اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/16 الساعة 12:45 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/24 هـ

انضم إلينا
الرعب الأبيض.. هل تعيد قارة "أنتاركتيكا" تشكيل العالم؟

الرعب الأبيض.. هل تعيد قارة "أنتاركتيكا" تشكيل العالم؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
ربما كان الموضوع الأكثر لفتا لانتباه الباحثين في (يوليو/تموز) الفائت هو خبر انفصال جبل جليدي(1) بكتلة تريليون طن ومساحة حوالي ستة آلاف كيلومتر مربع عن منطقة لارسن سي (Larsen C) في شبه الجزيرة القطبية بقارة أنتاركتيكا، مما ترك المنطقة بمساحة أقل بقدر 12%، ويعتقد العلماء أنها ربما في طريقها للاختفاء تدريجيا مثلما حدث مع جارتيها لارسن ايه  1995 ولارسن بي 2002، تشكل تلك الانفصالات خطرا على السفن التي تمر من تلك المنطقة، كما يمكن أن تسافر تلك القطعة على مدى عدة عقود إلى مناطق دافئة بدرجة أكبر فيذوب الجليد، ويضيف إلى مشكلة ارتفاع منسوب مياه البحر.

 

كان هذا الجبل الجليدي قد جذب أنظار الباحثين خلال الشهور القليلة الماضية حينما ازدادت الصدوع بشكل واضح في تكوينه كما ظهر عبر الأقمار الصناعية التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، مما دعى إلى تركيز أكبر عليه وتوقع حدوث انفصال قريب له، خاصة أن انفصال جبل بتلك المساحة والحجم يعد من أكبر حوادث التاريخ من هذا النوع، وهو ما يجعله يستحق الدراسة بشكل أكبر.

 

القطعة المنفصلة من المنطقة لارسن سي هي أكبر رفيقاتها، يمكن لك تتبع خط سير الصدع العظيم الذي ضربها بداية من (نوفمبر/تشرين الثاني) 2010، كذلك يمكن أن تقارن لارسن أيه وبي وسي لتلاحظ الفارق الواضح في حجم سي، الصورة من مجلة العلوم (ScienceMag) (الجزيرة)

 

تعد تلك الانفصالات الجليدية شيئا معتادا في القارة القطبية الجنوبية يدرسه العلماء بشكل دوري، بمعنى أننا هنا لا نستطيع الإشارة إلى التغير المناخي بشكل محدد على أنه السبب في حدوث ذلك، خاصة في حالة لارسن سي التي أشارت صور الأقمار الصناعية منذ الثمانينيات(2) إلى تطور طبيعي في الصدع الخاص بها على عكس لارسن إيه وبي التي تم ربطها من قبل بتغيرات مناخية(3)، وذلك ربما الخطأ الذي وقع فيه الكثيرون أثناء الترويج للحدث الأخير، إلى جانب تصور البعض أن ذوبان هذا الجبل سوف يحدث حتما وبسرعة، لكن إلى الآن ذلك غير مؤكد إلا بتحرك تلك القطعة إلى مياه دافئة وهو غير مرجح الآن، لكن -في كل الأحوال- السياق المتعلق بالتغير المناخي يُمكن اعتباره هنا أثناء الحديث بشكل أكثر عمومية عن الظرف الذي يمر به العالم ككل حاليا.

 

هنا يمكن القول إن الرأي العام في الوسط العلمي المختص بدراسة القارة لا يميل بقوة(4)  إلى الحديث عن آثار كبيرة للتغير المناخي على معظم جسم القارة، رغم ذلك فإن المنطقة التي تأكد فيها ارتفاع درجة الحرارة بشكل أصبح يؤثر على تكوينها الجليدي هي شبه الجزيرة الغربية التي توجد بها مناطق لارسن الثلاثة، لكنها جزء صغير من القارة، كما أن المناطق الشرقية من القارة تكتسب إضافات سنوية ضخمة من الجليد عبر الأمطار الجليدية، مما دفع بعض الدراسات(5) -جاي زويلي من ناسا في 2015- إلى ترجيح القول إن القارة القطبية الجنوبية تكتسب الجليد بشكل أكبر من فقده، لكن ذلك غير مؤكد، حيث تشير آخر القراءات(6) في 2016 إلى أن فقد الجليد في الجانب بدأ بالفعل يتفوق على اكتسابه في الجانب الغربي فيها.

 

كما تلاحظ فإن الجزء الغربي من القارة القطبية الجنوبية، شبه الجزيرة القطبية، أكثر حرارة من الجزء الشرقي، وذلك هو ما يجعل الجزء الغربي أكثر تعرضا للتغيرات المناخية. (مواقع التواصل)

 

رغم ذلك فإن أثر التغير المناخي ربما بات واضحًا في الحياة على القارة نفسها، فلقد خرجت دراسة جديدة7 من مجلة "كَرِنت بايولوجي" (Current Biology)  قبل عدة أسابيع لتؤكد أن كمّيات نبات الحزاز (Moss) في القارة قد ارتفعت بشكل واضح خلال الأعوام الخمسين السابقة، مما يشير إلى أن القارة ربما تصبح خضراء في المستقبل، خاصة الجزء الغربي الذي ينحسر فيه الجليد بشكل واضح، والذي تناقص فيه بالفعل عدد بطاريق آديلي بشدة وتقلص حجم طيور الدريجة الحمراء القطبية.

 

في مناطق أخرى من العالم أُعلنت أول حالة انقراض(8) لحيوان بسبب التغير المناخي، وهو الجرذ البنّي الأسترالي، بينما انهارت البيئات الحيوية على جبال كالألب وقمم روكي بأميركا الشمالية، وأكدت دراسات أخرى سابقة لمشكلة الحزازيات قد أكّدت نموا متسارعا لبعض أنواع من العوالق النباتية9 التي لم تكن لتعيش في مياه المحيط القطبي، لكن مع انخفاض سُمْك الجليد في المحيط المتجمد الشمالي بات من الممكن لها أن تحيا من جديد، حيث يسمح رُفع الصفائح الجليدية بمرور أشعة الشمس إلى الداخل، يتلاعب التغير المناخي على نطاق واسع بالنظام البيئي العالمي كما ترى.

 

يحيلنا ذلك إلى نقطة إضافية غاية في الأهمية، وهي أن أثر التغير المناخي ظاهر على انحسار الجليد في مناطق كثيرة مختلفة غير القارة القطبية الجنوبية، تلك التي يتخذها البعض كحجة للقول إنه لا يوجد تغير مناخي، لكن ذلك غير صحيح، فارتفاع منسوب مياه البحر يحدث(10) بمعدل أكبر مما كنا نتصوره في السنين الأخيرة، فبعد أن كان المعدل هو من 1.1 ملليمتر/سنة -أضف أو اطرح 0.3 ملليمتر- خلال الفترة من 1900 حتى 1990 ارتفع ليصبح 3.1 ملليمتر/سنة من 1993 حتى 2012، ليكون التسارع في المعدل أكبر من المتوقع.

 

صور من ناسا توضح تطور الصدع الخاص بلارسن سي بين (فبراير/شباط) 2016 وانفصالها حول (يوليو/تموز) 2017، تابع الأسهم (مواقع التواصل)

 

بداية من سنة 1850 بعد انتهاء ما يسميه العلماء العصر الجليدي الصغير (Little Ice Age) بدأ انحسار الجليد (11،12،13) يظهر واضحا على الكوكب بسبب ارتفاع متوسط درجات الحرارة، لكن هذا الانحسار لم يكن متقدما إلى الأمام بشكل ثابت لكنه انعكس في بعض الأحيان، وانطلاقا من سنة 1980 بدأ انحسار الجليد يتسارع بشكل أكبر وينتشر على نطاق واسع، يظهر هذا الانحسار بشكل واضح في غرب أميركا الشمالية، آسيا، جبال الألب، المناطق الاستوائية في أميركا الجنوبية، أفريقيا، إندونيسيا، غرينلاند، بينما اعتبر انحسار الجليد في مناطق كالهيمالايا وجبال الإنديز كسبب محتمل لمشكلات تتعلق بمياه الشرب في المناطق التي تحصل على مياهها من تلك القمم.

 

وتقول التقديرات الأخيرة(14) أن ذوبان الجليد في المحيط المتجمد الشمالي قد يجعله خاليا تماما من الجليد بين عامي 2059 - 2078، ويتوقع العلماء كذلك زيادة في أشعة الشمس مما قد يؤدي مستقبلا إلى تسريع عملية انحسار الجليد في تلك النقطة، وهذه -من وجهة نظر مناخية- كارثة، دعنا هنا نمد الخطوط على استقامتها ونسأل: ما الذي سوف يحدث على أية حال إذا ذاب كل جليد الأرض مثلا؟

 

من خريطة ناشونال جيوغرافيك تلاحظ تأثير ذوبان الجليد على المنطقة العربية ( ناشونال جيوغرافيك)

 

إلى جانب التأثيرات الأساسية على نمط النظم الحيوية الذي سيتبدّل بشكل حاد للدرجة التي سوف تدفع ببعض الأنواع للانقراض، وتأثيره على إمكانية حصول سكان العالم على مياه عذبة بشكل مناسب، وتقليل انحسار الجليد لارتداد أشعة الشمس عن الأرض فيقوم ذلك بتخفيض عملية التبريد ويرتفع الاحترار العالمي وتهتز أنماط الطقس بعنف وتزداد حالات الشذوذ (موجات حارة شديدة وباردة قاسية مثلا)، فإن التأثير الأشهر الذي أشارت إليه خريطة جديدة للعالم صممتها مؤسسة ناشونال جيوغرافيك(15) بالتعاون مع عدد من العلماء والجامعات هو تآكل حواف العالم، حيث سوف يرتفع مستوى سطح البحر بمقدار سبعين مترًا عما هو الآن، كما ترى في الصورة المرفقة من مؤسسة ناشونال جيوغرافيك فإنه في الوطن العربي سوف تختفي دلتا مصر، ومدينة بغداد بالكامل، وسوف يمتد خليج العقبة إلى الداخل بضعف طوله تقريبا مع أجزاء واضحة من المغرب، وتونس، وليبيا.

 

 

هل يحدث التغير المناخي بسببنا أم أنه يحدث دون تدخلنا؟ في تلك النقطة يرى معظم العلماء أن البشر لهم دخل في إحداث هذا التغير، وأن التدخل لحل المشكلات المناخية ممكن، لكنه تدخل بالتأخير فقط، بمعنى أننا سوف نؤخّر حدوث بعض التغيرات التي كانت سوف تحدث بمعدلات أسرع، يمكن في هذا الصدد أن ترجع إلى مقالين سابقين(16،17) تحدثنا خلالهما بشكل أكثر تفصيلا عن تسارع معدلات التغير المناخي وتأثير تدخلنا من عدمه.

 

تواجه الدراسات المناخية مشكلة أساسية، وهي البطء في استخراج النتائج واتساع هوة الاحتمالات بشكل يصعّب على السياسيين اتخاذ قرارات سريعة حاسمة، وذلك هو ما يصنع البلبلة في كل مرة تجتمع فيها عدة حكومات إلى السعي نحو الوصول إلى بروتوكول عالمي للبت في أمر التغير المناخي، هنا تتدخل المصالح الخاصة ربما في صنع تلك القرارات، وتؤجل التفاعل مع المشكلة إلى حين دخولنا في نقطة يصعب معها التعامل مع المشكلة، وهنا تظهر الأزمة.

 

أنتاركتيكا إذن -إلى الآن- ليست السبب الرئيس في التغير البطيء الذي تشهده جغرافيا العالم، رغم ذلك تمثّل شبه الجزيرة القطبية خطرا شديدا بسبب ارتفاع درجات الحرارة بها عن المعدلات الطبيعية، كما ذلك لا يمنع من أن يطرح العلماء فكرة أن يذوب كل جليدها مع باقي الأرض بفعل التغير المناخي مستقبلا، وما هو مؤكد إلى الآن أن أثر التغير المناخي بسبب انحسار الجليد عن قمم العالم بات واضحا، نحن فقط نتساءل -بدرجات مرتفعة من الريبة والخوف- عن شكل المستقبل.
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك