اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/11 الساعة 12:40 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/19 هـ

انضم إلينا
التقلب بين الاكتئاب والخوف.. كيف نفهم الاضطراب ثنائي القطب؟

التقلب بين الاكتئاب والخوف.. كيف نفهم الاضطراب ثنائي القطب؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

دعنا نتخيل أنّ هناك سيّارة تسير على الطريق بسرعة منتظمة تساوي 80 كيلومتر في الساعة، كل شيء بالنسبة لها يبدو بشكل مرتب ومنتظم وتصل دائمًا في المواعيد، للعمل ولمنزل العائلة، في نهاية اليوم الطويل. لكن، ولسبب ما، حدث أن تعطلت إحدى قطع تلك السيارة، فأصبحت تمشي بسرعة 30 كيلومتر في الساعة لمدة محددة، ثم بعد ذلك ترتفع السرعة لتصل إلى 140 كيلومتر في الساعة لمدة محددة، وهكذا بانتظام، موجات من ازدياد السرعة وانخفاضها بشكل واضح لا يمكن التحكم بها، تُرى كيف يمكن أن يكون شعور قائدها؟

 

سيظهر التوتر سيد الموقف، وسيفقد قائد المركبة أعصابه، ويعيش طوال الوقت خائفا من أية مفاجآت قد يتسبب فيها ذلك. في الاضطراب ثنائي القطب (1) (Bipolar Disorder)، يتقلب المريض بين حالات من المزاج المكتئب التعيس والتي تتميز بالتفكير البطيء المتراجع؛ بحيث لا يجد شيئًا يقوله، والطاقة المنخفضة لفعل أي شيء، واضطرابات النوم التي تتصف إما بالأرق أو النوم لساعات طويلة، تتبادل تلك مع حالات أخرى يبتهج مزاجه فيها بدرجة غير طبيعية، وينام عددا قليلا من الساعات، ويمتلئ بالطاقة والرغبة في الفعل بصورة تتجاوز الحد الطبيعي، وتملأ الأفكار دماغه لينعكس ذلك على حديثه في أكثر من موضوع بوقت واحد، نحن إذن أمام تأرجح بين كآبة غير طبيعية وابتهاج غير طبيعي يصيب 60 مليون شخص في العالم.

 

لتحقيق فهم أفضل لتلك الفكرة، دعنا نتخيل أن نظام تفكيرك اليومي هو عجلة دوّارة بسرعة ثابتة، حينما تدور تلك العجلة بسرعة أقل فإن أفكارك تقل، وآلية معالجتك للمعلومات تقل، ما يثير الانتباه أيضًا هنا، هو أن توجهك ناحية المستقبل بأفكارك يقل، أنت في الحالة الطبيعية تنظر دائمًا إلى المستقبل، سوف تذهب إلى المدرسة غدًا، وسوف تلتقي بالأصدقاء بعد قليل، وسوف تشاهد الفيلم خلال خمس ساعات.

    

حالات الهوس هي تعدد الأفكار فوق السرعة المعهودة، مما يجعل الشخص فاقدًا لما يعنيه بحديثه أو أفعاله، ويدفع ذلك لسلوكيات ربما تكون غير مقبولة في الحالة الطبيعية

بيكساباي
   

في نوبات الاكتئاب(2) -وبسبب انخفاض سرعة عجلة التفكير- يقوم دماغك -ربما كليًا- بفقد الصلة بالأفكار المستقبلية، هنا تنخفض قدرتك على بذل الجهد -فالتفكير بالمستقبل هو ما يحفزنا للفعل- ويُمسك الماضي بدفّة الحوار، فتبدأ في تذكر كل شيء سيء، ثم تحوّله ليكون هو سبب الاكتئاب الذي تعاني منه الآن، على العكس تمامًا فإن ما يحدث في حالات الهوس (Mania) المقابلة هو حالة من تعدد الأفكار فوق السرعة المعهودة، لكن ذلك التنقل السريع من فكرة لأخرى يجعل من الشخص فاقدًا لما يعنيه بحديثه أو أفعاله، ويدفع ذلك لسلوكيات ربما تكون غير مقبولة في الحالة الطبيعية.

 

دماغ متقلب
إلى الآن، ما زالت الأسباب الحقيقية لحدوث هذا الاضطراب ثنائي المزاج غير معروفة بشكل واضح، بالطبع تلعب النواقل الكيميائية(3) (Neurotransmitters)، كالدوبامين (حالات الهوس ترتبط بارتفاع في نسبة الدوبامين بالأساس) والنورأدرينالين والسيريتونين، دورًا فعّالًا فيما نعرفه عن هذا المرض القاسي وتحدد المسارات الأساسية لتصنيع أدوية مخصصة لعلاجه أو لتخفيف نوباته، لكن يتضح لنا في النهاية أن تلك النواقل الكيميائية هي ربما عرائس على مسرح يحركّها شيء آخر في الخلفية، لنتأمل معًا دراسة أخيرة هامة.

 

قبل عدة أسابيع، نشرت دورية نيتشر الشهيرة (Molecular Psychiatry) ورقة بحثية(4) عن دراسة تحليل تلوي (Meta-analysis)، تعد الأكبر من نوعها، قامت بها مجموعة متنوعة الجنسيات من الباحثين عبر عدة دول عبر التصوير بالرنين المغناطيسي (Magnetic Resonance Imaging) لأدمغة مرضى يعانون من الاضطراب ثنائي القطب، شملت الدراسة 6503 شخص من بينهم 2447 من المصابين بالاضطراب و4056 من الأناس الطبيعيين بغرض مقارنة النتائج مع المرضى، مع مراعاة درجة من التنوع حول عدة جوانب ذات علاقة بتعاطي الأدوية، فترة الإصابة، تاريخ المريض مع حالات الهوس، الحالات المزاجية، واختلاف الجنسين في التفاعل، خلال الدراسة.

   

تشير الدراسة إلى أن نسبة المادة الرمادية تنخفض بدرجة أكبر عند مرضى الاضطراب ثنائي القطب في المناطق المخية المسؤولة عن ضبط الذات (اللون البرتقالي) أما بالنسبة للمناطق المسؤولة عن الاستجابات الحسّية السمعية والبصرية (اللون الرمادي) فهي لا تتأثر (الجزيرة)

      

أشارت الدراسة(5) إلى أن أدمغة ثنائيي القطب تُظهر سماكة أقل -نسبة أقل من المادة الرمادية (Grey Matter)- في الفصوص الجبهية  (Frontal lobe)، الجدارية (Parietal lobe)، والصدغية (Temporal lobe) من المخ، وهي مناطق تتعلق بنظم الانتباه، المكافأة، استشعار الألم، تنظيم العواطف والرغبة الجنسية. وكان الجزء البطني الجانبي من القشرة الـ أمام جبهية (Ventrolateral Prefrontal Cortex) هي المنطقة الأكثر تضررًا في حالة البالغين من المرضى، أما الشباب والصغار منهم فقد كانت المنطقة الأكثر تأثرًا هي التلفيف الحافي (Supramarginal Gyrus) والفصّ الجزيري (Insula).

 

بيّنت الدراسة كذلك، أن تلك المناطق من المخ أصبحت أقل سماكة في المرضى ذوي التاريخ الأطول مع حالات الذُهان (Psychosis) مقارنة بالمرضى ذوي التاريخ القريب معها، وهذا هو ما نلاحظه أيضًا حينما نحاول فهم الدماغ المكتئب والذي يُظهر سماكة أقل في حالات المتعرضين لعدد أكبر من النوبات(6)، كذلك أظهرت الدراسة تحسنًا في الحالات التي تلقت أدوية مضادة للاختلاج (Convulsion) والتي تستخدم لتهدئة حالات الاضطراب ثنائي القطب، كذلك حدث تحسن ملحوظ في سماكة المناطق نفسها إثر استخدام المرضى لليثيوم والأدوية المضادة للذهان، وكلهما من العلاجات الرئيسية في حالات الاضطراب ثنائي القطب، ما يعني أن هناك أمل في أن تعود تلك المناطق لحالاتها الطبيعية مع العلاج.

 

في أبحاث أخرى، نجد أن منطقة اللوزة الدماغية(7) (Amygdala) تزداد حجمًا في حالات الاضطراب ثنائي القطب، خاصة حالات الهوّاس ونوبات الابتهاج الشديد، ترتبط تلك المنطقة باستجابات أجسامنا للمواقف العاطفية الشديدة؛ حيث تلعب دورا مركزيا في الاستجابة للخوف والقلق؛ لكن المثير للاهتمام هنا هو أن هناك درجة عالية من التنسيق بين اللوزة الدماغية والقشرة الـ"أمام جبهية"، والتي ترتبط أيضًا بعمليات التعبير عن الشخصية والسلوك الاجتماعي للأفراد، من أجل تنظيم عواطفنا ومزاجنا، وهو الذي يرتبط بوضوح مع الاضطراب ثنائي القطب.

 

نحن نعرف -بالفعل(8)- أن اللوزة الدماغية تهتم بصورة مركزية بتنسيق المشاعر مع حزمتين من الدوائر العصبية في المخ، ترتبط الأولى بالاستجابة العاطفية للمؤثرات الخارجية وتبدأ من الجزء البطني الجانبي من القشرة الـ "أمام جبهية" -والذي تحدثنا عنه منذ قليل- ثم تتحرك نحو منطقة المِهاد (Thalamus)، أما الحزمة الثانية فتبدأ من الجزء البطني المتوسط من القشرة الـ "أمام جبهية" (Ventromedial Prefrontal Cortex)، وتنطلق حتّى المِهاد هي الأخرى، وتتعلق بالاستجابة للمشاعر الداخلية الخاصة بك. يعتقد العلماء عبر دراسات تصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي أن هاتين الشبكتين من الوصلات العصبية هما البيت الذي يسكن فيه الاضطراب ثنائي القطب في المخ.

  

إن إصابة أحد التوائم بالاضطراب ثنائي القطب يمنح أخوه 40-70% احتمال أن يُصاب هو الآخر بنفس المرض، بينما إن كان أحد الأبوين مصابًا فإن ذلك يرفع احتمال الأطفال إلى 52%

بيكساباي
  

تُمكنّا تلك الصور الجديدة للمخ، والتي تكتسب بعض التأكيد بسبب حجم التجربة الأخيرة وحجم العمل عليها، من بناء خارطة طريق تساعد الأطباء فيما بعد على الاستمرار في البحث العلمي بمنهجية سليمة من أجل تحقيق فهم أفضل لكيفية علاج الاضطراب ثنائي القطب أو الوقاية منه في المقام الأول، وهو الهدف الرئيس للدراسة. بالطبع نحتاج للعديد من الدراسات المشابهة لوضع تصور دقيق عن علاقة تلك المناطق في المخ بالمرض، وعن تأثير أدوية بعينها على استعادة تلك المناطق تحديدًا لسمكها.

 

جينات وبيئة
لكن في النهاية، فإن تلك الدراسات التي تربط بين الاضطراب ثنائي القطب وسماكة مناطق معيّنة في المخ، وهي كثيرة على مدى السنوات السابقة وجميعها يؤكد وجود ذلك الرابط، لا تعطينا توضيحًا عن أسباب المرض الحقيقية. من جهة أخرى، يشير كثير من الباحثين إلى أن السبب الرئيسي يعد وراثيًا(9)، فأكثر الأبحاث وضوحًا هي تلك المتعلقة بالجانب الوراثي لهذا المرض، تُستخدم دراسات التوائم لوضع أفضل النتائج في تلك الحالة، وتشير إلى أن إصابة أحد التوائم بالاضطراب ثنائي القطب يمنح أخوه 40-70% احتمال أن يُصاب هو الآخر بنفس المرض، بينما إن كان أحد الأبوين مصابًا بالاضطراب ثنائي القطب فإن ذلك يرفع احتمال الأطفال إلى 52%.

 

كذلك تشير الدارسات المكثفة(10) إلى أن الإصابة بالأنواع المتعددة للاضطراب ثنائي القطب، النوع الثاني هنا، تحتمل أن تضرب الإصابة 40% في 47 فردا من الأقرباء الأكثر قرابة من المريض لتمتد حتى 20% عبر 219 فردا من الأقرباء. ويعتقد الباحثون أن النوع الثاني من الاضطراب ثنائي القطب (Bipolar ||) هو الأكثر انتشارًا عبر شبكات العائلات، وهو النوع الذي يواجه فيه المريض حالات من الاكتئاب مع حالات خفيفة من الهوس/الابتهاج (Hypomania)، أما النوع الأول (Bipolar |) فتكون نوبات الهوس خلاله شديدة ومستمرة لمدة سبعة أيام وربما تتطلب الذهاب للمستشفى، بينما تحدث نوبات الاكتئاب لمدة أسبوعين.

  

التحسن الشديد في تقنيات تصوير الدماغ البشري ربما يمكننا من إيجاد عقاقير أكثر دقة وقدرة على السيطرة على نوبات الاكتئاب والهوَس في المستقبل

دويتشه فيلله
  

أضف إلى ذلك أنّ هناك أسباب بيئية لها علاقة بتحفيز هذا الاضطراب خاصة في أطفال عندهم قابلية للإصابة به، أو أطفال يعيشون في عائلات يميل أحد أفرادها -الأب مثلًا- إلى أن يكون متقلب المزاج، وانفعالي، أو عنيف، في تلك الحالة ربما لا يطوّر الطفل نفس النوع من الاضطراب ثنائي القطب، كذلك يمكن أن يطوّر مشكلات أخرى كالفصام (Schizophrenia) أو اضطراب عدم الانتباه (ADHD)، أو أي مرض نفسي شبيه.

 

تربط مجموعة أخرى من الأبحاث مدى سوء حالة المريض مع مشكلات النوم لديه؛ حيث إن عدم انتظام الساعة البيولوجية(11) الخاصة بنا يجعله من السهل أن يقع الفرد في أسر نوبات الهوس "Mania"؛ حيث ربما يتسبب تفكيره في النوم ورغبته فيه إلى إثارة شديدة واضطراب في المزاج، بالطبع يتسبب عدم الانتظام في النوم بمشكلات أخرى متعلقة يمكن لها أن ترفع من درجة تردد وقسوة الحالة، كاضطراب مواعيد الطعام، العمل، التفاعل مع الآخرين في العائلة وخارجه، وكلها تؤثر على عمل المزاج والمخ ككل، لذلك السبب تشير العديد من الدراسات إلى رابط واضح بين نوبات الهوس واضطراب النمط الاجتماعي للفرد.

 

الاضطراب ثنائي القطب هو مشكلة غاية في التعقد، إذن، ترتبط بعدة عوامل وراثية واجتماعية وبيئية، منها ما نعرفه وربما هناك ما لا نعرف، لكن الخبر السعيد هو أن التحسن الشديد في تقنيات تصوير الدماغ البشري ربما يمكننا من إيجاد عقاقير أكثر دقة وقدرة على السيطرة على نوبات الاكتئاب والهوَس، كذلك يحتاج المريض إلى نوع خاص من الرعاية سوف يمليه الطبيب النفسي على أفراد العائلة، في تلك النقطة يجب أن نوضح أنه برغم الجوانب النفسية الكثيرة التي تتعلق بهذا الاضطراب، إلا أنه -كما قلنا في حالة الاكتئاب- هو اعتلال بيولوجي قد تتسبب فيه أسباب نفسية، لكنه لا يزال مشكلة لها علاقة بفيسيولوجيا الجسم البشري، لذلك لا تحاول بشكل مفرد أو عبر الاستفادة من تجارب آخرين أن تتدخل بشكل شخصي إن واجهتها في قريب أو بعيد، فقط ابحث عن أفضل طبيب تعرفه.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك