اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/5 الساعة 14:08 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/14 هـ

انضم إلينا
"السماء الملونة".. هذه ليست لوحة لفينسنت فان جوخ

"السماء الملونة".. هذه ليست لوحة لفينسنت فان جوخ

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

 "في قائمة الغرائب التي تدعو إلى الفضول في سماء الليل يجب أن نضع سديما على شكل حلقات دائرية منتظمة متحدة المركز"

(تشارلز مسييه)

  

حسنا، ربما يدعو ذلك المشهد إلى التأمل قليلا، يشبه الأمر وقوفك على قمة هضبة ما، بينما هناك إذ تنظر إلى الأسفل توجد بحيرة زرقاء صافية، فتود لو تقفز بداخلها لتبتعد قليلا عن ركب الحضارة القاسي وربما لتهدأ روحك بعد يوم عمل طويل وممل، لكنك تخشى من طول المسافة، حينها تتركك تلك الدوائر في حالة من الاهتزاز، لتتصور -ربما- لوهلة أنك في أحد أجمل أحلامك، لكن ذلك ليس حقيقيا.

  

سديم الخاتم في أحدث صوره، تلك الدوائر المتماثلة -كما ترى- هي أثر نفض نجم في المنتصف لأغلفته الخارجية تارة بعد أخرى في شكل موجات من رياح نجمية عاتية (مواقع التواصل )

  

ليست تلك هي إحدى لوحات فينسنت فان جوخ بالطبع، ولا أي من الرسامين الذين تعرفهم، لكنها صورة التقطها التلسكوب العظيم "هابل" (Hubble) قبل عدة سنوات لقطعة من سماء الليل تدعى "سديم الخاتم" (Ring Nebula)، يتضح السبب في التسمية من الصورة، حيث يظهر السديم كحلقة دائرية تميل إلى اللون الأحمر وتشبه الخاتم، يوجد هذا الخاتم السماوي البديع في كوكبة القيثارة (Lyra)، ويظهر في ليالي الصيف، ويمكن لك عبر الخريطة المرفقة بالتقرير تحديد موضعه. القيثارة هي واحدة من أجمل كواكب السماء وقد أفردنا لها تقريرا منفصلا(1)، لكن دعنا هنا نتأمل هذا السديم البديع، لماذا يبدو بتلك الروعة؟!

 

سدم وكواكب ملوّنة!
سديم الخاتم(2,3) هو أحد أشهر أهداف هواة الفلك، بل ربما هو ثاني أشهر سديم في السماء بعد الجبّار (Orion Nebula) ملك الشتاء، فإلى جانب سهولة تحديد موضعه في السماء ليلا، حيث يقع بين نجمي السلباق والسلحفاة في كوكبة القيثارة، يمكن لك عبر تلسكوب صغير رؤيته كغيمة دخان خفيفة باهتة تحتاج لبعض التركيز وتقع عند الحد الأقصى لقدرات تلسكوبك عند القدر 8.8. يتضح هيكل السديم بشكل أفضل مع تلسكوب متوسط، فيظهر كخاتم دائري مكون من سحب داكنة يحيط بمنطقة باهتة، بالطبع نحتاج هنا أن نوضّح أن الصور تظهر في التلسكوبات بلون أبيض وأسود فقط بسبب بعد تلك الأجرام الشديد عنّا، بينما يحتاج الأمر إلى تعريض طويل للغاية بكاميرا تسمح بذلك حتّى يتمكن من رؤية الصور الملونة للسدم والمجرات.

 

يرجع تاريخ(4) رصد سديم الخاتم إلى القرن الثامن عشر، حيث لاحظ تشارلز مسييه (Charles Messier) -الفلكي الفرنسي الشهير وصاحب القائمة التي يحفظها كل هواة الفلك- غيمة حلقية بين النجمي بيتا وجاما القيثارة بينما كان يبحث عن "مذنب بودي"، هنا أعطاها مسييه الرقم "M57" وأضافها إلى قائمته الشهيرة التي كان يضع فيها كل الأجرام الغريبة التي تقابله حتى لا يتعثّر بها أي من الباحثين عن المذنبات فيما بعد، خلال الفترة نفسها حول ملاحظة مسييه كان فلكي فرنسي آخر وهو أنتوان داركي دي بيليبوا (Antoine Darquier de Pellepoix) قد رصد الشيء نفسه وقال عنه إنه "بحجم المشتري، ويشبه كوكبا باهتا"، ربما لذلك السبب أعطى الفلكيون قديما لقب "السدم الكوكبة" (Planetary Nebula) على تلك الأنواع من السدم، فقد كان الجميع وقتها يظن أنها كواكب.

   

موضع سديم الخاتم من كوكبة القيثارة (الجزيرة)

  

رفيق رحلتنا هنا هو سديم كوكبي ((5)Planetary nebula)، والسدم في الأساس هي تجمعات للغاز والغبار البين-نجمي وتتخذ أشكالا مختلفة، ولها أكثر من نوع، لكن ذلك موضوع تقرير مختلف، ما يعنينا الآن هو السديم الكوكبي، ويعني ذلك أنه سديم تكوّن حينما نفض عملاق أحمر عن نفسه أغلفته الخارجية في شكل رياح نجمية عاتية بنهاية عمره، ثم أبقى في منتصف تلك الغيمة الملونة قزما صغيرا أبيض تحيط به السحابة الضخمة، ذلك هو نفس مصير النجوم المتوسطة كالشمس، والتي سوف تتضخم بعد خمسة مليارات من الأعوام فيصل حجمها إلى مدار الأرض الآن، أما تلك النجوم التي تتخطّى ثماني كتل شمسية فربما سوف تكون نهاياتها أكثر درامية، فإما تترك نجما نيوترونيًّا بعد انفجار غاية في العظمة نسميه مستعرا أعظم (Supernova)، أو تترك مكانها -إذا كانت بالكثافة الكافية- ثقبا أسود.

 

انطلقت تلك السحب(6) الخاصة بسديم الخاتم في كل الاتجاهات قبل عشرين ألف عام تقريبًا لتصنع ما نراه الآن بعرض سنة ضوئية واحدة، أي بعرض مجموعة شمسية كاملة بحدود سحابة أوورت، هل تتخيل تلك المساحة؟ نحن هنا نتحدث عن حوالي عشرة تريليونات من الكيلومترات، وهو ما زال إلى الآن يتوسّع بمعدّل 69 ألف كيلومتر في الساعة، ما يعني أنه يتمدد بمعدل ثانية قوسية واحدة كل مئة عام، ويعني ذلك أيضا أن خفوته يزداد بسبب تمدده، حيث لا تستمر السدم الكوكبية كثيرا، فهي كما قلنا عبارة عن أغلفة نجم ما تنتفض وتندفع للخارج بسرعات مهولة، يعني ذلك أنها في مرحلة ما سوف تنتشر بالكامل في الفضاء البين-نجمي تاركة القزم الأبيض في المنتصف، كما أن هذا النجم نفسه سوف تتوقف التفاعلات فيه في النهاية، وبذلك سوف يتوقف عن إصدار الأشعة التي بدورها تضيء سحابة السديم فنراه من على الأرض.

 

تفاصيل جديدة مثيرة
كانت الصورة الأشهر لسديم الخاتم قبل 2013 هي تلك التي التقطها التلسكوب هابل أيضا في سنة 2002، حيث تظهر السحابة بلون أزرق في المنتصف ثم مائل للحمرة على الحلقة الدائرية، تلك الألوان في السحابة هي ذرّات متأينة بسبب الإشعاع الصادر من القزم الأبيض الذي يقع منتصف السديم، فمثلا اللون الأزرق في الدائرة التي تقع منتصف السديم يشير إلى وجود الهيليوم المتأين، أما الأزرق السماوي في الحلقة الداخلية فيشير إلى وجود الأكسجين والهيدروجين، أما المائل للأحمر في الحلقة الخارجية فيشير إلى وجود الكبريت والنيتروجين.

  

كانت تلك الصورة البديعة من التلسكوب هابل في 2002 وحتى 2013 هي واحدة من أشهر وأهم الصور التي التقطها التلسكوب في تاريخه الحافل بالإنجازات (مواقع التواصل)

  

في (مايو/أيار) 2013 أطلقت ناسا(7) الصورة الجديدة للسديم التي بيّنت أن سديم الخاتم ما زال لديه الكثير ليطلعنا عليه، حيث يمتلك شكلا أكثر تركيبا واختلافا عمّا كنّا نظن، ومكننا ذلك من الحصول على تصميم دقيق ثلاثي البعد للسديم، حيث اكتشفنا أن الحلقة الرئيسة بسديم الخاتم لا تشبه الفطيرة أو الكعكة وإنما يشبه قطعة الدونات، وظهر لنا أن المنطقة الزرقاء في منتصف السديم هي فص أو فقّاعة ضخمة، الصورة الجديدة هي تركيب لمجموعة صور من نطاق الضوء المرئي التقطها التلسكوب هابل (Hubble) مع مجموعة أخرى التقطت في نطاق الأشعة تحت الحمراء (infrared) التقطها التلسكوب ثنائي العين الضخم في أريزونا.

   

 

هناك عدة أسباب تجعل من السدم الكوكبية كـ "الخاتم" مناطق مميزة من سماء الليل، فإلى جانب أنها أسهل السدم في التصوير، وأكثرها لمعانا وروعة، ولذلك فهي معشوقة هواة الفلك في كل مكان بالعالم، لكنها تعد ذات أهمية خاصة لسبب آخر له علاقة بما تطلقه في الفضاء من عناصر كيميائية مهمة، فكما قلنا إنها تتمدد في الفضاء البين نجمي، أثناء ذلك قد تُستخدم العناصر الخارجة منها كالكربون، والكالسيوم، والأكسجين في بناء نجوم جديدة، أو ربما كواكب صالحة للحياة حول نجوم أخرى، من الموت إذن قد تخرج الحياة!

 

حسنا، دعنا الآن ننزل إلى الأرض، ما يفيد حقا في اتخاذ علم الفلك كهواية، مع تلسكوب بسيط غير مكلّف، هو أن ذلك قادر -بدرجة ما- على إعطائنا فكرة عمّا يحيط بنا في هذا الكون المهيب، حينما نتعلم أن تلك البقعة الباهتة هناك التي تمثل سديم الخاتم تقع بعرض مجموعة شمسية كاملة، حينما تتعلم أننا في درب التبانة بكل ما تحمل من نجوم وتجمعات نجمية وسدم فنحن ما زلنا لم نخط خطوة واحدة تجاه هضم حجم هذا البراح الكوني الواسع، ربما سوف يكون أول ما يتبادر إلى أذهاننا هو أن حياتنا هنا بالأسفل رغم تعقدها الشديد ومشكلاتها المتباينة فإنها ربما لا تساوي شيئا أمام مشكلاتنا مع بعضنا البعض، جدالاتنا، أحقادنا، وغضبنا لأن أحدهم قد قال عنّا شيئا ما للمدير في العمل، فقط سوف نترك ذلك كله لنهدأ قليلا ولنتفكّر بالأساس في مدى تفاهة ذلك كله!

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك