اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/4 الساعة 13:08 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/12 هـ

انضم إلينا
كم تزن ملعقة شاي من النجم النيوتروني؟

كم تزن ملعقة شاي من النجم النيوتروني؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

يمكن بداية أن نجيب على السؤال الوارد في العنوان أنها "تزن الكثير بالتأكيد"، فنحن نعرف أن النجوم هي كيانات كثيفة للغاية، بل هي أكثر كثافة من طوابير الحصول على النسخة الجديدة من هواتف الآيفون، ورغم بساطة سؤال عنوان المقال فإن محاولة فهم عالم النجوم النيوترونية وإعطاء إجابات دقيقة عنه هو أمر بالغ التعقد والعجب، لذلك تعد تلك الأنواع من النجوم هي الأكثر لفتا لانتباه العلماء.

 

ترجع أهمية النجوم النيوترونية إلى مدى كثافتها، فهي أكثر الأجرام كثافة في الكون كله، بالطبع نعرف أن الثقوب السوداء تتكثف فيها المادة ربما بقيمة لا نهائية، لكننا لا نستطيع رصد ذلك بينما هو يقبع داخل أفق الحدث، أما النجوم النيوترونية فهي شيء نستطيع رصده ومحاولة التعرف إلى مكوناته بما نمتلك من حسابات الفيزيائيين النظريين وأدوات الرصد، لذلك فتلك هي واحدة من الفرص النادرة التي تتمكن خلالها عمليات الرصد الفلكي -وليست العلوم النظرية أو المعامل والمصادمات- من دفع عجلة الفيزياء للأمام، ذلك لأن نجوما بتلك الكثافة -بما تحمله من غرائب كمومية- تتمكن من إطلاعنا ربما على أهم أسرار الكون.

 

نجم يحتضر
للإجابة عن سؤالنا البسيط سوف نحتاج لخوض رحلة قصيرة(1) في مجموعة متنوعة من الموضوعات، وسنبدأ هنا من النهايات، يقف أي نجم ثابتا بسبب تساوي قوتين، قوة جاذبيته التي تدفعه للانهيار على ذاته، وقوة الدفع للخارج عبر التفاعلات النووية الاندماجية التي تحوّل الهيدروجين لهيليوم منتجة كما مهولا من الإشعاع الذي يدفع ضد الجاذبية، لكن في آخر أعمارها تتحول النجوم ذات الكتلة الكبيرة -ثماني مرّات أكبر من الشمس- لعملاق أحمر فائق (Red Supergiant)، فبعد انتهاء الهيدروجين من النجم وتحوّله بالكامل لهيليوم تبدأ نواة النجم في دمج الهيليوم لتحويله إلى عناصر أعلى، بينما تصل درجة حرارة النواة إلى 100 مليون درجة مئوية، مرورا بالكربون، النيون، ثم الأكسجين، السيليكون، ثم سوف نصل إلى الحديد.

 

عند تلك النقطة لا يمتلك النجم ما يكفي من الطاقة لدمج الحديد والاستمرار حتى الذهب، هنا تكسب قوة الجاذبية المعركة وينكسر الاتزان الذي تحدثنا عنه منذ قليل، فتنهار نواة النجم على ذاتها في جزء من الثانية مُحدثة انفجارا غاية في القوة للأغلفة الخارجية لدرجة أننا نراه يحدث في مجرات تقع على بعد عشرات الملايين من السنين الضوئية، نسميه مستعرا أعظم(2)(Super Nova)، مخلفة في المركز ما يسمى "نجما نيترونيا"، أو تاركة ثقبا أسود.

  

النجم النيوتروني حينما يوضع في مدينة صغيرة على سطح الأرض، بينما كتلته قد تصل إلى ضعف الشمس (مواقع التواصل)

 

يتعلّق الأمر دائما بالكتلة، فكلما كان النجم ذو كتلة أكبر يتدرج مصيره النهائي من السديم الكوكبي إلى النجم النيوتروني إلى الثقب الأسود، في الحقيقة لا نعرف تحديدا تلك النقطة التي تقف فاصلا بين النجم النيوتروني والثقب الأسود، فهي تقع بين فاصل(3) 8 كتل شمسية إلى ربما 40 كتلة شمسية، مشكلتنا مع النجوم النيوترونية تتعلق بما نعرفه عنها، فحدود اطلاعنا تقف ضمن 2000 نجم منها فقط، ولا يكفي هذا للحديث عن نتائج دقيقة أو حدود مضمونة، خاصة مع حجم النجم النيوتروني الصغير جدا، فأنت هنا تضع ما قد يصل مقدراه إلى كتلة شمسين في كرة نصف قطرها 10 إلى ربما 20 كيلومترا في المتوسط، بحجم مدينة صغيرة فقط، يبدو أن وزن ملعقة شاي من هذا الشيء الغريب سوف يكون كبيرا، لكن قبل أن نتطرق إلى إجابة هنا نود أن نسأل: لماذا يكون وزنها كبيرا أصلا؟

 

حساء الجسيمات اللذيذ
قبل البدء في سبر أغوار النجم النيوتروني يجب أن نتوقف قليلا لتعلم بعض الشيء عن عالم الذرة، حيث إنه إذا كانت النواة الذرية بحجم حبة رمل عندها سوف تكون الذرة بحجم أوبرا ضخمة على بعد 50 مترا على الجدران تتواجد أقرب الإلكترونات التي تدور حول النواة، إذا يتكون 99.999999999999% من حجم الذرة من فراغ.

 

تتكون النواة من بروتونات ونيوترونات، البروتونات موجبة الشحنة أكبر في الكتلة من الإلكترونات بـحوالي 1800 مرة، وعددها هو ما يحدد هوية العنصر، فالهيدروجين تحتوي نواته على بروتون واحد، الهيليوم 2، الأكسجين 8، الكلور 17... وهكذا، في المقابل من البروتونات يتواجد نفس العدد من الإلكترونات في مدارات الذرة، الإلكترون سالب الشحنة مما يجعل الذرة في الحالة العادية متعادلة بين نفس العدد من الشحنات الموجبة والسالبة. وتحتوي النواة على 99.4% تقريبا من كتلة الذرة، فالنيوترونات -هي الأخرى- أكبر في الكتلة من الإلكترونات بنفس القدر تقريبا، النيترونات متعادلة الشحنة تعطي الذرة جزءا رئيسا من كتلتها.

  

في بعض الأحيان يبلغ المجال المغناطيسي النجم النيوتروني من القوة بحيث يتمكن من صنع نفّاثات وتوهّجات نجمية دائرية كما ترى في التصميم (مواقع التواصل)

 

يتعلق الأمر إذن بحجم الذرة، أو بالأحرى "فراغ الذرة"، حيث إنه حينما ينضغط النجم على ذاته تبدأ تلك المساحة من الذرة في الانضغاط للدرجة التي تقرب الإلكترونات من النواة فتلتحم مع معظم البروتونات الموجبة عبر ما نسميه "القوى النوية الضعيفة" (Weak interaction)، متسببة في صنع النيوترونات والتي تشكل النجم النيوتروني ومنها اكتسب اسمه، لقد تحدثنا عن القوى النووية من قبل في تقرير مهم(4) عن فيزياء الجسيمات، ربما سوف تود أن تلقي نظرة عليه لتحقيق فهم أفضل عن تلك النقطة.

 

الأمر للوهلة الأولى يبدو بسيطا، ما يحدث إذن هو اندماج لإلكترونات الذرات في بروتوناتها وتكوين نيوترونات، لكن تلك هي البداية فقط، فبينما يبدو سطح النجم الخارجي قريبا بشكل أو بآخر من المادة العادية التي نعرفها فإن المركز يطحن المادة بداخله لتصل إلى 100 تريلليون مرة من كثافة المادة العادية، في تلك الحالة نتوقع أن تتصرف النيوترونات بآليات ربما تبدو غريبة ومتطرفة بتطرف تلك الكثافات.

 

في تلك النقطة ما زال الخلاف قائما(5)، نحن لا نعرف بعد ما يمكن أن يتواجد في قلب نجم نيوتروني، يظن العلماء أنه في نواة نجم له تلك الصفات ربما تنضغط النيوترونات نفسها على ذاتها لتصنع حساء من الكواركات (Quark Soap) المنضغط على ذاته بقوة، بل يمكن أن تعيد تلك الكواركات تنظيم ذاتها لصنع ما نسميه "الهيبرونات" (hyperons)، وهي باريونات (تركيب ثلاثي الكواركات) بشرط أن يكون أحد كواركاتها من النوع غريب (Strange).

 

نوع آخر من النجوم النيوترونية هو النجوم المغناطيسية، حيث نعرف أن قوة المجال المغناطيسي للنجم النيوتروني العادي تساوي تريليونات المرات قدرة المجال المغناطيسي للأرض، لكن النجوم المغناطيسية أكبر 1000 مرة من هذا القدر

مع تلك الدرجات المهولة من الكثافة والإشعاع، يتصور العلماء أنه توجد أسباب منطقية لتوقع ما هو أكثر غرابة من ذلك، نسميه نجما كواركيا (Quark star)، حيث يحدث بسبب الضغط الشديد الناجم عن تكدس المادة أن تخرج الكواركات من النيوترونات لتصنع حساء كواركات تنقلب نصف الكواركات السفلية (Down)، فيه إلى كواركات غريبة (Strange)، مما يصنع ما نسميه نجما غريبا (Strange star)، وهو حرفيا غريب، يرى العلماء أنه من الممكن أن تتواجد نجوم كاملة تتكون من تلك المادة.

 

هنا يجب أن نتوقف قليلا ونعود لفيزياء الجسيمات، حيث يتكون كل من البروتونات والنيوترونات من جسيمات أصغر، إنها الكواركات (Quarks)، والكواركات كالإلكترونات نعتقد أنها جسيمات أوّلية لا تتكون من جسيمات أصغر، وحسب النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات هناك 6 أنواع -نكهات- من تلك الكواركات تختلف فقط في الكتلة والشحنة، وربما في تلك النقطة سوف تعود لتقرير سابق مهم يشرح مقدمة بسيطة لفيزياء الجسيمات(6).

 

أو ربما -كما يتصوّر العلماء- يجتمع جسيمان من الفيرميونات، جسيمات المادة، لصنع بوزونات تختلف في خواصها عن جسيمات المادة العادية، حيث تسلك سلوكا غير مألوف يشبه صورة فائقة الميوعة(7) (Superfluid) من المادة تلك التي نلاحظها في سوائل الهيليوم منخفضة الحرارة أو الموصلات الفائقة وهي ما نسمّيه تكاثف بوز أينشتين (Bose-Einstein condensate)، في تلك الحالة يختفي الاحتكاك الداخلي للسائل تماما وتصل لزوجة السائل إلى الصفر.

 

في كل الأحوال، نحن لا نعرف بعد الكثير عن داخل النجم النيوتروني، لكن خارجه واضح لنا بدرجة أكبر، فالنجوم النابضة8 (Pulsars) مثلا هي نجوم نيوترونية تطلق نفاثات قُمعية الشكل أشعة من قطبي النجم المغناطيسيين، يتسبب فيها المجال المغناطيسي القوي جدا للنجم والذي يتسبب في تسخين الأقطاب الخاصه به بشدة تساعد على تسريع الجسيمات في تلك المناطق.

  

تصور تخيلي للنجم النابض إلى اليسار، لاحظ النفّاقات التي تشبه أضواء المنارة (مواقع التواصل)

 

هنا يشبه النجم النيوتروني المنارات على شواطئ البحار، تلك التي تطلق الضوء من جانبين فقط، على الأرض نتمكن من رصد تلك النفّاثات بتلسكوباتنا الراديوية حينما فقط تواجهنا تلك النفاثات أثناء دورانها، ولذلك سمّيت تلك النجوم بالنجوم النابضة، حيث يشبه الأمر نبضا غاية في الدقة يحدث بترددات عالية، فسرعة دوران النجوم النيوترونية هنا ربما تصل إلى عدة مئات من اللفات في الثانية الواحدة، كذلك يمكن لنا الاستماع إلى تلك النبضات ويظهر تردد إشارتها واضحا:

 

 

نوع آخر من النجوم النيوترونية هو النجوم المغناطيسية(9) (Magnitars)، حيث نعرف أن قوة المجال المغناطيسي للنجم النيوتروني العادي -والذي يحيط النجم مثل قطعة دونات- تساوي تريليونات المرات قدرة المجال المغناطيسي للأرض، لكن النجوم المغناطيسية أكبر 1000 مرة من هذ القدر، ويؤثر هذا المجال القوي على حركية قشرة النجم فيتسبب في انطلاق كم مهول من الإشعاع الكهرومغناطيسي يصل لدرجة أن يطلق النجم المغناطيسي المسمى "SGR 1806-20" في عُشر ثانية ما تطلقه الشمس في 100 ألف سنة!

  

توهجات عظيمة تخرج من النجم النيوتروني بسبب مجاله المغناطيسي القوي (ناسا)

 

ملعقة شاي
ربما في تلك المرحلة سوف تسأل عن: كيف نعرف ذلك كله عن تلك النجوم؟ عن تركيبها الداخلي؟ هل من طريقة لرصدها وهي بهذا الحجم الصغير؟ وكيف يمكن التأكد من تركيبها إذا كنّا لا نعرف ما هو بعد؟ يبدأ الفلكيون طريقهم لسبر أغوار النجوم النيوترونية من نفس الطريق الذي يتعرفون به إلى خصائص النجوم، وهو قياس حجم النجم عبر استقبال إشعاعه وتحليله، فنقوم بجمع ضوء النجم الكلي وقياس ما يسمى بضيائيته (Luminosity) وتحليل طيفه لتحديد درجة حرارة سطحه، مما يعطينا فرصة جيّدة لقياس حجمه بدرجة تقترب من الدقة.

 

يفيد تحديد حجم النجم في إعطائنا فرصة لتأمل تكوينه، فنجم مكون من نيوترونات له حجم مختلف عن نجم مكون من كواركات، هنا يضع العلماء تنظيراتهم لتوقع حجم النجم حسب مكوناته ثم مقارنة تلك النتائج مع الرصد، هناك العديد من الطرق التي ربما تعتمد على آليات غير مباشرة لرصد النجوم النيوترونية، ربما أشهرها حاليا هو قياس الموجات الجذبوية الصادرة عن تصادمها معا.

 

جميل جدا، الآن نصل إلى اللحظة الحاسمة، مع تلك الكثافة الشديدة لنجم تبلغ جاذبية 100 مليار مرة أقوى من الأرض، يمكن لنا جمع عدد مهول من الذرات في موضع ذرة واحدة، فإذا كنّا قادرين على تقليص حجم الذرة صاحب(10) الـ 99.999999999999 % فراغ، فإن ملء تلك القيمة بالجسيمات وضغطها معا ربما يصنع الفارق، هنا نقوم بضرب فراغ الذرة في كتلة الجسيمات، في عدد الجسيمات الممكن ضغطها فيها، في عدد الذرات الموجودة في ملعقة شاي، لنصل في النهاية إلى وزن ملعقة شاي من النجم النيوتروني: 1 تريليون كيلو جرام

 

ما يعني أن ملعقة شاي منه تزن ما يساوي قمّة إيفرست تقريبا (أعلى قمة على سطح الأرض)؟ دعنا هنا نحاول فهم ما تعنيه كلمة "تريليون" لنتصوره بالثواني، متى كنّا منذ تريليون ثانية؟ سنة 29500 قبل الميلاد، التريليون ثانية هو حوالي 31500 سنة، وعمر الحضارة البشرية كما قلنا هو حوالي 7000 سنة فقط.

 

لذلك فحينما نتحدث عن 1 تريلليون كيلو جرام فنحن نتحدث عن شيء لا يمكن تخيّله، تلك الكتلة من النجم النيوتروني إن حدث وحاولت وضعها في كوب الشاي ستسقط على الأرض وسوف تخترقها بالكامل فورا، لكن ذلك ليس الخبر السيئ في الحكاية، فما يحمله مقدار ملعقة شاي هنا من طاقة يساوي ما مقداره بيلليون قنبلة نووية، أو ما يشبه ارتطام كويكب بعرض 40 كيلومترا في كوكبنا بسرعة 30 كيلومترا في الثانية، لتتسبب ملعقة شاي في إنهاء الحياة على الأرض لأنها سوف تقوم بتبخير جزء ضخم من الكوكب!

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك