارنها بين قيم مجموعات الدراسات المجاورة؛ نجد فروقًا واضحة في نسب حدوث الانتحار وارتباطه بالعاملين في مجالات إبداعية (الكتابة، الموسيقى، الرسم) (الجزيرة)

 

تميل الاحتمالات هنا للإجابة بـ "نعم"، دعنا مثلا نتأمل الرسم البياني(13) المرفق الذي يوضح مجموعة من الدراسات المهمة التي تتبعت اختلاف نسب الانتحار بين المبدعين في عدة مجالات ونسبة الانتحار في الجمهور العادي (أعلى الصورة)، كما تلاحظ فهناك اختلاف واضح يصل إلى 17% في بعض الحالات، تلك الدراسات التي عرضت لها -وقامت ببعضها- كاي ريدفيلد جيمسون أستاذة الطب النفسي في كلية الطب بجامعة جونز هوپكنز، وأحد أهم باحثي هذا المضمار، والتي عانت بشكل شخصي مع الاضطراب ثنائي القطب في كتاب "الممسوس بالنار: الاضطراب ثنائي القطب والمزاج الفنّي" (Touched with Fire: Manic-Depressive Illness and the Artistic Temperament)، نفس الاختلافات نجدها في دراسات لنفس الباحثين عن فروق واضحة في حالات الهوس، الهوَس الخفيف، والاكتئاب بين جمهور المبدعين والعامة تصل في بعض الأحيان لـ 70% اكتئاب مقابل أقل من 20% للعامة و75% حالات ثنائي القطب مقابل 3% للعامة.

 

في الحقيقة يعد الارتباط بين حالات الهَوس تحديدا -أحد مميزات الاضطراب ثنائي القطب(14)- والإبداع مفهوما في إطار أعراض الهوس الرئيسة التي يكون المريض خلالها أكثر نشاطا وأقل رغبة في النوم، وأكثر انفتاحا على العالم ورغبة في استكشافه، وأكثر قبولا للتجديد والخوض في أرض غامضة لم يدخلها من قبل، ترتفع روح المغامرة في حالات الهَوس وترتفع كذلك درجات الشعور بالعظمة ويمتلك الخاضع لتلك الحالة وعيا أكبر بذاته وقدرة عالية على الإنتاج، في تلك النقطة تفيد الكثير من الدراسات أن الاضطراب المزاجي والعقلي يشيع في فئات من المبدعين دون فئات أخرى، في الرسّامين، والممثلين، والكتّاب بشكل أكبر من الباحثين في العلوم مثلا، بمعنى أن الاضطراب يترافق مع الأعمال الإبداعية التي تتطلب تعاملا مع مشاعر خاصة، وتعبيرا فرديا ذاتيا، وانخراطا في حالات نفسية محددة من أجل صياغتها بالرسم، أو الكتابة، أو الموسيقى، وتستحق تلك النقطة منّا بعض التأمل.

 

الإبداع والاضطراب المزاجي في الجمهور
كان ما قدّمناه في الأسطر السابقة ذا علاقة بدراسة مجموعات من المبدعين وتتبع ارتباط حالات الإبداع الفنّي برفيقاتها من حالات الاضطراب المزاجي، لكن هذا المجال البحثي يتضمن ثلاثة أقسام أساسية(15)، الأول ذو علاقة بتتبع سير العباقرة والمبدعين، والثاني ذو علاقة بعمل دراسات مقارنة تجمع بيانات الأولى، والثالث ذو علاقة بدراسات حالية على الأرض مع جمهور واسع، تستكمل المجموعة الأخيرة قطع الأحجية المتعلقة بالعلاقة بين الإبداع والاضطراب العقلي، حيث إن الدراسات التي عرضنا لها منذ قليل تعاملت مع عيّنات صغيرة نسبيا، وتخللتها مشكلات مفاهيمية وإجرائية تتعلق بتتبع تاريخ شخصيات بعينها، دعنا الآن نتحوّل لمجموعة من أهم تجارب النوع الأخير.

  

إن المصابين بالاضطراب ثنائي القطب يجدون مكانا إحصائيا واضحا في المهن الإبداعية، بل إن أقارب المرضى بالاكتئاب ثنائي القطب والفصام من الدرجة الأولى تواجدوا بنسب ملحوظة في المهن الإبداعية

رويترز
  

أقرب تلك الدراسات ربما كانت قبل أقل من عامين ونشرت(16) في الجورنال البريطاني للطب النفسي (British Journal of Psychiatry) بقيادة دانيال سميث أستاذ الطب النفسي بجامعة غلاسكو (University of Glasgow)، وحاولت الربط بين بحث قيمة اختبار الذكاء (IQ) لـ1881 شخصا في طفولتهم عند عمر الثامنة، وعلاقة ذلك باحتمالات إصابة كل منهم بالاضطراب ثنائي القطب في مراحل الحياة المقبلة بحدود تقع حول 23 عاما، جاءت النتائج لترجح وجود ذلك النوع من العلاقة، حيث إن ارتفاعا بقيمة 10% مثلا في احتمالات الإصابة يصاحبه ارتفاع بنفس القيمة تقريبا في اختبارات الذكاء، بينما ظهرت النتائج أكثر وضوحا في قيم الذكاء الأعلى.

 

يتميز هذا النوع من البحث النفسي بأنه يتعلق بالإبداع اليومي وقيم اختبارات الذكاء العالية وفوق المتوسطة لكن تلك التي لا تدخل في نطاق حالات العبقرية، وبذلك يمكن لها أن تقدم لنا نتائج أكثر وضوحا مع عيّنات أكبر بفارق شاسع، دعنا مثلا نتأمل تلك الدراسة بقيادة سيمون كاياجا أستاذ الطب النفسي من معهد كارولينسكا ببلدية سلونا بستوكهولم التي نشرت في الجورنال البريطاني للطب النفسي (British Journal of Psychiatry)، والتي لفتت انتباه الوسط العلمي قبل عدة أعوام، قام الفريق البحثي بدراسة(17) (18) 300 ألف حالة ضمن عائلات عانت من اضطرابات عقلية وجاءت النتائج لتقول إن المصابين -فقط- بالاضطراب ثنائي القطب يجدون مكانا إحصائيا واضحا في المهن الإبداعية، بل إن أقارب المرضى بالاكتئاب ثنائي القطب والفصام من الدرجة الأولى كذلك تواجدوا بنسب ملحوظة في المهن الإبداعية، مع انخفاض واضح في تلك العلاقة كلما ابتعد الشخص في القرابة العائلية عن المريض.

 

وتعد الدراسة الأكبر -ربما في هذا الإطار- هي دراسة جيمس مككاب(19) (James MacCabe) التي نُشرت كذلك في الجورنال البريطاني للطب النفسي (British Journal of Psychiatry) على عيّنة مقدارها حوالي 714 ألف طالب بالمدارس السويسرية بعمر 16 عاما، قام الفريق البحثي بمتابعة تلك الحالات على مدى 10 سنوات لربط درجات اختبار الذكاء (IQ) الخاصة بهم ومعدلات تعرضهم للإصابة بالاضطرب ثنائي القطب، وظهرت النتائج لتنضم إلى سابقتها، الطلّاب الأكثر ذكاءً كانوا كذلك الأكثر تطويرا لحالات اضطراب ثنائي القطب إحصائيا، كذلك أضافت الدراسة أن القدرات الأعلى في اللغة والموسيقى كانت بشكل أوضح مترافقة بنوبات من ثنائي القطب، في الحقيقة يمكن كذلك فهم تلك النتائج في إطار حالات الهَوَس والهوَس الخفيف المصاحبة للاضطراب ثنائي القطب، والتي ترتفع فيها درجات الإبداع اللغوي لدرجة تأليف الشعر عند البعض.

  

 

يجادل الكثير من الباحثين في مجال علم النفس التطوري(20) أن ذلك الارتباط بين المرض العقلي والإبداع هو السبب لإبقاء عملية الانتخاب الطبيعي على اضطرابات كتلك، فإذا كنّا نعرف بالفعل أن الاضطراب النفسي مرتبط وراثيا ويجري في عائلات بعينها دون غيرها، وكذلك يتضح في جذور بعض العباقرة كفينسنت فان جوخ، وهيمنغواي، ولورد بايرون، أن هناك حالات انتحار كثيرة تسكن شجرة عائلاتهم، يمكن لنا هنا أن نتصوّر أن الإبقاء عليه من وجهة نظر تطورية كان بغرض الإبقاء على الإبداع معه، بمعنى أن الجماعات التي طوّرت حالات أكبر من الاكتئاب ثنائي القطب مثلا كانت أكثر قابلية كذلك لتطوير حالات من الإبداع التي خدمت ذواتهم والمجتمع ككل في أن يكون أفضل، أكثر قدرة في الحصول على الطعام، أكثر ارتباطا بالجماعة، وهو ما يجعلها أقوى وأكثر قدرة على التحمل من جماعة أخرى لم تطور تلك الأدوات، ثم يلعب الانتخاب الطبيعي على وتر الإبقاء على الأكثر قدرة على التكيّف، ليمر الاضطراب العقلي مع العبقرية، ربما يستطيع ذلك أن يفسر لمَ تنتشر اضطرابات المزاج في المجموعات ذات المستوى الاجتماعي والاقتصادي الأفضل، لكنه بالتأكيد ليس التفسير الوحيد.

 

حالة من التعقّد
في الجهة المقابلة يرى بعض الباحثين أن العلاقة بين الاضطراب العقلي والإبداع ليست بذلك الوضوح، خذ مثلا تجارب بوست إف(21) (Post F) في التسعينيات، والتي أشارت(22) إلى أن شيوع الاكتئاب في المبدعين كان مرتبطا بشيوع نوع آخر من الاضطراب وهو إدمان الكحوليات، وهو ما يثير شكوكا حول ما إذا كان الاضطراب العقلي مرتبطا فقط بإدمان الكحول دون ارتباط بالإبداع نفسه، كذلك تشير دراسة بوست أن حالات الانتحار لم تكن بالوضوح الكافي في مجموعة ضمّت 291 مبدعا، ولم تظهر إلا في خمسة فقط (هيمنغواي، بولتزمان، فان جوخ، هتلر من السياسيين، وتشايكوفسكي في الموسيقى).

 

في الفيلم الشهير "التضحية ببيدق" (Pawn Sacrifice) نتعرض لحالة غاية في العجب يصر خلالها بطلي العالم بوبي فيشر وبوريس سباسكي في بطولة العالم بآيسلندا (أغسطس/آب) 1972 أن هناك من يراقبهم عبر أجهزة تنصّت، فيشر -الذي تدهورت حالته بالفعل فيما بعد- يطلب إقامة المباراة في غرفة تنس الطاولة لأن الكاميرات وهمهمات الجمهور تصدر أصواتا تمنعه من التركيز، ويظن سباسكي أثناء المباراة أن كرسيه يحتوي على أجهزة تصنت فيطلب فحصة بالأشعة السينية، للوهلة الأولى تظن أن الفيلم فقط يطعّم الحكاية الحقيقية ببعض المشاهد لرفع المتعة، لكن في الحقيقة لقد حدث ذلك بالفعل! لكن حينما نسأل عن أسباب ذلك قد نتحيّر قليلا، هل العلاقة بين الإبداع وتلك الحالات من جنون الارتياب ذات مصدر بيولوجي، أم أنها فقط الضغوط السياسية في الحرب الباردة التي أثقلت كتفي بطلينا وترافقت مع عمل يتطلب التركيز الشديد والعزلة هي ما أنتج تلك الحالة؟

  

ليس كل عبقري مصاب بالاضطراب العقلي، وليس كل مصاب بالاضطراب العقلي عبقري، لكن نسب حدوث بعض الأنواع من الاضطرابات العقلية والمزاجية في جمهور المبدعين تقع عند نقطة أعلى من الجمهور العام

رويترز
    

نعم، يميل هذا المجال البحثي أن يرجح كفّة وجود علاقة واضحة بين الإبداع والاضطراب العقلي، لكن نحن فقط لا نعرف بعد "من سبب من؟". يرى البعض أن السبب في ذلك هو ارتباط مناطق الإبداع في الدماغ بنفس المناطق التي يصيبها الاضطراب العقلي، ويرى البعض الآخر كما يوضح د. عبد الستّار ابراهيم في كتابه "الحكمة الضائعة" الصادر في سلسلة عالم المعرفة (أبريل/نيسان) 2002 أن الارتباط هنا له سبب ثالث يقع في خلفية كل من الإبداع والاضطراب العقلي، قد يكون لذلك علاقة بنمط حياة المبدعين (23) القاسي نفسيا والمرتبط بالزج بذواتهم في أعمالهم، أو بسبب ارتباطهم الدائم بتغيرات مهنية واجتماعية، أو ربما لأن ذلك النمط من العمل يتطلب العزلة مما يدفعهم للإدمان، أو فقط لأن المبدع كما يقول أرثر ميللر الأديب الأميركي الحاصل على نوبل أن "الكاتب دائما في تعب وكرب، ليس فقط لأنه يكتب، ولكن في كل شؤون الحياة، في الزواج، والمعاملات الخارجية، والمال، وكل شيء".

 

بالطبع يواجه ذلك النطاق البحثي العديد من المشكلات(24) التي تدور معظمها حول قصوره في القدرة على تحديد نتائج واضحة، ما نمتلكه دائما هو دلالات إحصائية تشير إلى ميل احتمالي فقط، كذلك تفتقر بعض الاصطلاحات الأساسية في التجارب إلى التحديد، خذ مثلا تعريفنا لاختبار الذكاء (IQ) أو سؤالنا عن: "ما الإبداع؟ العبقرية؟"، أو حتّى التعريف الواضح لبعض الأعراض الجانبية للاضطرابات النفسية، وهي جميعها مفاهيم تتطلب تضافر عدد من العوامل غاية في التعقيد لتوضيحها بصورة دقيقة، كما تمتد الآثار الثقافية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية للتأثير عليها. يتداخل كل ذلك ليصنع عائقا أمام التأكد، لكن لا ينفي ذلك أن هناك علاقة واضحة بين الاضطراب النفسي والإبداع، ما نواجهه من مشكلات له علاقة بتفسير ذلك الارتباط الذي -في كل حال- لن يتساوى مع تفسير العامة عن مس شيطاني أو عقاب فانتازي على موهبة.

 

هنا تتضح نقطة أساسية إذن، فليس كل عبقري مصاب بالاضطراب العقلي أو قابل للإصابة به، وليس كل مصاب بالاضطراب العقلي عبقريٌّ أو قابلٌ ليكون كذلك بالمعنى المفهوم، لكن ما نود أن نوضحه هو أن نسب حدوث بعض الأنواع من الاضطرابات العقلية والمزاجية في جمهور المبدعين تقع عند نقطة أعلى مما هي موجودة في الجمهور العام، تعد تلك هي دلالة إحصائية واضحة على وجود تلك العلاقة، لكنها لا يمكن أن تُستخدم للإشارة إلى شخص بعينه على أنه بالضرورة مصاب بالهَوَس أو الاكتئاب مثلا، المبدعون هم أناس طبيعيون يذهبون لمكاتبهم في الصباح الباكر، ربما وتشغلهم نفس المشكلات المتعلقة بزواج الابنة، وأقساط السيّارة، أو ارتفاع أسعار الدولار مقابل العملات المحلّية.

 

استخدام تلك العلاقة لتحقيق فهم أفضل للإبداع وللمرض النفسي، قد يساعدنا على ابتكار أدوية جديدة لعلاج المرض النفسي حينما نستكشف مناطق من المخ تدعم السلوكين معا

رويترز
 

نحن لا نقول -ولا يستطيع باحث واحد كذلك- إن المرض العقلي هو سبب الإبداع، أو العكس، إن الإبداع هو سبب المرض العقلي، لكننا فقط نحاول أن نفحص علاقة باتت واضحة بدرجات أعلى من المعتاد بين المرض العقلي، كالاضطراب ثنائي القطب بالأخص، أو الاكتئاب، أو نوبات الجنون والفصام بشكل أقل حدّة، وبعض حالات متفاوتة من الإبداع الفنّي والأدبي، أضف إلى ذلك أننا أيضا لا نحاول أن نصوّر المرض النفسي كما تصوّره بعض الأفلام -"عقل جميل" (Beautiful Mind) أو "برهان" (Proof) مثلا- كحالة من الهوس البديع الساحر، في الحقيقة فإن الأمراض النفسية كالاكتئاب وثنائي القطب والفصام هي حالات غاية قي القسوة تتسبب في تدمير حياة صاحبها، والعبث بنظام نومه، طعامه، وتمنعه عن ممارسة حياته الطبيعية في الحالات الحادة بشكل يوجب أن يوضع المريض بالمستشفى، وربما تدفع صاحبها للانتحار.

 

ما نحاول أن نفعله إذن -وهو ما يستثير البحث العلمي في تلك النقطة- هو استخدام تلك العلاقة لتحقيق فهم أفضل للإبداع وللمرض النفسي، فربما يساعدنا ذلك يوما ما على ابتكار أدوية جديدة لعلاج المرض النفسي حينما نستكشف مناطق من المخ تدعم السلوكين معا، أو ربما نتمكن من تطوير قدراتنا الإبداعية عبر استخلاص الجانب الشيّق من تلك العلاقة، في تلك النقطة يمكن أن نشير الى اقتباس يدعو للتأمل من الشاعر البريطاني الشهير فيليب إدوارد توماس: "أتساءل، بالنسبة لشخص مثلي جاءته أعظم لحظات الإلهام في أقسى درجات الاكتئاب، هل لدواء يزيل الاكتئاب أن يزيل الإلهام؟".

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك