اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/15 الساعة 14:10 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/24 هـ

انضم إلينا
استكشاف زُحل.. قفزة "كاسيني" الأخيرة

استكشاف زُحل.. قفزة "كاسيني" الأخيرة

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"إنها خطوة واحدة لإنسان، لكنها قفزة عظيمة للبشرية"
  

في كل مرة نلتقي فيها بحدث عظيم ذا علاقة بالتطورات المتلاحقة الأخيرة في فهمنا للكون من حولنا أتذكر فورًا جملة نيل أرمسترونغ الشهيرة في أثناء هبوطه خلال الرحلة أبوللو 11 في منطقة من سطح القمر تدعى بحر السكون، كان ذلك سنة 1969 وتصور البشر أن هذا هو أعظم ما يمكن أن نقدمه، لكننا كنّا أكثر ذكاءً من تصوراتنا عن ذواتنا، استطعنا - كبشر - أن نستكمل تلك القفزات العظيمة يومًا بعد يوم، قفزة بعد قفزة، حتى وصلنا إلى اليوم، 15 (سبتمبر/أيلول) من العام 2017، حيث نلتقي بقفزة من نوع خاص جدًا.
 


قفزة كاسيني الأخيرة

في هذه الأثناء* يتجهز الفريق المسؤول عن المركبة كاسيني - هوينغز Cassini-Huygens، أحد مشروعات ناسا لاستكشاف المجموعة الشمسية، للإلقاء بها عمدًا - بعد انتهاء وقودها - في الغلاف الجوي الخاص بكوكب زحل، بعد عشرين عامًا من استكشاف عوالم كانت يومًا ما مجهولة تمامًا بالنسبة لنا إلا من صورة لتلسكوب هنا أو هناك، تأتي تلك القفزة الأخيرة لكاسيني لكي تُبقي على أقمار زحل، إنسيلادوس وتيتان بصورة خاصة، بلا أي أثر من عالمنا، عالم الأرض، عليها؛ حيث من الضروري أن تبقى تلك الأقمار هكذا من أجل دراسة إمكانية وجود حياة عليها دون أن نتشكك في أن يكون مصدر تلك الحياة هو مركباتنا.
 

المركبة كاسيني Cassini (مواقع التواصل)

 
انطلقت كاسيني من الأرض في (أكتوبر/تشرين الأول) سنة 1997، لتصل في 2004 إلى زحل وتبدأ في مهماتها، كان الهدف الرئيسي من الرحلة هو دراسة الهيكل ثلاثي البُعد لحلقات زحل وكيفية تكونها وديناميكيتها، كذلك طقس الكوكب ذاته وأعاصيره الضخمة، بالإضافة إلى دراسة أقمار زحل وسطحها وإمكانية وجود حياة عليها، وخلال كل تلك المدة نجحت كاسيني تمامًا في أداء مهماتها جميعًا، ثم في (أبريل/نيسان) 2017 اتخذت مدارًا جديدًا حول زحل لكن بينه وبين حلقاته، لتجهز نفسها في 15 (سبتمبر/أيلول) الحالي لتصبح جزءًا من جسد زحل نفسه، بإلقاء ذاتها في غلافه الجوي، لتنهي واحدة من أروع وأنجح المهمات التي خرجت من الأرض.

 

وربما ليس هناك ما هو أفضل من الاطلاع على بعض الملامح الهامة من رحلة هذا المستكشف الأرضي الوحيد والتي طالت لتتخطى حاجز المليار كيلومتر، كي يعطينا كم مهول من البيانات عن عوالم عجيبة تجري فيها أنهار الميثان لتصب في بحار من الميثان، وتضرب أقل أعاصيرها بسرعات وأحجام تفوق ما في الأرض بمراحل كثيرة، وتنطلق المياه من نفاثات أقمارها الثلجية الضخمة مما يسمح بوجود حياة عليها، لذلك سوف تكون المرحلة القادمة من هذا التقرير هي استعراض لكوكب زحل من عيون كاسيني خلال ثلاثة عشر عامًا من الدراسة.

 

زحل بعيون كاسيني
زحل كاملًا بحلقاته من الأعلى (مواقع التواصل)

  

على مدى أربعمائة سنة منذ اكتشاف التلسكوبات تطورت أفكارنا عن زحل يومًا بعد يوم، فبعد أن كان مجرد بقعة ملونة لا ملامح لها في التلسكوبات البدائية الأولى، بدأ الكوكب يتضح شيئًا فشيئًا فتظهر حلقاته، ثم نتعلم فيما بعد أن حجمه يساوي ما يقرب من 760 مرة حجم الأرض، ثم في عام 2013 تدور كاسيني حول الكوكب من الأعلى لتلتقط لنا واحدة من أشهر وأروع المشاهد لزحل والتي يتضح فيها نظامه كاملًا بحلقاته المنتظمة ثم لأول مرة يظهر القطب الشمالي للكوكب بهذا الوضوح وتلك الدقة، سوف تغير تلك الصورة من طبعات كتب العلوم والفيزياء والفلك في الجامعات بما تقدمه من تفاصيل جديدة مثيرة للانتباه عن زحل.
 

عاصفة بطول 130 ألف كيلومتر! (مواقع التواصل)

 
دعنا الآن نعود إلى الوراء قليلًا، حيث في (نوفمبر/تشرين الثاني) 2011، وعلى مسافة 2.2 مليون كيلو متر، التقطت كاسيني تلك الصورة لعاصفة ضخمة نشأت في الجهة الشمالية من الكوكب، ثم تحركت بعد ذلك لتصنع دائرة كاملة حوله، هذه هي أكبر عاصفة شهدها زحل بطول 130 ألف كم، لتخيل ذلك يمكن لك مقارنته بجولة حول كوكبة الأرض، لكي تدور حول الأرض مرة واحدة سوف تقطع مسافة 40 ألف كم، ما يعني أن طول تلك العاصفة الزحلية يساوي ما مقداره ثلاث لفات حول الأرض، وأكثر!

 

تعد دراسة أنظمة الطقس في الكواكب الأخرى للمجموعة الشمسية هي فرصة جيدة للتعرف على أشكال مختلفة من التغيرات المناخية على نطاقات أوسع، فدراسة مستويات غير مسبوقة من الأعاصير والعواصف يمكننا ربما من التوصل إلى نظريات تعبر بدقة أكبر عن تشكل الأغلفة الجوية ونمط حركة الرياح فيها، مما يمكننا هنا على الأرض من وضع تصورات أكثر دقة عن طقسنا الخاص.
 

الشكل السداسي بالقطب الشمالي لزحل (مواقع التواصل)

 
ينقلنا ذلك إلى اكتشاف آخر هام ذا علاقة بطقس الكوكب، وهو هذا الشكل السداسي "هيكساغون" (Hexagon) الذي تتخذه السحب بالقطب الشمالي للكوكب، يصل طول الضلع الواحد من هذا الشكل إلى حوالي 13 ألف كيلومتر، إنه تقريبًا قُطر كرة أرضية كاملة، كانت "فويغار" (Voyager) قد اكتشفت هذا الشكل في رحلتها سنة 1981 لكن كاسيني وضَّحتها بدقة وقرب أكبر، كذلك رصدت المركبة تغير لونها من الأزرق في 2006 إلى الذهبي في 2012، في الحقيقة نحن لا نعرف بعد سبب تكون هذا الشكل بتلك الدقة، خاصة أنه يتواجد فقط في القطب الشمالي للكوكب، كانت تلك الصورة كذلك هي واحدة من أروع ما التقطت كاسيني.

 

حلقات من الثلج
أطول تلك الظلال لجسم دائري صغير، ذلك هو "دافنيس" (Daphnis) أحد أقمار زحل (مواقع التواصل)

 
دعنا الآن ننتقل إلى أهم مكتشفات كاسيني، تمتد حلقات كوكب زحل ربما إلى حوالي 150 ألف كيلومتر من سطح الكوكب، أكبر من ضعف قُطر الكوكب نفسه، وهي الملمح الأشهر لزحل، وهي ما يميزه عن بقية الكواكب، تتكون من حُبيبات من الثلج بشكل أساسي والصخور بشكل أقل تتراوح أقطارها بين الميكرومتر الواحد والمتر، في الصورة الأولى التي تراها بالأعلى يمكن لك أن تلاحظ ظلال بعض الأجزاء من نظام الحلقات الخاص بزحل، بالأعلى قليلًا تلاحظ أطول تلك الظلال لجسم دائري صغير، ذلك هو "دافنيس" (Daphnis) أحد أقمار زحل يدور بين الحلقات، قطر هذا القمر هو فقط ثمانية كيلومترات.
 

بارتفاع 2.5 كيلومتر تمتد تلك البروزات في الحلقات الخاصة بزحل (مواقع التواصل)

 
من الأعلى كذلك، وفي نفس الفترة من (يوليو/تمّوز) 2009، تستطيع كاسيني أن تلتقط تلك الصورة الرائعة لبعض البروزات في "الحلقة ب" (B Ring) الخاصة بالكوكب، تلك البروزات ترتفع بمقدار 2.5 كيلومتر عن بقية مستوى الحلقات، تلك التي يبلغ سُمكها في المتوسط 10 مترات فقط، طول الجزء الذي تلتقطه الصورة هو 1200 كيلومتر، إنه تقريبًا يساوي قُطر الكرة الأرضية كاملة، ورغم أن تلك الصور قد تم التقاطها من ارتفاع 336 ألف كيلومتر، إلا أنها أقرب مسافة استطعنا النظر إلى حلقات زحل من خلالها.

 

أقمارٌ قد تنبض بالحياة
نفاثات إنسيلادوس تتكون بالأساس من الماء (مواقع التواصل)

  

دعنا الآن نترك زحل لوحده وننتقل لأقماره، لنبدأ بـ"إنسيلادوس" (Enceladus)، قمر زحل الثلجي السادس في الحجم، حيث بتنا بفضل كاسيني نعرف الآن عن وجود هيدروجين ينطلق مع تلك النفاثات الضخمة التي تخرج من الفتحات جنوب القمر، يظن العلماء أن إنسيلادوس يحتوي على محيطات واسعة من المياه أسفل سطحه تصل حرارتها ربما إلى 90 درجة مئوية، ومع وجود المياه الخارجة من تلك النفّاثات بتركيز يصل إلى 98%، والهيدروجين، وعناصر أخرى كالميثان والأمونيا، يمكن أن نضع القمر إنسيلادوس على قائمة الأماكن التي قد تقبل بوجود حياة، يتوقع العلماء أنها سوف تتمركز حول تلك النفاثات الضخمة.
 

عوالم تايتان الهيدروكربونية (مواقع التواصل)

 
وأخيرًا، نصل إلى تلك الصورة الرائعة والتي التقطتها كاسيني في (نوفمبر/تشرين الثاني) 2015 عبر نطاق كهرومغناطيسي قريب من الأشعة تحت الحمراء، ليمكننا من النفاذ داخل غلاف الميثان الجوي المحيط بالقمر "تايتان" (Titan) أكبر أقمار زحل والذي يمكن أن تراه بتلسكوب صغير كنقطة لامعة بجانب الكوكب، كما ترى فإن بعض المناطق من القمر تم التقاطها بدقة عالية عن الأخرى، لكن يتضح لنا بشكل أفضل تلك البقعة من القمر التي تشبه حرف (H) مقلوبة والتي تسمى "فينسال" (Fensal) -الجزء العلوي- و"أزتلان" (Aztlan) -الجزء السفلي-، تلك المناطق الغنية بالمركبات الهيدروكربونية.

 

درجة حرارة سطح تايتان تبلغ حوالي 179 تحت الصفر، في تلك الدرجة القاسية يكون الماء المجمد بصلابة الغرانيت، على الرغم من ذلك يظن العلماء أن الكوكب قد يحتوي على حياة بسبب تواجد بحيرات سائلة من الميثان والإيثان على سطحه، قد يساعد هذا المحتوى من الهيدروكربونات على تكون صور من الحياة، في الحقيقة يدفعنا ذلك للاهتمام بتايتان، لأنه إن وُجدت حياة عليه سوف تكون حياة ناشئة خارج إطار الماء ، فحين نكتشف وجود حياة قائمة عن الماء فذلك قد يعني أنها انتقلت من الأرض أو إلى الأرض، وبالتالي يصبح منشأها واحدًا، أما الحياة غير القائمة على الماء فتؤكد أنها مصدر مختلف المنشأ للحياة في الكون، سوف تكون تلك مفاجأة من نوع خاص.

 

نقطة زرقاء باهتة
زحل في أروع صوره مُضاءً بنور الشمس (مواقع التواصل)

 
دعنا الآن ننتهي من رحلتنا مع كاسيني بصورة مميزة للغاية التقطتها في (يوليو/تموز) 2013 حيث توجهت المركبة إلى الكوكب من الخلف لتجعله في مواجهة الشمس، فكأنه يكسف ضوء الشمس عنّا، ليمكنّا ذلك الموضع للمركبة من التقاط صورة أوضح للكوكب تضرب الشمس فيها حلقاته من الخلف فيظهر بهذا الشكل المهيب الغاية في الروعة، استمرت المركبة ما يقترب من 15 ساعة في ظلال الكوكب لالتقاط تلك الصورة، لكن ما يميزها ليس ما سبق في الواقع، هناك سبب آخر، لنتأمل تلك النقطة قليلًا.
 

  

 
أعد النظر قليلًا للصورة، لكن هذه المرة تأمل الجانب الأيمن بالأسفل من الحلقات، هل ترى تلك النقطة الزرقاء الباهتة؟ نعم، انها كوكبنا، الأرض، ربما اختار كارل ساغان بالفعل أفضل عنوان ممكن لكتاب حينما سماه "نقطة زرقاء باهتة" (Pale Blue Dot)، فمن تلك المسافة، ما يقرب من 1.4 مليار كيلومتر، لا يمكن أن نرى أي شيء من الأرض سوى ذلك، تختفي خلافاتنا، حروبنا، ثقافاتنا، مشكلاتنا البسيطة والمعقدة، أغانينا وقبورنا وشوارع مدننا ثقيلة الحركة، أهدافنا من أجل مستقبل أفضل في بلاد مُحبطة أو مُحبِطه، ولا يتبقى إلا الفضاء الشاسع الساكن، بينما نظن نحن على الأرض أننا كل شيء في الكون، نحن فقط - بتعبير كارل ساغان - ذرة غبار مُلقاة في صحراء كبيرة.

 

حسنًا، ساعدتنا كاسيني في أن نقفز مرة أخرى في المجهول، أن نتعرف بدقة إلى هيكل هذا الكون من حولنا، وأن نستمر في رحلتنا للبحث عن أي شيء يمكن له أن يشبها، يشبه وجودنا، في هذا الفضاء الشاسع بالأعلى. في تلك المرحلة من رحلتنا ربما قد يسأل البعض عن سبب ذلك كله، لم نتكلف كل تلك الملايين من الدولارات في سبيل ما يمكن أن نسميه "رفاهية علمية" هنا؟ ألم يكن من الأفضل أن ننفق كل ذلك على الفقراء أو من أجل بناء عالم أفضل هنا على الأرض؟

 

في الحقيقة لا نمتلك إجابة واضحة لهذا السؤال، بالفعل تضغط المجالس الناطقة بمصالح الشعوب في أوروبا والولايات المتحدة لتخفيف حجم الإنفاق على مشروعات الفضاء بشكل عام، لكن في المقابل تظهر أهمية سياسية واقتصادية كبرى لهذا النوع من الإنفاق، فبجانب القوة الناعمة للدول صاحبة الانجاز العلمي بحيث أصبحت تتنافس في ذلك دول عدة كالصين واليابان ومؤخرًا الهند، هناك أيضًا اقتصاد ضخم مبني على ذلك النوع من البحث ومكتشفاته، لكن ربما، ربما، هناك سبب إضافي آخر مهم، وهو حاجتنا على الأرض للمعرفة، للتعلم، لاستكشاف هذا الكون والبحث عن ذواتنا من خلاله.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك