اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/29 الساعة 14:02 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/9 هـ

انضم إلينا
البحث عن الطاقة.. هل يتمكن اليورانيوم من إنقاذ الكوكب؟

البحث عن الطاقة.. هل يتمكن اليورانيوم من إنقاذ الكوكب؟

الزهراء جمعة

صحفية ومترجمة
  • ض
  • ض
مقدمة المترجمة

رغم الاتجاه العالمي الجديد الدافع للاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة لإنقاذ البيئة والحفاظ على الكوكب والجنس البشري بأكمله فإن الحل ربما يكمن في يد مصدر طاقة آخر قادر على جلب الرخاء والوفرة رغم ارتباط اسمه بالحروب والدمار، فكيف يمكن تحقيق هذه المعادلة؟

نص التقرير

في كل أرجاء العالم يبدو أن الانتقال من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة حادث لا محالة، وهي التي قد رُوّج لها للمرة الأولى في الستينيات والسبعينيات كوسيلة يرجو بها الناس الاقتراب من الطبيعة وتحاول بها الدول تحقيق استقلال الطاقة. ولم يأت الناس لرؤية اعتمادها أمرا حاسما لمنع الاحترار العالمي إلا في الآونة الأخيرة، وفقط خلال السنوات العشر الأخيرة أدى انتشار مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح إلى إقناع الكثير من الجمهور أن مثل هذا التحول قابل للحدوث.
 

في (ديسمبر/كانون الأول) 2014 اتفق 78% من المجيبين على دراسة استقصائية عالمية كبيرة أجرتها شركة "إبسوس" على أنه "في المستقبل ستتمكن مصادر الطاقة المتجددة من أن تحل تماما محل الوقود الأحفوري".


وفي نهاية كتابه التأريخي الجديد الكاسح "الطاقة والحضارة" يبدو أن فاكلاف سميل يوافق، لكنه -وهو واحد من أهم خبراء الطاقة في العالم- يؤكد أن أي انتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة سيستغرق وقتا أطول بكثير مما يعتقد أكثر مؤيديها المتحمسين.

في عام 2015، حتى بعد عقود من الدعم الحكومي الكثيف، فإن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تقدم 1.8٪ فقط من الطاقة العالمية

مواقع التواصل
 

يروي سميل في كتابه: لقد شهدت البشرية ثلاثة تحولات للطاقة الرئيسة: من الخشب والروث إلى الفحم، ثم إلى النفط، ومن ثم إلى الغاز الطبيعي. واستغرق كل منهم وقتا طويلا للغاية، ومع ذلك لم يكتمل أي منها بعد، فما زال ما يقرب من ملياري شخص يعتمدون على الخشب والروث للتدفئة والطهي. ويقول: "رغم أن تسلسل البدائل الثلاثة لا يعني أن الانتقال الرابع الذي أصبح الآن في أبكر مراحله سوف يسير بوتيرة متشابهة (مع استبدال الوقود الأحفوري بتحويلات جديدة لتدفقات الطاقة المتجددة) فإن الاحتمالات تذهب لصالح عملية ممتدة أخرى".


وفي عام 2015، حتى بعد عقود من الدعم الحكومي الكثيف، فإن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تقدم 1.8٪ فقط من الطاقة العالمية. ولإكمال عملية الانتقال ستحتاج الطاقة المتجددة إلى إمداد العالم بالكهرباء واستبدال الوقود الأحفوري المستخدم في النقل وفي تصنيع المواد الشائعة مثل الأسمنت والبلاستيك والأمونيا.
 
ويعبّر سميل عن سخطه على "متفائلي التكنولوجيا الذين يرون مستقبلا به طاقة غير محدودة، سواء من الخلايا الكهروضوئية (خلايا الفوتوفولتيك) أو من الاندماج النووي"، ويقول إن هذه الرؤية ليست سوى خرافة.
 
وفي هذه النقطة يتفق الجمهور مع سميل ولا يتفقون مع متفائلي التكنولوجيا، ففي المسح ذاته لـ "إبسوس" لعام 2014 اتفق 66% على أن "مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الكهرومائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح لا يمكنها تلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة".

 

الطاقة النووية أكثر كفاءة بكثير من مصادر الطاقة المتجددة، وأكثر أمانا ونظافة بكثير من حرق الوقود الأحفوري  (وكالة الأنباء الأوروبية)


وهو محق حول بطء وتيرة تحولات الطاقة، لكن شكوكه حول مصادر الطاقة المتجددة ليست كافية، فمن غير المحتمل أن توفر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أكثر من جزء صغير من طاقة العالم، فهي متفرقة جدا ولا يمكن الاعتماد عليها. كما أن الطاقة الكهرومائية التي تنتج حاليا 2.4% فقط من الطاقة العالمية تحل محل الوقود الأحفوري، حيث إن معظم الأنهار في العالم قد دمرت بالفعل. ولكن إذا ما أُريد للبشرية أن تتجنب الكارثة الإيكولوجية فإنها يجب أن تجد سبيلا لفصل نفسها عن الوقود الأحفوري.

 
ويشير سميل إلى أنه ينبغي للعالم تحقيق ذلك من خلال خفض استهلاك الفرد من الطاقة بشكل حاد، وهو ما دعت إليه مجموعات بيئية على مدى السنوات الأربعين الماضية، ولكن على مدى تلك الفترة ارتفع نصيب الفرد من استهلاك الطاقة في البلدان المتقدمة والنامية على السواء، وذلك لسبب وجيه هو أن زيادة استهلاك الطاقة يسمح بتحسّن مستويات المعيشة بشكل كبير، وستعني محاولة عكس هذا الاتجاه انتهاء بؤس الكثير من أجزاء العالم.
 
إن الحل يكمن في الطاقة النووية التي لا يتناولها سميل إلا بإيجاز وبصورة غير كافية، فالطاقة النووية أكثر كفاءة بكثير من مصادر الطاقة المتجددة، وأكثر أمانا ونظافة بكثير من حرق الوقود الأحفوري. ونتيجة لذلك فإنها السبيل الوحيد لكي تقلل البشرية إلى حد كبير من أثرها البيئي وتنتشل كل بلد من براثن الفقر.
 

تاريخ الطاقة



قليل من العلماء فقط هم من تمكنوا من مجال دراسة متعددة التخصصات بالطريقة التي فعلها سميل في مجال الطاقة الذي نشر فيه أكثر من 20 كتابا، ويقدم كتاب "الطاقة والحضارة" شريعة سميل، وصورة عامة لتطور الإنسان العاقل، ونهضة الزراعة، والظهور الحديث جدا للحضارة الصناعية ذات الطاقة العالية.

 
إن جوهر حجة سميل هو أن تاريخ التطور البشري والتنمية هو من تحويل كميات متزايدة من الطاقة إلى ثروة وسلطة أكبر، مما يسمح للمجتمعات البشرية أن تنمو أكثر تعقيدا مما قبل، "وللتعميم، عبر آلاف السنين، فإن مدخلات الطاقة الأكثر كفاءة والأعلى التي يتطلبها التعقيد الاجتماعي والاقتصادي الأعلى تصف واقعا لا يقبل المناقشة".

 
وبدأ هذا السعي لمزيد من الطاقة مع الإنسان الأول الذي عاش على الإغارة والصيد، واشتهى الأطعمة الغنية بالطاقة، مثل الزيوت والدهون الحيوانية التي تحتوي على ضعفي إلى أضعاف الطاقة من البروتين وعشرة إلى أربعين ضعف ما يوجد بالفواكه والخضروات، بالإضافة إلى تسخير النار الذي سمح للإنسان البدائي باستهلاك المزيد من الدهون الحيوانية والبروتينات، مما أدى إلى تقلص مساحات الأمعاء (حيث يتطلب الطعام المطبوخ هضما أقل) ونمو أدمغتهم.  وكانت النتيجة النهائية هي ظهور الدماغ البشري الذي يتطلب ضعف الطاقة من الكتلة مقابل أدمغة الرئيسات الأخرى.
 
وقبل حوالي 10 آلاف سنة مضت بدأ البشر تدريجيا في التحول من الإغارة للحصول على الطعام إلى الزراعة، وبدأوا الاستفادة من أشكال جديدة من الطاقة، بما في ذلك الحيوانات المستأنسة  للحرث، والرياح لتشغيل الطواحين، والفضلات البشرية والحيوانية للتسميد. وسمحت المزارع الدائمة للمجتمعات البشرية أن تنمو في الحجم والقوة، ويقول سميل: "حتى المحصول العادي من الحبوب الأساسية يمكن أن يغذي، في المتوسط، عشرة أضعاف ما تطعمه زراعة نفس المنطقة المستخدمة من المزارعين المتنقلين".
  

في الهند لا يزال 75% من سكان الريف يعتمدون على الروث لأغراض الطهي، وذلك رغم دفع الحكومة الهندية والوكالات الدولية إلى الاستعاضة عنها بغاز البترول المسال

رويترز
 

ومع ذلك، يسجل سميل الحقيقة المذهلة التي تقول إنه "لا يوجد اتجاه تصاعدي واضح في نصيب الفرد من الإمدادات الغذائية عبر آلاف السنين من الزراعة التقليدية"، فقد أكل الفلاحون الصينيون الحصة نفسها تقريبا عام 1950 وقبل وصول الأسمدة الاصطناعية والري بالمضخات. وهذا يرجع جزئيا إلى أنه عبر معظم تاريخ الإنسان لم تزد المجتمعات إنتاجها من الأغذية والطاقة إلا عندما أُجبرت على ذلك بسبب عوامل مثل ارتفاع عدد السكان أو تدهور التربة، وحتى أمام المجاعات المتكررة أرجأ المزارعون باستمرار محاولات زيادة الإنتاج، لأن ذلك قد يتطلب قدرا أكبر من الجهد وساعات أطول، وبالتالي عندما زاد إنتاج الزراعة في إنكلترا في القرنين السابع عشر والثامن عشر تم تحرير المزارعين للتحرك إلى المدينة والعمل في التصنيع.
 
وتطلب التحضر والتصنيع قفزة أكبر بكثير في استهلاك الطاقة من تلك التي حدثت في الانتقال من الصيد إلى الزراعة، وقد أمكن تحقيق هذا التحول بفضل الزيادة السريعة في تنقيب الفحم، فقد قدم الفحم ما يقرب من ضعف طاقة الخشب، وبحلول منتصف وأواخر القرن التاسع عشر قدم نصف كل الوقود المستهلك في أوروبا والولايات المتحدة.
 
ورغم الفوائد الواضحة فإن الانتقال من الكتلة الحيوية إلى الوقود الأحفوري لم يكتمل بعد، ففي الهند لا يزال 75% من سكان الريف يعتمدون على الروث لأغراض الطهي، وذلك رغم دفع الحكومة الهندية والوكالات الدولية إلى الاستعاضة عنها بغاز البترول المسال. وكما يشير سميل فإنه بفضل النمو السكاني يستخدم البشر اليوم المزيد من الخشب كوقود أكثر من أي وقت آخر في التاريخ.
 
والانتقال من الاعتماد على الكتلة الحيوية منخفضة الطاقة إلى الاعتماد الصناعي على الوقود الأحفوري الذي جاء بتكلفة بشرية وبيئية عالية، ولكنها حققت أيضا تقدما كبيرا.
 

نساء يعملن في  حمل الفحم  (رويترز)

 
وبقدر ما كانت الرأسمالية الصناعية -وخاصة في أشكالها المبكرة- أمرا سيئا لعمال المصانع فقد كانت تحسّنا عما كان عليه الوضع قبل ذلك، كما يوثّق سميل في سلسلة من الأطر اللطيفة التي تخللت الكتاب المحتوي على نصوص قديمة غامضة تذكّر القارئ بوحشية الحياة اليومية قبل وأثناء الثورة الصناعية، ومنها: "ياللآلهة! ما أروع تلك المجموعة من الرجالة التي رأيتها!، كانت جلودهم متفتقة في جميع الأنحاء مع علامات من الكرباج، وظهرت ظهورهم الممتلئة بالندوب المغطاة بخرق رثة". هكذا كتب العالم الروماني في القرن الثاني لوسيوس أبوليوس، واصفا عبيد المطاحن الرومان. 
 
وقد كان التحول من الخشب إلى الفحم خاصة في السنوات الأولى مؤلما للعديد من العمال، ففي مربع آخر يقتبس سميل من "تحقيق عن النساء اللواتي يحملن الفحم تحت الأرض في أسكتلندا" الذي نُشر في عام 1812م "تنطلق الأم أولا، تحمل شمعة مضاءة بأسنانها، وتتبعها الفتيات بخطوات بائسة وبطيئة، يصعدن الدرج، ويقفن أحيانا لالتقاط النفس، وليس أمرا غريبا أن نراهن ينتحبن بمرارة نتيجة العمل المفرط".
 
ومع ذلك، بقدر ما يبدو استخراج الفحم قاسيا فقد ساعد مع مرور الزمن على تحرير البشر من الأعمال الزراعية الشاقة، وزيادة الإنتاجية، ورفع مستويات المعيشة، والحد من الاعتماد على الخشب للوقود -على الأقل في الدول المتقدمة-، مما سمح بإعادة التشجير وعودة الحياة البرية.
 

لماذا لا يمكن للطاقة المتجددة النجاح؟

 السدود المطورة يمكن أن تكمل الكهرباء الآتية من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لكنه لا توجد سدود كافية في العالم لاستيعاب الطاقة اللازمة

رويترز
 

يقول سميل إن الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة من المرجح أن يكون عملية بطيئة، لكنه لم يذكر كم ستختلف مثل هذه الخطوة عن التحولات الماضية للطاقة. ففي كل مرة تقريبا انتقل فيها المجتمع من مصدر للطاقة إلى آخر تحول إلى وقود كثيف الطاقة ويمكن الاعتماد عليه (الاستثناء الوحيد هو الغاز الطبيعي، له حجم أكبر من الفحم، ولكن استخراجه أقل بكثير من الضرر البيئي).
 
سيعني استبدال الوقود الأحفوري بمصادر الطاقة المتجددة الانتقال إلى وقود أقل موثوقية وأكثر انتشارا، ويرى العديد من الدعاة لمصادر الطاقة المتجددة أن الطاقة الكهرومائية يمكن أن تحل هذه المشكلة، ويشيرون إلى أن السدود المطورة يمكن أن تكمل الكهرباء الآتية من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لكنه لا توجد سدود كافية في العالم لاستيعاب الطاقة اللازمة.
 
وفي دراسة نشرت في (يونيو/حزيران) في الأكاديمية الوطنية للعلوم وجد فريق من الباحثين في مجال الطاقة والمناخ أن الاقتراح الأبرز لتحويل الولايات المتحدة إلى الطاقة المتجددة تماما قد بالغ في تقديرات استيعاب الولايات المتحدة للطاقة الكهروضوئية بعشرة أضعاف. وبدون مبالغة، لا يمكن لأي مصدر للطاقة المتجددة أن يحل محل الطاقة المولدة من الشمس والرياح خلال الفترات الطويلة التي لا تشرق فيها الشمس ولا تهب فيها الرياح.

 

الألواح الشمسية المقطعة، غالبا ما يتم شحنها إلى البلدان الفقيرة التي بلا إجراءات وقائية بيئية كافية

الجزيرة
 

وعلاوة على ذلك فإن جميع التحولات الثلاثة السابقة للطاقة أدت إلى ما يعرف بـ "إزالة المواد"، أي إنتاج الوقود الجديد نفس الكمية من الطاقة باستخدام موارد طبيعية أقل بكثير. وعلى النقيض من ذلك فإن الانتقال من الوقود الأحفوري إلى الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو الكتلة الحيوية أو الطاقة الكهرومائية سيتطلب إعادة استخدام المواد الطبيعية، نظرا لأن أشعة الشمس والرياح والمواد العضوية والمياه كلها ذات طاقة أفقر بكثير من النفط والغاز.
 
وتتنبأ الفيزياء الأساسية بأن إعادة استخدام المواد الطبيعية من شأنها أن تزيد من الآثار البيئية لتوليد الطاقة بشكل كبير. ورغم أنها لن تكون سلبية تماما فإن بها الكثير مما قد يضر بالبيئة، فالألواح الشمسية المقطعة، على سبيل المثال، غالبا ما يتم شحنها إلى البلدان الفقيرة التي بلا إجراءات وقائية بيئية كافية، حيث يمكن للمعادن الثقيلة السامة التي تحتويها أن تنتقل إلى إمدادات المياه.

وبالنظر إلى أن سميل قد تطرق أكثر من أي شخص لشرح العلاقة بين كثافة الطاقة والأثر البيئي فإنه من المستغرب أنه لا يخصص الكثير لهذه المشكلة فيما يتعلق بالطاقة المتجددة.  في عام 2015 نشر سميل كتابا كاملا اسمه "كثافة الطاقة" يتحدث حول الموضوع العام، ويبين كيف تعتمد المدن الكبيرة على الوقود والكهرباء الكثيفين، وقد استنتج أن مصادر الطاقة المتجددة مبعثرة للغاية ولا يمكن الاعتماد عليها لتلبية المطالب المادية الضخمة لناطحات السحاب ومترو الأنفاق والملايين من الناس الذين يعيشون ويعملون معا بشكل وثيق، لكنه لم يذكر هذه العقبة عند مناقشة التحول الرابع للطاقة في كتابه الجديد.
 

طاقة الذرة



في كل من كتاب "الطاقة والحضارة" وكتاب "كثافة الطاقة" يدخل سميل مفهوم "عائد الطاقة على الاستثمار فيها" (EROEI)، وهو نسبة الطاقة المنتجة إلى الطاقة اللازمة لتوليدها، لكن سميل كذلك لم يشرح انعكاسات المفهوم على الطاقة المتجددة.

 
في كتابه "كثافة الطاقة" يشير سميل إلى دراسة عن "عائد الطاقة على الاستثمار فيها" (EROEI) نشرت في عام 2013 لفريق من العلماء الألمان الذين حسبوا أن الطاقة الشمسية والكتلة الحيوية لديها نسبة "عائد الطاقة على الاستثمار فيها" (EROEI) تساوي 3.9 و3.5 على التوالي مقارنة مع نسبة 30 للفحم و75 للطاقة النووية. وخلص الباحثون أيضا إلى أن مصادر الطاقة في المجتمعات ذات الطاقة العالية، مثل ألمانيا والولايات المتحدة، ذات نسبة "عائد الطاقة على الاستثمار فيها" (EROEI) أقل من 7 ليست قادرة على البقاء اقتصاديا، وبالتالي فإن الطاقة النووية هي الخيار النظيف الوحيد المقبول لاقتصادات متقدمة، ويعزز وضع بقية العالم في الاعتبار الموقف للطاقة النووية أكثر من ذلك.
   
وبما أن ما يقدر بملياري إنسان لا يزالون يعتمدون على الخشب والروث لطهي الطعام يلاحظ سميل أنه "ستكون هناك حاجة إلى المزيد من الطاقة في الأجيال القادمة لتوفير حياة كريمة لغالبية سكان العالم الذين لا يزالون يتزايدون"، لكنه يواصل قوله إن العواقب البيئية الناجمة عن الزيادة الكبيرة في استهلاك الطاقة العالمية "غير مقبولة". وقد يكون محقا إذا تحققت هذه الزيادة بالوقود الأحفوري، ولكن إذا رفع كل بلد سلم الطاقة -من الخشب والروث إلى الوقود الأحفوري ومن الوقود الأحفوري إلى اليورانيوم- يمكن لجميع البشر تحقيق أو حتى تجاوز المستويات الغربية لاستهلاك الطاقة مع تقليل الأضرار البيئية العالمية إلى ما دون مستويات اليوم.
   
وذلك لأن هناك طاقة أكثر بكثير بداخل ذرات اليورانيوم مما في الروابط الكيميائية داخل الخشب أو الفحم أو النفط أو الغاز الطبيعي، وأن أقل من نصف برميل نفط ممتلئ باليورانيوم يمكن أن يوفر متوسط ​​كمية الطاقة التي يستخدمها فرد أميركي طوال حياته، وعلى النقيض، لتوفير الطاقة ذاتها يحتاج الأمر العديد من عربات القطار من الفحم لإنتاج نفس الطاقة مع آثار بيئية أكبر من ذلك.

أسوأ الحوادث النووية تؤدي إلى وفيات أقل بكثير من التشغيل المعتاد لمحطات توليد الوقود الأحفوري

مواقع التواصل
 

كما تتطلب مصادر الطاقة المتجددة كذلك المزيد من الأراضي والمواد الأكثر طاقة نووية، حيث تنتج محطة ديابلو كانيون للطاقة النووية في كاليفورنيا 14 ضعفا من الكهرباء سنويا من إنتاج مزرعة توباز للطاقة الشمسية الضخمة في الدولة، ولكنها لا تحتاج سوى 15% من الأراضي التي تشغلها الأخيرة. وبما أن هذه الحقول الواسعة من الألواح والمرايا تتحول في نهاية المطاف إلى نفايات فإن الطاقة الشمسية تنتج 300 مرة من النفايات السامة لكل وحدة من الطاقة المنتجة مقابل ما تنتجه الطاقة النووية.

  
تخيل أن الطاقة الشمسية والطاقة النووية تنتج للسنوات الخمس والعشرين القادمة (متوسط ​​عمر لوحة الطاقة الشمسية) نفس الكمية من الكهرباء التي تنتجها الطاقة النووية في عام 2016 فقط. وإذا كدست نفايات كل منها على مساحة ملعبي كرة قدم فقد تصل النفايات النووية إلى ارتفاع حوالي 170 قدما، أي أقل قليلا من ارتفاع برج بيزا المائل، في حين أن النفايات الشمسية تصل إلى أكثر من 52 ألف قدم، أي ما يقرب من ضعف ارتفاع جبل إيفرست. كما أن الطاقة النووية هي الطريقة الأكثر أمانا من غيرها لتوليد الطاقة التي يمكن الاعتماد عليها وفقا لكل دراسة كبيرة نشرت في السنوات الخمسين الماضية.
   
وحتى أسوأ الحوادث النووية تؤدي إلى وفيات أقل بكثير من التشغيل المعتاد لمحطات توليد الوقود الأحفوري، وذلك بسبب الدخان السام الذي يصدر عن حرق الوقود الأحفوري. ووفقا لمنظمة الصحة العالمية فإن تلوث الهواء الناتج من هذا وإحراق الكتلة الحيوية يقتل سبعة ملايين شخص كل عام. وعلى النقيض من ذلك تنتج محطات الطاقة النووية ملوثات كبيرة فقط عندما تهرب الجسيمات المشعة نتيجة للحوادث، وهي نادرة للغاية، وعندما تحدث يتم الإفراج عن القليل من المواد المشعة وعدد قليل من الناس يتعرض لها.
 
في عام 1986م احترق مفاعل غير مدرع لأكثر من أسبوع في محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية، وهو الحادث العالمي الأسوأ على الإطلاق. غير أن منظمة الصحة العالمية قدّرت أنه من بين العاملين في حالات الطوارئ في مكان الحادث لم يتوف سوى حوالي 50 شخصا، وعلى مدى 75 عاما بعد الكارثة فلن يسبّب الإشعاع سوى حوالي 4000 حالة وفاة مبكرة.
 
 

ويأتي التهديد الحقيقي للجمهور من مخاوف غير عقلانية من الطاقة النووية، فلم يؤد حادث فوكوشيما النووي الذي وقع في اليابان في عام 2011 إلى أي وفيات ناجمة عن التعرض المباشر للإشعاع، غير أن الخوف العام دفع رئيس الوزراء الياباني للتدخل دون داع، مما أدى إلى إجلاء واسع النطاق دون داع كذلك، مما أدى إلى مقتل أكثر من 1500 شخص.
 
ويعترف سميل بالفوائد البيئية والصحية التي حققتها الطاقة النووية، لكنه يكمل قائلا إن على المهندسين تحقيق "طفرة" في تقليل المدة المستغرقة لبناء محطات الطاقة النووية الجديدة. لكن دراسة شاملة عن تكاليف بناء محطة الطاقة النووية نشرت في مجلة  "إنرجي بوليسي" العام الماضي وجدت أن المفاعلات النووية المبردة بالماء (التي هي أقل تكلفة بكثير من تلك غير المبردة بالمياه) هي بالفعل رخيصة بما فيه الكفاية لتحل محل محطات طاقة الوقود الأحفوري بسرعة.
 
وفي الأماكن التي قلل فيها بناة محطات الطاقة النووية من وقت البناء -مثل فرنسا في الثمانينيات وكوريا الجنوبية في الآونة الأخيرة- لم يفعلوا ذلك عن طريق التحول إلى تصاميم هندسية مختلفة -وهي وصفة سريعة بالتأكيد لحل التأخير-، بل بجعل نفس المديرين والعمال ذوي الخبرة يبنون نفس أنواع الوحدات في كل المواقع.
 
ورغم شكوكه فإن سميل يترك الباب مفتوحا أمام الطاقة النووية لتلعب دورا في المستقبل، لكنه يتجاهل حقيقة أن المجتمع النووي بالكامل سيكون أفضل بكثير من آخر به الطاقة النووية جزئية، لأنه لن يكون هناك حاجة للوقود الأحفوري أو طواحين الرياح والمزارع الشمسية المهدرة التي لا يمكن الاعتماد عليها. 

وفي الستينيات والسبعينيات اعتبر بعض خصوم الطاقة النووية أنها تكنولوجيا خطيرة لأنها ستزوّد البشرية بالكثير من الطاقة. وفي عام 1975م كتب عالم الأحياء بول إرليخ في تقرير المصلحة العامة للعلماء الأميركيين أن "إعطاء المجتمع طاقة رخيصة وفيرة في هذه المرحلة سيكون المعادل الأخلاقي لإعطاء طفل أحمق مدفعا رشاشا".
   

الكثير من الداعين  للحفاظ على البيئة يدعمون مساعدة صغار المزارعين في الدول الفقيرة على استبدال الأخشاب بالوقود السائل

الجزيرة
 

وقال علاّمة مجال الطاقة أموري لوفينز لمجلة "ماذر إيرث" في عام 1977م "من الكارثي بالنسبة لنا أن نكتشف مصدرا من الطاقة الرخيصة والنظيفة والوفيرة بسبب ما سنفعله نحن بها"، ولا يؤمن سميل بتلك الآراء المتطرفة، لكنه يشعر بالقلق إزاء آثار الاستخدام المفرط للطاقة.

 
في "الطاقة والحضارة" -كما هو الحال في كتبه الأخرى- يهاجم إفراط الاستهلاك بالانتقادات الساخرة، على سبيل المثال "عشرات الملايين من الناس يذهبون سنويا في رحلات بين القارات إلى الشواطئ العامة للإصابة بسرطان الجلد بشكل أسرع"، و"أكثر من 500 نوع من حبوب الإفطار وأكثر من 700 نموذج من عربات الركاب"، ويسأل: "هل نحن حقا بحاجة إلى قطعة من الخردة المؤقتة المصنعة في الصين يتم تسليمها في غضون ساعات قليلة بعد طلبها من جهاز كمبيوتر؟".
 
وبقدر ما تبدو فورة سميل مسلية فإن تقييد الأنشطة ذات الطاقة العالية من شأنه أن يضر أكثر مما قد يفيد، ومن شأن تقليل السفر أن يعوق التجارة والاستثمار والتعاون السياسي الدولي، وكل ذلك من شأنه أن يبطئ النمو الاقتصادي العالمي ويمنع الدول الفقيرة من اللحاق بالثرية. ورغم أن ثقافة المستهلك تولّد مجموعة سخيفة نوعا ما من حبوب الإفطار فإنها توفر الأدوية المنقذة للحياة والأجهزة الطبية، كما يسمح المجتمع عالي الطاقة أيضا بالتقدم التكنولوجي المستمر الذي غالبا ما يقلل الأثر البيئي للبشرية.

لكي تقلل المجتمعات الحديثة الضرر البيئي يجب على كل بلد أن تتحرك نحو مصادر طاقة أكثر موثوقية وذات كثافة أكثر طاقة.

وقد أدت الأسمدة والجرارات، على سبيل المثال، إلى زيادة كبيرة في المحاصيل الزراعية، وسمحت للتربة الأفقر بالعودة إلى كونها أراض عشبية وخصبة، وللغابات والحياة البرية بالعودة إلى مواطنها السابقة. ولهذا السبب فإن عددا متزايدا من الداعين إلى الحفاظ على البيئة يدعمون مساعدة صغار المزارعين في الدول الفقيرة على استبدال الأخشاب بالوقود السائل وتحسين إمكانية وصولهم إلى الأسمدة الحديثة وتقنيات الري من أجل تغذية السكان المتزايدين في العالم وعكس موجة إزالة الغابات.
 
ويؤدي تحقيق طفرات في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى أشكال من إزالة الطابع المادي كان لا يمكن تصورها قبل عقد من الزمان، فكّر في الهواتف الذكية مثلا، فهي تتطلب المزيد من الطاقة للتصنيع والتشغيل عن تلك القديمة. ولكن من خلال تجنب الحاجة إلى صحف ورقية، ​​وكتب، ومجلات، وكاميرات، وساعات، وأنظمة تحديد المواقع، وخرائط، وحروف، وتقاويم، وكتب عناوين، وستريو، المنفصلة فإنه من المحتمل أن يقلل ذلك إلى حد كبير من استخدام الإنسان للطاقة والمواد على مدى القرن المقبل. والنماذج كهذه تقول إن كبح التقدم التكنولوجي يمكن أن يزيد الضرر البيئي أكثر من تسريعه، ورغم سهوات وإسقاطات سميل فإن "الطاقة والحضارة" هو كتاب حكيم وقيم.

يساعد سميل القراء على فهم العلاقات بين كثافة الطاقة في الوقود وشكل الحضارة الإنسانية والأثر البيئي للبشرية. لكن الدرس الذي لا يقدمه سميل بشكل مباشر ولكنه يتدفق حتما بين حروف كتابه هو أنه لكي تقلل المجتمعات الحديثة الضرر البيئي يجب على كل بلد أن تتحرك نحو مصادر طاقة أكثر موثوقية وذات كثافة أكثر طاقة. في العقود الأخيرة أنفقت الحكومات مليارات الدولارات لدعم مصادر الطاقة المتجددة، ومع النتائج الهائلة التي يمكن التنبؤ بها فقد آن الأوان لأن تتحول البلدان إلى بديل أكثر أمنا وأرخص وأكثر نظافة.

______________________________________

مترجم عن: (فورين أفيرز)
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار