اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/7 الساعة 14:54 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/16 هـ

انضم إلينا
دليلك الشامل لمعرفة المجرّات المتفجّرة!

دليلك الشامل لمعرفة المجرّات المتفجّرة!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

قبل العشرينيات من القرن الفائت، كنّا نعتقد أن كل غيمة تظهر في التلسكوبات هي سديم (Nebula)، وكلمة سديم تعني "ضبابي أو غير منتظم الشكل"، كان الجميع -بما في ذلك ألبرت أينشتين مثلًا- يعتقد أن الكون كلّه هو مجرة درب التبانة، وأن تلك الغيمات التي نراها في تلسكوباتنا هي أجرام تقع داخل المجرة نفسها، ثم جاء ادوين هابل ليؤكد عبر رصد انزياح تلك الأجرام أن المحيط الكوني يحتوي على عدة جزر شبِيهه بجزِيرتنا، وأُخرجت تلك الأجرام من قائمة السدم لتصبح قائمة جديدة تمامًا، المجرات.

 

المجرات ممتعة، تتنوع أَشكلها وأنواعها وأحجامها بشكل مثير للانتباه، خاصة حينما تتابع صورها على الإنترنت وتتأمل هذا الشكل الحلزوني الدوّار بهدوء ازدحام مروري، أو حينما  تتعلم عن المسافة بينك وبينها والتي تقدر بملايين السنوات الضوئية، وعن نشوء النجوم في أذرعها كأطفال في حضّانات من الغاز والغبار الغني بالهيدروجين، وعن تركيبها وآليات عملها والسر في وجودها بهذا الشكل من الأساس، هنا سوف تتملك روحك رغبة شديدة لتعلم المزيد عنها، وربما تشتري تلسكوب بسيط وتحاول من خلاله رصدها، لذلك سوف يكون هذا التقرير -بجانب حكاياته عن مجموعة غاية في الخصوصية من المجرّات- هو أيضًا دليل عملي للتعرف إلى تلك المجرات بعينيك إن حدث وقررت شراء تلسكوبك الأول، وقد اخترناها جميعًا بحيث تتسق مع قدرات تلسكوب مبتدئ(1) صغير أو متوسّط ولا تتخطّى القدر الظاهري 9.0 إلا في حالة واحدة ممكنة لِتلسكوب كبير.

 

سيجار سماوي
دعنا نبدأ بالثنَائي المِثالي(2) (M81) و(M82) من كوكبة الدب الأكبر (Ursa Major)، فهما من أجمل المشاهد السماوية التي يمكن للمبتدئ أن يلتقطها بتلسكوب صغير، تقفان إلى جوار بعضهما البعض على مسافة قريبة للغاية بحيث يمكن أن تراهما في تلسكوب صغير معًا، تقع المَجرتان على مسافة عشر درجات تقريبًا من ألمع نجوم الكوكبة "الدّبة (Dubhe)"، ويمكن لك أن تستخدم أي تطبيق على الحاسوب كـ (Stellarium) المجاني للوصول بسهولة ويسر إليهما إن كنت تمتلك تلسكوب.

  

إلى اليسار مجرة بودي، والى اليمين السيجار، تقفان إلى جوار بعضهما البعض على مسافة قريبة للغاية بحيث يمكن أن تراهما في تلسكوب صغير معًا (مواقع التواصل)

  

تقابلنا المجرة(3) (M81) -أو "مجرة بودي" نسبة إلى مكتشفها الفلكي الألماني يوهان ايليرت بودي- بوجهها كاملًا تقريبًا، فتظهر في تلسكوبك كغمامة بيضاوية الشكل باهتة قليلًا لكنها لامعة المركز، أما (M82) -وتسمّى كذلك مجرة السيجار- فتظهر كغمامة على شكل سيجار الفعل، لكن جسم هذا السيجار يبدو متقطعًا كأن هناك زجزاج داكن مرسوم عليه، إن هذا التميز لكل من المجرتين عن بعضهما يجعل من رصدِهما أمرًا ممتعًا.

 

ربما هنا تجدر الإشارة إلى أن الرمز (M) يشير إلى الفلكي الفرنسي تشارلز مِسيية والذي كان -بينما يطارد المُزنبات في نهاية القرن الثامن عشر- يجمع أي أجرَام غريبة الشكل يقابلها في قائمة خاصة به لتكون فيما بعد دليلًا للفلكيين صائدي المذنبات كي لا يتعثّروا بها، ما يعني أن الجرم (M81) هو صاحب الترتيب 81 في قائمة مِسيية المكونة من 110 جرم سماوي (مجرات، سدم، نجوم مزدوجة، تجمعات نجمية مفتوحة وعنقودية)، فيما بعد أصبحت تلك القائمة هي واحدة من أشهر قوائم الأجرام السماوية، وتقام عدة مسابقات سنوية للهواة بعنوان "ماراثون مسيية (Messier marathon)" لتتبعها.

  

الأذرع الحلزونية الخارجية للمجرة قد بدأت بالفعل في الانفراج (مواقع التواصل)

  

بعد نظرة أولى إلى مجرة بودي سوف تلاحظ أثر رفيقتها الجذبوي عليها، فالأَذرع الحلزونية الخارجية للمجرة قد بدأت بالفعل في الانفراج(4) قليلًا للخارج بسبب شد المجرة المجاورة لها، حيث كانتا أكثر قربًا منذ ما يقرب من مائة مليون سنة، يظهر انفراج الأذرع واضحًا كذلك في الصور بالأشعة تحت الحمراء والتي التقطها التِلسكوب سبيتزر لها. وكما تلاحظ، فإن الأذرع غنية بالغُبار النجمي، في تلك المناطق تتكون النجوم الجديدة بمعدلات سريعة، ويتصور العلماء أن شدة ذلك الإشعاع الخارج منها ناتج عن تكون كمّيات كبيرة من النجوم الزرقاء غاية في السخونة والتي بدورها تسخّن غبار الأزرع فيطلق كميات هائلة من الأشعة تحت الحمراء، لكن، لم تتكون النجوم بمعدلات سريعة في الأذرع بالأساس؟

  

وكما تلاحظ في صورة الأشعة تحت الحمراء، فإن الأذرع غنية بالغُبار النجمي (مواقع التواصل)

 

في الجهة الأخرى من مجرة بودي، تبدو مجرة السيجار للوهلة الأولى كمَجرة غير منتظمة، كان ذلك بالفعل هو تصوّر العلماء عنها حتى خرجت مؤخرًا صور جديدة للمجرة توضح وجود ذراعين متماثلين لها، لكن بعيدًا عن مشكلة أن المجرة تواجهنا من الجانب، فما يلفت النظر بشكل أكبر هو حينما ندقق قليلًا في صور المجرة فنجد تلك التفرعات الحمراء الخارجة من مركزها كأنها انفجار ما، وهي بالفعل انفجار من نوع خاص.

  

ما هي تلك التفرعات الحمراء الخارجة من مركز مجرة السيجار كأنها انفجار ما؟ (مواقع التواصل)

  

انفجار من نوع خاص
مجرة انفجار نَجمي(5) (Starburst Galaxy)، هذا هو الاسم الذي نطلقه على المجرات التي تنشأ فيها النجوم الجديدة بمعدلات أكبر كثيرًا مقارنة بالمجرات العادية بالحجم نفسه، هناك ربما سببان رئيسيان يدفعان أي مجرة لأن تتحول إلى مجرة انفجار نجمي: اندماجها مع مجرة أخرى أو اقتراب مجرة أخرى منها، حينما تقترب مجرة من أخرى -كما هو الحال هنا في حالة (M81) و(M82)- تدفع إحداهما بالأخرى لتكوين النجوم بمعدلات عالية بسبب موجات الاضطراب الحاصل في سحب الغاز والغبار بها فيندفع للتراكم وتنشأ النجوم الجديدة، ويساعد وجود الغاز والغبار البين نجمي  الكثيف في تلك المجرات على تكوّن نجوم عملاقة تتخطّى حاجز المائة كتلة شمسية، فتعمل تلك النجوم الناشئة الجديدة على تأين الهيدروجين وإنشاء مناطق هيدروجين (H II region II) الضخمة والغَنية بالهيدروجِين المتأين، وتولد خلالها النجوم في شكل تجمعات نجمية بأعداد ضخمة.

  

صورة أكثر قربًا لمجرة السيجار توضح الرياح النجمية العاتية الخارجة من مناطق تفجر نشوء النجوم (مواقع التواصل )

 

هنا، في مجرة السيجار، تنشأ النجوم الجديدة بمعدل أسرع 10 مرات من مجرتنا، يتسبب ذلك الكم المهول من النجوم الجديدة، بجانب تكرار وجود المستعرات العظمى بمعدلات أعلى كذلك كنتيجة لتلك الحالة من نشوء النجوم الساخنة العملاقة التي تستهلك وقودها بسرعة فتَموت خلال عشرات الملايين من الأعوام فقط،  في رياح نجمية عاتية تدفع بجزء من مادة المجرة إلى منطقة الهالة المحيطة بها، وهي ما يظهر في في هذا الشكل المتشعب الخارج من مركز المجرة بلون أحمر، كدليل على وجود الهيدروجين المتأين، تفيد المستعرات العظمى كذلك في إشعال حالة تفجر نشوء نجوم جديدة في مناطق مجاورة، وتستمر تلك الثورة إلى حين.

 

في الحقيقة، تُفسر تلك الفكرة الأخيرة مشكلة طالما واجهت الفلكيين، وهي أننا نرصد دائمًا مجرات قليلة الكتلة بأعداد أكبر من الذي تتوقعه نماذج الحواسيب، فمن المفترض أن تكون كتل بعض المجرات القديمة وأعْداد النجوم بها أكبر مما نرصده، في تلك الحالة تتدخل دراسة أخِيرة(6) لتشرح أن تلك الرياح النجمية في حالة مجرات الانفجار النجمي تدفع بما يساوي كتلته عشرة شموس -كشمسنا- كل السنة من مادة المجرة إلى خارجها بمعدل مليون كيلومتر في الساعة، وبذلك تقل أعداد النجوم والكتلة المتوقعة للمجرة.

  

مجرة معمل النحّات تسبح بهدوء وبهاء في بين كوكَبتي معمل النحات وقِيطس (مواقع التواصل )

 

لفهم أفضل لتلك الفكرة، دعنا الآن نحوّل التلسكوب جنوبًا لمجرة أخرى يمكن لهَاوي فَلك مبتدئ أن يلتقطها بسهولة، حيث تقف عند لمعان ظهري مقبول بقيمة 8.0، إنها مَجرة معمل النَحات(7) (Sculptor Galaxy) من كوكبة معمل النحات (Sculptor)، وتقع فقط على مسافة صغيرة من النجم بيتا من كوكبة قيطس (Cetus)، نسميه الضفدع (Diphda) وهو ثاني ألمع نجوم الكوكبة، وألمع نجوم هذه المنطقة من السماء، وهو ما يجعل الوصول إلى معمل النحات -أو "العملة الفضّية (Silver Coin)" أو (NGC253)- في السماء أكثر سهولة، خاصة في الليالي الحالكة.

 

معمل النحّات هي مجرة لامعة كرفِيقتيها السابقتين، لا ينافسها في السهولة إلا مجرة أندروميدا، وهي أيضًا أحد مجرات الانفجار النجمي؛ حيث تنشأ النجوم الجديدة فيها بمعدلات عالية، فكما ترى في الصورة المرفقة والغَاية في الدقة من التلسكوب هابل، تظهر سحب الغاز والغبار النجمي بوضوح، حولها تنشأ النجوم صغيرة السن والساخنة زرقاء اللون بمعدلات عالية، فتُعطي لون أزرق سماوي واضح للصورة، هل تلاحظ الصبغة الزرقاء للمشهد؟

   

هل تلاحظ الصبغة الزرقاء للمشهد؟ (مواقع التواصل )

 

بالطبع سوف يؤدي تكوّن النجوم بتلك المعدلات إلى استهلاك سريع لمخزون المجرة من الغاز والغبار الصالح لتكوِين نُجوم جديدة خلال فترة أقصر كثيرًا من عمر المجرة نفسها، ما يعني أن مجرات الانفجار النجمي ليست نوع منفصل من المجرات، لكنها مجرات عادية تمر بمرحلة نشطة للغاية أثناء تطورها، قد تمتد تلك المرحلة تمتد إلى 60 مليون سنة فقط، ثم تهدأ بعد أن ينتهي مخزونها.

 

لقاءُ المجرّات
بقيتْ لنا رحلة واحدة مُرهقة قليلًا مع تلك المجرات المتفجّرة بالنجوم، لكن ضيفينَا هذه المرة يقفان عند قدر ظاهري قيمته 11.0، وسوف يكون التقَاطهما لهذا السبب تحديا صعبا على تلسكوب متوسط، لكن مع تلسكوب كبير بقطر 10 إنشات مثلًا يمكن لك بسهولة التعرّف إلى هذا الشكل الغريب، والذي سوف تظن لوهلة أنه مجرة غير منتظمة، لكن في الحقيقة هما مجرتان اصطدمتا معًا قبل بليون سنة تقريبًا، إنهما8 (Antennae Galaxies) مجرتا الهوائيات من كوكبة الغراب (Corvus)، وتمت تَسميتهما كذلك بسبب خيطين من الغاز والغبار يخرجان من طرفي الالتحام كأنهما قرني استشعار.

  

تَمت تسميتهما مجرتا الهوائيات بسبب خيطين من الغاز والغبار يخرجان من طرفي الالتحام كأنهما قرني استشعار (مواقع التواصل )

 

يمكن لك اصطياد المجرتَان عبر مد الخط بين نجمي الغراب (Algorab) وجناح الغراب (Gienah) من الكوكبة قليلًا حتّى منتصف المسافة مع كوكبة الباطية المجاورة (Crater)، يزيد الأمر سوءًا أن كل نجوم تلك المنطقة هي نجوم خافتة يصعب رصدها بالعين المجردة إن كنت مبتدئًا، اكتشف المجرتَان ويليام هيرشل، وهما لذلك تحتلان الرقمين (NGC 4038) و(NGC4039)، نسبة إلى (New General Catalogue) الفهرس العام الجديد، وهو أشمل فهرست لأجرام السماء، به حوالي 8000 جرم سماوي، وضعه في القرن التاسع عشر الفلكي جون لويس اميل دراير كقائمة للأجرام السماوية، وبنى نفسه على أرصاد "وليم هيرشل " في الأساس.

  

هل ترى اللون الأزرق واضحًا في صورة هابل؟ (مواقع التواصل)

 

مجرتا الهوائيات كذلك، وبسبب اندماجهما، يمران بمرحلة انفجار نجمي واضح، فكما ترى في الصور الخاصة بها من إنتاج التلسكوب العظيم هابل، يظهر اللون الأحمر المميز لنشوء النجوم الجديدة الطفلة بكثافة شديدة، وعلى عكس تصور البعض أنه سوف تحدث ارتطامات نجمية أثناء تصادم مجرتين ما، إلا أنه لا يكون هناك أي اصطدام ما بين نجوم وبعضها البعض، حيث إنّ المسافات بين النجوم شاسعة للغاية، ما يمكن تصوره أن النجوم سوف تنتقل لمدار مجرّي آخر حول المركز الجديد الناشئ من التحام مجرتين، لكن ذلك النشاط والحركة الكثيفة بين النجوم تدفع بسحب الغاز والغبار للتراكم وبدء حالة من النشوء السريع للنجوم الطفلة في كل مكان بالمجرات، والتي سرعان ما تتحول لعمالقة زرقاء ساخنة كما تعلمنا منذ قليل، هل ترى اللون الأزرق واضحًا في صورة هابل؟

 

خلال ما يقرب من مائة عام، كنّا قبلها لا نعرف أن هناك ما يسمّى مجرات أصلًا، ساعدت تلك الحالات الخاصة من مراحل نمو المجرات في تطوير فهمنا للكون بشكل أكبر وأكثر دقة عمّا كنّا نتوقع، ولذلك يُخضع الكثير من الفلكيين تلك المجرات الأكثر قربًا منّا -والتي عرضناها في هذا التقرير- لدراسة مكثفة، وعسى أن تحسن تلك النتائج أيضًا من قدرتنا على وضع تنبؤ سليم للسيناريو الملحمي الذي سوف يواجه مجرتنا خلال أربعة مليارات من الأعوام حينما تصطدم بالجارة أندروميدا، فيتفجّر ينبوع بَاحتنا الخلفية بالنجوم الجديدة، وتمتلئ سمائنا بالألوان الحمراء والزرقاء، ويُلقى بمجموعتنا الشمسية إلى أطراف المجرة، وهذا هو موضوع خاص ومثير جدًا للانتباه نفرد له تقرير قريب.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك