اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/10 الساعة 16:30 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/23 هـ

انضم إلينا
"تأثير فلين".. هل يزداد معدل ذكاء البشر؟

"تأثير فلين".. هل يزداد معدل ذكاء البشر؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
لنفترض أنك قد عثرت، بالصدفة، على آلة زمن مخبأة تحت الأرض في مكان ما قريب من المنزل الخاص بك، لكن قدرات تلك الآلة تمكنك فقط من السفر إلى الماضي، هنا سوف تتردد كثيرًا، لكن فضولك سينتصر في النهاية فتقرر خوض تلك المغامرة العجيبة، لتركب آلتك الزمنية وتضغط على التاريخ 1917، قبل مائة عام من الآن، ثم يشاء القدر أن تنزل المركبة الخاصة بك في مركز مختص بقياس نسبة الذكاء عبر اختبارات الـ (IQ)، ستجد معطفًا هناك على المكتب فترتديه سريعًا كي لا يرى أحد نمط ملبسك الغريب، ثم تُجبر على الانضمام إلى المجموعة المختبرة، حتى لا تلفت الأنظار.

    

بعد ساعتين، يدخل أحدهم إلى القاعة وينادي على اسمك تحديدا، ستذهب معه لتلتقي بالمسؤول في المكان والذي يبدأ في الارتياب قليلًا تجاهك بينما يسألك عن موطنك، مدينتك، مستوى تعليمك الأكاديمي، وعدد الكتب التي تقرأها سنويًا، ومدى حبك للرياضيات والألغاز، وعلاقتك بألبرت أينشتين، هنا سوف توقفه عن الحديث وقد غلبك التوتر والفضول لتسأل "ما سبب كل هذا؟" فيجيبك "سيدي، أن تمثل حوالي 1% فقط من البشر، لقد حصلت على قيمة 145 في اختبار الذكاء"، بالطبع سوف تندهش للغاية، كان من المفترض أن تنقلك الآلة في الزمن لا أن تجعلك أكثر ذكاءً، لكن، هل بالفعل أصبحت أكثر ذكاء؟

    

تأثير فلين

   
 لكن، قبل الولوج لما يعنيه ما حدث، وهو ما سوف يحدث بالفعل إن تمكنت من السفر إلى الخلف في الزمن، دعنا نتعرف إلى جيمس فلين1 (James Flynn) الفيلسوف والنفساني، الذي اكتشف، في الثمانينيات، أثناء عمله بجامعة "أوتوجو" بنيوزيلاندا، أن هناك شيئًا غريبًا يحدث ذا علاقة باختبارات الذكاء على مدى السنوات المتتالية، حيث كانت الشركات التي تنتج تلك الاختبارات تعيد، بشكل منتظم كل عدة سنوات، معايرة نتائج الاختبارات الخاصة بها بحيث يصبح المتوسط دائمًا 100.

   

لفهم فكرة المعايرة2 "Standardization"، دعنا نفترض - وهو مثال للتقريب فقط - أن هناك أستاذا جامعيا ما يود أن تصل نسبة النجاح في الدفعة التي يدرس لها دائمًا إلى معيار دولي، ليكن مثلًا 85%، هنا بعد تصحيح نتائج امتحانات كل الدفعة يجد أن نسبة النجاح قد وصلت مثلًا إلى 95%، ويعني ذلك أن الامتحان كان أسهل من المطلوب، فيقوم بتخفيض درجات بعض الأسئلة السهلة ورفع الأخرى الصعبة أو زيادة عدد الأسئلة بحيث يصل إلى النسبة المطلوبة في العام التالي، هنا يظل مستوى الطلبة متساويًا بالنسبة لبعضهم البعض، لكن المتوسط هو الذي ثبت.

   

كذلك في اختبارات الذكاء (IQ)، فالمتوسط الطبيعي بالتعريف هو 100، لذلك يجب أن يكون دائمًا 100، وحينما يكون أكثر من ذلك يعيد القائمين عليه ضبطه عبر رفع عدد الأسئلة أو صعوبتها ليصبح المتوسط 100، ويعني ذلك أنك حينما تحصل على نتيجة 115 فأنت تحصل عليها بالنسبة لكل الأفراد في العالم والذين تمت معايرتهم بالنسبة لك ومعايرتك بالنسبة لهم، وذلك أمر طبيعي حينما نتصور أن الذكاء (بتعريف اختبارات الذكاء) شيء ثابت، لكن فلين اكتشف أنه ليس كذلك.

       

    

إن هذا الضبط كان دائما ذا علاقة بتجنب تضخم3 درجات الذكاء وليس انخفاضها، بمعنى أن تلك الشركات كانت ترفع من صعوبة أو عدد الأسئلة الخاصة بالاختبار في كل مرة حتى يكون المتوسط 100، لأن النتائج المتوسطة كانت في كل عام تزيد عن الذي يسبقه، ثم من الذي يسبقه .. وهكذا، هنا قام فلين بفحص نتائج اختبارات الذكاء الخاصة بثلاثين دولة من مستويات اقتصادية، سياسية، واجتماعية مختلفة، رجوعًا إلى سنة 1930، ليكتشف، هو والعديد من الباحثين في تجارب مشابهة إلى الآن4، أن تلك هي ظاهرة عامة: البشر، بالنسبة لاختبارات الذكاء، يصبحون أكثر ذكاءً، بمعنى أنك الآن لو تعرضت لاختبار ذكاء من سنة 1920 مثلًا سوف تجيبه وتحصل على رقم 130  إن كنت صاحب قيمة متوسطة الآن (100)، أي أنك، بمعايير سنة 1920، عبقري.

    

تفسيرات مختلفة
بالطبع كانت تلك نتائج غاية في الغرابة، ترتفع قيمة الـIQ الخاصة بالبشر 3 نقاط في العِقد الواحد، ويعني ذلك أن هناك فارقا قدره 18 نقطة في الـ IQ بين جيلين، ويعني كذلك أنه  حينما نُخضع شخصا عاش سنة 1900 ميلادية لنفس الاختبارات التي نتعرض لها الآن فإنه سيحصل على قيمة IQ تقدر تقريبًا بـ65، ويعني ذلك بالتالي أنه متخلف عقليًا، وذلك بالطبع غير صحيح، كذلك لا يمكن تفسيره بيولوجيًا، أقصد لا يمكن للجينات المسؤولة عن الذكاء، الخاصة بالبشر، أن تتطور بتلك السرعة الشديدة، لذلك كان لا بد من وجود أسباب أخرى تتعلق بتأثير فلين (Flynn effect)، وكانت تلك النقطة هي ما فتح الباب للتركيز البحثي، من جهة العلوم الإدراكية على هذا التأثير.

   

لنبدأ من تفسير جيمس فلين نفسه، حيث لاحظ أن معدلات الارتفاع في الذكاء لم تكن متساوية لكن نقاط الاختبار المرتفعة نسبيًا كانت مركّزة بشكل أكبر في مناطق بعينها، فحينما نقارن بين قدرات الأطفال الحاليين المعرفية وقدرات الأطفال قبل ستين سنة أو أكثر لا نجد اختلافًا كبيرًا، كذلك في القدرة على حل المسائل الرياضية المعتادة، لكن حينما يتطرق الأمر للتفكير التجريدي نجد أن هناك - بتعبير فلين5- فارقا "مهولا ومحرجا" بين القيم، ويعني ذلك أن المشكلة ربما تقع في تطور قدراتنا على التعامل مع مفاهيم مجردة.

   

هنا يضرب جيمس فلين مثالًا من مجموعة حوارات وثّقها ألكسندر لوريا6  (Alexander Luria) النفساني الروسي، بدايات القرن الفائت، مع مجموعة من الفلّاحين الروس، فحينما يكون السؤال "لا توجد جِمال في ألمانيا، وهامبورج هي مدينة ألمانية، هل هناك جِمال في هامبورج؟"، بالطبع ستكون الاجابة الطبيعية هي "لا"، لأنه لا توجد جمال في ألمانيا وهامبورج هي مدينة ألمانية، لكن إجابة الناس على لوريا كانت "ربما، إن كانت هامبورج كبيرة بما يكفي"، لقد حاول الخاضع للاختبار أن يجيب السؤال بطريقة براجماتية وملموسة بالنسبة له، فقريته فيها جِمال، والعالم بالنسبة له هو ذلك الوضع، هو لا يفهم ما تعنيه الفرضيات المجردة التي تُبنى على بعضها البعض، فتلك بالنسبة له "لا معنى لها"، حيث، يسأل أحدهم7: كيف يمكن أن نحل مشكلات ليست حقيقية؟

        

يواجه تفسير فلين الثقافي مشكلة حينما يأتي الأمر للتصاعد المستمر في قيم ذكاء الرضع والأطفال في فترة ما قبل المدرسة أيضًا، وهي فئات غير ذات علاقة بتطور ثقافي ولم تتعرض بعد له

مواقع التواصل
      

لذلك يقول فلين إن البشر، خلال السنوات المائة السابقة، مثلًا، وبسبب تعقد حياتهم سواء عبر التطور التيكنولوجي، واحتياجنا يومًا بعد يوم إلى التعقد والتجريد بتعقد حياتنا ووظائفنا، قد انتقلوا ثقافيًا من مناخ التفكير قبل علمي إلى تفكير علمي عملي يتميز بوجود ثلاثة معايير إدراكية هامة، وهي القدرة على التصنيف، القدرة على التجريد، وأخذ التجريد على محمل الجد، فيقول فلين8 "إن وجهة النظر العلمية، مع مفرداتها، تصنيفاتها، وقدرتها على فصل الأمور المنطقية والافتراضية عن تلك الظاهرة والملموسة، قد تخللت إلى عقول البشر في فترة ما بعد ظهور الصناعة، مما مهد الطريق لظهور وانتشار لتعليم الجامعي بين الناس، وأدى لانبثاق كادر فكري، لا يمكن تصور وجود حضارتنا بشكلها الحالي دون وجوده".

   

وبجانب تفسيرات فلين، فإن هناك عددا آخر من التفسيرات الهامة التي تتسق ربما أو تختلف معه، البعض مثلًا يرجع هذا التصاعد في قيم الذكاء الخاصة بالبشر إلى التعليم وانتشاره يومًا بعد يوم، فمثلًا9 في الستّينيات حينما أغلقت بعض مدارس السود في ولاية فيرجينيا أبوابها بسبب مشكلات عنصرية، انخفض رقم الـIQ الخاص بنفس الطلبة بمعدل ست نقاط كل سنة، ومؤخرًا10في 2011 ربطت دراسة نرويجية بين ارتفاع معدلات الـ IQ الخاصة بالطلبة ومعدلات ارتفاع عدد سنين التعليم في الدولة، بحيث ترفع كل سنة تعليم إضافية من قيم ذكاء السكّان في المتوسط.

 

من جهة أخرى، تتدخل تفسيرات ذات علاقة بتحسن نمط التغذية11 الخاص بالبشر خلال السنوات المائة السابقة، والتي بدورها أدت إلى تحسن واضح في فيسيولوجيا جسم الإنسان مما أدّى، ربما، إلى تحسن ذكائه بالفعل، حيث يواجه تفسير فلين الثقافي مشكلة حينما يأتي الأمر للتصاعد المستمر في قيم ذكاء الرضع والأطفال في فترة ما قبل المدرسة أيضًا، وهي فئات غير ذات علاقة بتطور ثقافي ولم تتعرض بعد له، وعلى المنوال نفسه قامت عدة دراسات أخرى بالربط بين تأثير فلين واختفاء الأمراض المعدية12 يومًا بعد يوم، حيث لا يمكن للجسم البشري أن يقاوم المرض ويبني دماغا سليما من الطفولة، في الوقت نفسه.

    

وأسئلة إضافية كثيرة
في كل الأحوال لا يزال الجدل قائمًا حول السبب الرئيسي لتأثير فلين، وحتى حينما بدأت بعض الدراسات في طرح مشكلة جديدة تقول إن التأثير آخذ في الانخفاض، لا نستطيع التأكيد على أية أسباب لها علاقة بذلك، وما يشير إليه هذا الجدل الشديد، وهذا هو المؤكد، أن اختبارات الذكاء نفسها، ومدى موضوعياتها، هي موضع جدل، فكما أشرنا في مقال سابق متعلّق بعنوان "اختبارات الذكاء.. هل هناك ارتباط بين الذكاء والعرق تعد الفروق بين المجموعات البشرية في قيم اختبار الـIQ الخاصة بهم مفهومة أكثر في إطار بيئي مرتبط بالمستويات الاقتصادية والاجتماعية للناس.

      

يطرح تأثير فلين عدة تساؤلات، ما هو الذكاء؟ كيف نفكر كبشر ولماذا نتميز عن كل تلك الكائنات الأخرى بالوعي؟

مواقع التواصل
   

لكن ما سبق، سواء تأثير فلين أو التعليقات عليه، يطرح أمامنا نقطتين، تدعو كل منهما إلى التفاؤل، تختص الأولى بدحض الرابط "الكلّي" المزعوم بين الذكاء والعرق، لتقوم بتصنيف فئات من البشر، مجموعات من جذور وبنيات ثقافية اجتماعية وسياسية مختلفة، على أن متوسط ذكائها أقل من الأخرى، حيث إن تزايدا بهذا القدر الكبير في القيم لا يمكن تفسيره فقط، أو حتّى بشكل أساسي، بناء على فرضية تتعلق بكون الذكاء شيء موروث أو مرتبط بالجينات وفقط.

 

من جهة أخرى، ربما يتعلق الأمر بتحسّن حقيقي في قدراتنا كبشر، لا أقصد القدرات البيولوجية، ولكن، كما يقول فلين، فإن تطورنا الثقافي جعلنا أشخاصا أفضل، لهذا السبب يفرد ستيفن بينكر فصلا كاملا في كتابه الضخم والرائع "الملائكة الطيّبة لطبيعتنا (The Better Angles Of Our Nature)" للحديث عن تأثير فلين، وكتاب بينكر يقول في مجمل فكرته إنه على الرغم من ظن البعض أن البشر يمرّون بأسوأ فترة في تاريخهم، إلا أننا نعيش أكثر العصور سلامًا مقارنة بالتاريخ الحقيقي للعنف، وفي الكتاب يعرض بينكر لأربعة أسباب رئيسية ربما تساعد البشر على تخطي كل أزماتهم، وهي التعاطف مع بعضهم البعض، التحكم في النفس، الحس الأخلاقي، والعقلانية والمنطق.

        

   

في كل الأحوال، يطرح تأثير فلين، أمامنا هنا كقرّاء له، عدة تساؤلات أتمنى أن تحملها معك بعد أن تخرج من هنا، من مثل ما هو الذكاء؟ كيف نفكر كبشر ولماذا نتميز عن كل تلك الكائنات الأخرى بالوعي؟ وإذا كانت معايير ذكائنا تزيد، فهل هي تواكب التقدم التكنولوجي الخاص بنا؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا نعيش عصرا من الهوس بحب الظهور والنرجسية الإلكترونية المفرطة؟ هل يتطور العالم ليسبق ذكاءنا؟ أم أننا أصبحنا أكثر تركيزًا على عواطفنا من عقولنا؟ ثم، دعنا كعادتنا نسأل في النهاية، من نحن؟

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار