هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
دليلك لقراءة نجوم السماء في فصل الشتاء

دليلك لقراءة نجوم السماء في فصل الشتاء

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

لا يوازي روعة الاستمتاع بتأمل نجوم السماء سوى، ربما، الفُرجة على فيلم ملهم تحت الأغطية في ليلة باردة الطقس، لكن المميز في سماء الليل هو أنها شاشة عرض ضخمة تتغير بصورة مستمرة بحيث يمكن أن نرى شيئا جديدا كل يوم، فلا تسبب الملل أبدا، وفي الفترة بين ديسمبر ومارس توجه الأرض شاشتها الضخمة ناحية جزء من المجرة التي نسكن فيها يسمّى حزام/مهماز الجبار، وحزام آخر يدور فوقه يسمى حزام برشاوس، لذلك فإن نجوم سماء الليل في الشتاء هي الألمع من بين كل الفصول، لأنها الأقرب إلينا.

                         

حسنًا، دعنا نبدأ بافتراض مريح يقول إنك لا تعرف أي شيء عن سماء الليل ونجومها، هنا سوف أحيلك على تقرير سابق بعنوان "هل نرى نفس النجوم طوال العام؟"(1)، والذي سيعطيك مقدمة قصيرة في بعض الأساسيات الهامة، يمكن لك معها أن تستخدم تطبيقا للهواتف الذكية يدعى Google Sky Map، وفكرته ببساطة أنه يستخدم موقعك، بالإضافة إلى تقنية الجيروسكوب، ليرسم لك السماء ليلا بالضبط كما سوف تراها من سطح المنزل الخاص بكم، فقط تحتاج إلى أن تشير بالهاتف إلى أي مكان بالسماء، أي نجم، وسوف تجدها في التطبيق، مكتوب اسمها بجانبها مع بعض التفاصيل المفيدة.

                

السماء كبيرة! من أين أبدأ؟
أخرج للسماء حول التاسعة مساء بتوقيتك المحلي وارفع رأسك للسماء باحثا عن ثلاثة نجوم متراصة بشكل منتظم فوق بعضها البعض، سوف تجدها بسهولة فهي مميزة جدا، أنت الآن توجه رأسك ناحية أحد أشهر الكوكبات في سماء الليل، إنها كوكبة الجبّار Orion، والكوكبة هي فقط تجمع للنجوم في سماء الليل يشبه شيئا ما نعرفه، كحيوان ما مثلا أو شخص، ربطها القدماء بأساطيرهم، أما تلك النجوم الثلاثة فهي تكوّن حزام الجبار Orion Belt، حيث تصورها القدماء كمقاتل قوي يحمل في إحدى يديه هراوة، وفي الأخرى درعا، ويتدلى غمد السيف من حزامه، هل يمكن لك أن تميز هذا الغمد؟

                   

             

إنه تلك النجوم الثلاثة المتدلية من الحزام إلى اليسار، يمكن لك في ليلة حالكة خالية من القمر أن تميز معظم نجوم الكوكبة بسهولة، كذلك سوف ترى نجوم الغمد بوضوح، لكن هذا النجم الموجود في المنتصف سوف يبدو لك كغيمة خفيفة باهتة، وهو بالفعل كذلك، لأنه ليس نجما كما يبدو، وإنما سديم الجبار المهيب Orion Nebula، والذي يبتعد عنّا بـ 1500 سنة ضوئية كاملة، يبلغ قطره - لو تصورناه كدائرة- حوالي 12 سنة ضوئية، أي أنه بقطر اثنتي عشرة مجموعة شمسية تقريبا!

              

لا يهم الآن كثيرا أن نستغرق في أعماق الجبار، فلقد فردنا له من قبل تقريرا خاصا بعنوان "حزام الجبّار: أسرار المقاتل السماوي الأشهر"(2)، والذي سيفتح لك بابا لتأمل الكوكبة بدرجة أكبر من الوضوح والعمق، سواء بيعينيك المجردتين، أو مع نظارات معظمة، أو حتّى مع تلسكوب صغير أو كبير، لكن اهتمامنا الآن سينصب على استخدام كوكبة الجبار كنقطة انطلاق لمجموعة من الروائع السماوية الأخرى والتي تسيطر على سماء الشتاء بالكامل، لنبدأ معا.

               

ألمع نجمين في الجبار هما رجل الجبّار Rigel وإبط الجوزاء Betelgeuse، يمكن أن تفرق بينهما بسهولة، فالأول هو نجم أبيض اللون مائل للأزرق، وهو بالفعل عملاق أزرق فائق(3) Blue Supergiant، لو قررنا مقارنة حجمه بالشمس الدافئة خاصتنا سوف يكون رجل الجبار بحجم كرة قدم والشمس بحجم حبة ذرة، لذلك فإن تلك المجموعة من النجوم العملاقة قصيرة العمر لا تتخطّى عدة مئات من الملايين من السنوات مقارنة بما نتوقع أنه على الأقل تسعة مليارات من الأعوام بالنسبة للشمس، ذلك لأن رجل الجبار يحرق وقوده بسرعة شديدة بحكم ضخامته.

                

في الجهة الأخرى يقف نجم لامع أحمر واضح، هذا هو إبط الجوزاء، وهو الآخر عملاق فائق لكنه أحمر اللون، وتصل النجوم لتلك المرحلة من حياتها بعد أن تنتهي من حرق الهيدروجين الخاص بها، فتنكمش نواتها مما يدفع الأغلفة الخارجية إلى التمدد، يتسبب ذلك في انخفاض درجة حرارة سطحها فتتحول إلى اللون الأحمر، إبط الجوزاء، رفيقنا هنا، تبلغ درجة حرارة سطحه 3500 درجة تقريبا، قد تبدو للوهلة الأولى شيئا مهيبا لكنها مقارنة بدرجة حرارة الشمس، 5800 درجة مئوية تقريبا، تعد باردة.

                      

ما يمكن أن يلفت النظر هنا هو الفارق في الأحجام بين النجوم، فبينما نظن أن الشمس هي أكبر شيء تراه أعيننا، ثم نقارنها بحجم رجل الجبار لتصبح الشمس حبة ذرة، لكن رجل الجبار بالنسبة لإبط الجوزاء هي كرة تنس أرضي بالنسبة لكرة قدم، هل تلاحظ ذلك؟ كلما تعمقنا أكثر في فهم الكون من حولنا، كلما تأملنا تلك الأحجام الشاسعة، والمساحات الواسعة بحيث تقف أدوات قياسنا عاجزة عن صياغتها في صورة يمكن قراءتها فنضطر لتغييرها، ما بالك بقدرة عقولنا على هضمها ؟!
  

طريقك بين النجوم بواسطة الجبار (الجزيرة)
   
دعنا الآن نستخدم رفيقينا هنا للوصول إلى مجموعة أخرى من النجوم، فمثلا يمكن لك بسهولة مد الخط بين رجل الجبار بالأسفل، ثم إبط الجوزاء، على استقامته حتر تصل بالأعلى إلى نجمين لامعين، هنا نحن في كوكبة جديدة، إنها التوأم Gemini، والنجمان هما رأس التوأم المقدم Castor ورأس التوأم المؤخر Pollux، وهما ألمع نجوم الكوكبة، يمكن لك بسهولة أن تفرق بينهما، فرأس التوأم المقدم أبيض اللون، أما رفيقه فبرتقالي اللون، وكذلك هو أكثر لمعانا، بفارق بسيط، حوالي نصف الدرجة، لكنه سيبدو واضحا لعينيك المجردتين.

                

ما يلفت النظر للنجم "المقدم Castor" هو أنه ليس نجما واحدا، في القرن السادس عشر اكتشف جيمس بوند، الفلكي البريطاني وليس عميل جهاز الاستخبارات MI6، أن له رفيقا يدور معه، في الحقيقة يمكن لك عبر تلسكوب متوسط أن تفصل بينهما بسهولة، لكن تلسكوبا أكثر ضخامة ربما يوضح لنا أن هناك نجما إضافيا يدور حول الرفيقين، ثم عبر تقنيات كشف الأطياف(4) نكتشف أن كلا من النجوم الثلاثه له بدوره نجم يدور معه، لذلك فنحن، في "المقدم" هنا، لدينا نظام نجمي متعدد Multiple Star، مكون من ستة نجوم تدور حول بعضها البعض، ست شموس كاملة!

              

جميل جدًا، نحن الآن نعرف موضع كوكبة التوأم، لنتأمل شكلها بوضوح ومواضع نجومها. يمكن لك مراجعة أي من الأطالس البسيطة، كأطلس تاكي(5)، أو أطلس مجلة Sky & Telescope، ولكن كمبتدئ سأرشح لك خرائط الإتحاد الفلكي الدولي(6) International Astronomical union، وهي دليل ممتع، مقدم مجانا، مفيد للمبتدئين، يمكن لك طباعتها في 88 ورقة فقط، وسوف تساعدك نظارة معظمة على مسح كامل نجوم الكوكبة، لكن الغوص فيها لأكثر من ذلك قد يكلفنا الكثير من الوقت بينما لايزال لدينا الكثير لنتعلمه، لننزل مرة أخرى إلى الأسفل عند حزام الجبار من جديد.

                          

يمكن لنا استخدام الحزام للاستدلال على موضع كوكبتين إضافيتين، فحينما نمد الخط الذي يجمع نجوم الحزام الثلاثة، إلى اليسار واليمين، على استقامته، نلتقي بنجمين لامعين، إلى اليمين سوف تجد الدبران Aldebaran، ألمع نجوم كوكبة الثور Taurus، وسوف يلفت انتباهك بلونه الأحمر الواضح، وهو عملاق أحمر لو كان بحجم كرة القدم لكانت الشمس بحجم حبة بازلاء، لكن - صدق أو لا تصدق - لقد كان الدبران يوما ما بحجم الشمس تقريبا، لكن النجوم متوسطة الحجم (كالشمس والدبران) تتضخم ما أن تنتهي من حرق هيدروجينها الخاص، ثم بعد فترة تبدأ في نفض أغلفتها الخارجية عنها لتصنع سديما كوكبيا(7) Planetary Nebula، أنت إذن، بينما تنظر إلى الدبران، تراقب مستقبل الشمس بعد أربعة إلى خمسة مليارات من الأعوام.

                      

الثريا وبقايا السديم (السحابة النجمية) التي نشأت فيها (مواقع التواصل)

                      

بجوار الدبران، وعلى مسافة قصيرة منه، سوف نجد الثريا Pleiades، وهي تجمع نجمي مفتوح يحوي ثلاثة آلاف نجم، إنها تلك المجموعة الصغيرة من النجوم الخافتة والتي تشبه الـ "كنكة" الخاصة بالقهوة، سمته العرب قديما بالـ "ثريا" حيث تصوروا أنها فتاة جميلة تود الزواج من شخص غني، لكن الدبران الفقير لم يكن معه شيء ليعطيها إياه سوى بضع غنمات مع حيواناته الأخرى، فرفضت عرضه، ورفعا إلى السماء ليجري الدبران خلف الثريا إلى الأبد، ومن تلك الحركه جاء اسمه، الدبران.. أي يدبرها، يجري خلفها.

             

في كل الأحوال، ربما لا حاجة لنا للخوض أكثر من ذلك في كوكبة الثور، نجومها وأجرامها الأخرى، حيث فردنا قبل مدة قصيرة تقريرا خاصا بعنوان(8) "بين النجوم: هل ترى ثورا في السماء؟" لشرح الكوكبة وجوانبها، والذي سوف يكون مفيدا لهاوي فلك سواء كان مبتدئا أو قديما، أما ما لم نتحدث عنه بعد فهو الجانب الآخر من حزام الجبار، الجانب الأيسر حينما نمد الخط على استقامته، هنا سوف تلتقي بألمع وأشهر نجوم السماء كلها، إنه الشعرى اليمانية Sirius، وأعطته جوان رولينج إسما لأحد أبطال رواياتها،  إنه "سيرياس بلاك Sirius Black" من سلسلة روايات هاري بوتر، ريجيولاس Regulus وبيلاتريكس Bellatrix وميروبي Merope كذلك هي أسماء نجوم أعطيت لأبطال رواياتها بجانب مجموعة أسماء نجمية أخرى(9).

               

العبور، الغميصاء، والنجوم التي تحزن
الشعرى اليمانية هو ألمع نجوم كوكبة الكلب الأكبر Canes Major، وألمع نجوم السماء كلها بقدر ظاهري -1.46، سمي كذلك لأنه يقع على "يمين" حزام الجبّار، وهو نجم أبيض اللون ذو نصف قطر، وحجم أيضا، يساوي تقريبا ضعف ذلك الخاص بالشمس، وسر لمعانه الظاهر هو ضيائيته Luminosity الكبيرة، 25 مرة قدر الشمس، والتي تميز هذا التصنيف الطيفي(10) من النجوم، وقربه منّا، حوالي ثمان سنوات ضوئية فقط، وهو بذلك يحتل المرتبة السابعة في قائمة أقرب النجوم إلينا والتي تبدأ بالثلاثي المرح، قنطورس أ و ب والمقدم Proxima، مرورا بالنجم بارنارد Barnard Star الشهير في المرتبة الثانية.

                         

إلى اليسار ترى دورة الشعرى اليمانية A ورفيقه B حول مركز مشترك، الدورة بين عامي 1960 و2010، دورة الرفيق الصغير أكثر اتساعا من الأخ الأكبر، وترى إلى اليمين شكل نفس الدورة كما تظهر بالنسبة لنا على الأرض (الجزيرة)

                  

والشعرى ليس نجما واحدا، لكن له رفيق صغير الحجم يدور حوله، يدعى الشعرى بـ Sirius B، وهو صغير الحجم حتى أنه يقترب من حجم كوكب أورانوس، توقع وجوده الفلكي الألماني فريدريك بيسيل(11) Friedrich Bessel في القرن الثامن عشر حينما رصد اختلافا في حركة الشعرى الرئيس تدل على وجود مرافق له، ثم تأكد وجوده عبر رصد الفلكي الأمريكي ألفان جراهام كلارك  Alvan Graham Clarkخلال تلسكوبه ذي القطر الكبير 47 سم، التلسكوب الصغير يبدأ بـ 4 سنتيمترات قطر، للمبتدئين، يليه المتوسط والذي يمتد بين 4-8 سنتيمترات، ثم الكبير الذي يبدأ من ثمانية سنتيمترات، وكلها حتى القطر 14 سنتيمترا إلى 20 سنتيمترا هي أدوات الهواة.

              

وما يلفت الإنتباه هنا هو كتلة رفيق الشعرى، فرغم أن له حجما صغيرا جدا، إلا أن له كتلة قريبة من كتلة الشمس نفسها، وذلك لأنه عبارة عن قزم أبيض White Dwarf، وهو نجم ناتج من انهيار نجم سابق على ذاته، نجم كالدبران مثلًا، فبعد أن تنكمش نواة النجم، ثم ينفض أغلفته الخارجية في شكل رياح نجمية عاتية تصنع سديما كوكبيا، يقبع القزم الأبيض، والذي هو تلك النواة المتبقية، في قلب السديم، ثم شيئا فشيئا تتبدد تلك السحب حول القزم الأبيض، ويبقى وحيدا كأنما هو نجم جديد ولد من قلب آخر مات قبل عدة ملايين، أو مليارات ربما، من الأعوام، من الموت تخرج الحياة أيضا.

                       

كما ترى في هذا التصميم التخيّلي، فإن الفارق ضخم بين حجم الشعرى A والشعرى B، رغم ذلك فإن كتلة هذا القزم الأبيض تساوي تقريبا كتلة الشمس (مواقع التواصل)

                             

الآن أتممنا التعرف على الكوكبات الرئيسية التي يمكن بدورها أن تساعدنا في التعرف على المزيد، فمثلا يمكن لك استخدام الدبران، وهو النجم الذي تعرفنا عليه قبل قليل، ثم تصعد للأعلى بمحازاة الجبار لتصل إلى كوكبة أخرى مهمة، كوكبة ممسك الأعنة Auriga، وتتميز بشكلها الخماسي الواضح في سماء الليل، كذلك فإن ألمع نجومها، العيوق Capella، هو سادس ألمع نجوم السماء كلها، يتواجد في منطقة من السماء يظهر بها 16 نجما معا في حيز النجم الضيق، بعض تلك النجوم تابعة بالفعل لنظام العيوق النجمي، إنه مثل "رأس التوأم" نظام نجمي متعدد.

                

أما النجم إيبسلون (e) في الكوكبة، ويسمى أيضا بالـ "ماعز"،  فله حكاية خاصة(12)، إنه رأس مثلث النجوم الثلاثة من الكوكبة والتي نسميها "الأطفال  The Kid"، يبتعد عنا بـ 2000 سنة ضوئية، هذا النجم العملاق يختفي مرة واحدة كل 27 سنة، يختفي لمدة سنتين كاملتين، ثم يعاود الظهور مرة أخرى، تسبب ذلك في الكثير من البحث حوله، مع حكايات أسطورية عن مركبة فضائية ضخمة تدور حوله كتلك التي نراها في Star trek، لكن حل هذا اللغز الذي حير الجميع قد وصل في 2010، حينما اكتشفنا أنه نجم يحتضر بينما ينفض عنه كما ضخما جداً من مكونات طبقاته الخارجية التي تجمعت معاً لصنع قرص ضخم للغاية من الغبار يدور حول النجم ليحجبه عنا مرة كل 27 سنة، النجم ينكسف بسحابته الخاصة.

 

               

من جهة أخرى مقابلة يمكن لك أن تستخدم الشعرى اليمانية، بنفس الطريقة، لترتفع للأعلى أيضا بمحاذاة الجبار فتصل إلى نجم آخر لامع، إنه الشعرى الشامية Procyon، وهو ألمع نجوم كوكبة الكلب الأصغر Canes Minor، وكلا الكلبين كان رفيقا للجبار/الصياد في رحلات صيده، وسميت الشعرى اليمانية عند العرب قديما بالعبور والشامية بالغميصاء، فتقول الأسطورة إن النجمين كانا رفيقين متلازمين طول الوقت، ومعهما سهيل، لكن لسبب ما تحركت الشعرى اليمانية وسهيل إلى اليمين تجاه الجبار، وعبرت الشعرى اليمانية نهر المجرة (لذلك سميت بالـ "عَبور")،  وبقت الشعرى الشامية حزينة باكية حتى أُغمضت عيناها فسميت "بالغميضاء" لتقول الحكمة(13): "قد يقع بين الأخوين من الخلصاء ما وقع بين الشعريين : العبور والغميضاء"

 

يمر نهر المجرة خافتا أعلى تلك المنطقة من سماء الليل (الجزيرة)

          

جولة في الحي الشمسي
ويمر نهر المجرة بالفعل(14) أعلى تلك المنطقة من سماء الليل، حيث يبدأ النهر المجري العظيم منبعه من المنطقة بين كوكبتي العقرب Scorpius والقوس Sagittarius، أشهر كوكبات سماء الليل في فصل الصيف، ثم يبدأ وهج الحزام في الخفوت حينما نمر بسلاسة بين كوكبات المثلث الصيفي، القيثارة Lyra، والعقابAquila ، والدجاجة Cygnus ، ثم يخفت الحزام بدرجة أكبر بينما نمر أعلى كاثيوبيا (المرأة المسلسلة)  Cassiopeia وبرشاوس حامل رأس الغول Perseus ، ثم أعلى كوكبة الجبّار  Orion نزولا إلى نصف باقي سماء الليل الجنوبي، كوكبة وحيد القرن Monoceros، ثم الشراع Vela، ثم الصليب الجنوبيCrux ، وقنطورس Centaurus.

                  

والشعرى الشامية هو أيضا من أقرب النجوم إلينا، يقع فقط على مسافة 11 سنة ضوئية تقريبا، ويبدو لنا أننا في اثناء قراءتنا لسماء الليل في الشتاء، فنحن أيضا نتعرف إلى جيران الحيّ الشمسي Solar Neighborhood، وهي المساحة ضمن قطر مائة سنة ضوئية تقع الشمس في منتصفها، والسنة الضوئية الواحدة تساوي 9.5 تريليون كيلومتر تقريبا، ولفهم ضخامة ما نتحدث عنه دعنا نحاول وصف المسافة بين الشمس وأقرب النجوم لها، قنطورس المقدم Proxima Centaurus، والذي يقف فقط على مسافة أربع سنوات ضوئية تقريبا؛ فإذا كانت الشمس بحجم كرة قدم، موجودة الآن في مدينة القاهرة بمصر، لكان النجم قنطورس بحجم كرة تنس طاولة، في مدينة فرانكفورت بألمانيا.

                            

وعلى الرغم مما تبدو عليه تلك المسافة من ضخامة، إلا أن الحي الشمسي بالكامل ما هو إلا خطوة من ضمن ألف خطوة يجب أن نخطوها فقط لنخرج من درب التبانة، والتي بدورها تقع ضمن تجمع مجرات العذراء، والذي بدوره يقع ضمن تجمع مجرات العذراء العظيم، وهكذا تستمر التجمعات في التعقد، وتستمر المسافات في الإمتداد، فنصل إلى مرحلة لا يمكن خلالها هضم ما نتحدث عنه من الأرقام، في كونه يحتوي على ما نظن أنه تريليوني مجرة كتلك التي نعيش فيها، وهذا - للدقة - هو الكون الوحيد الذي نعرفه، هل ترى ما نتحدث عنه هنا ؟!

                 

           

رحلتك الخاصة
أنت الآن على دراية بالكتلة الأساسية لنجوم سماء الليل بالشتاء، فقد تعلمت ست كوكبات كاملة، الجبار، التوأم بالأعلى، لليمين واليسار: الثور والكلب الأكبر، ثم حركة إضافية للأعلى: الكلب الأصغر وممسك الأعنة، وما تحتاجه الآن هو توسيع نطاق بحثك حول الكوكبات الخافتة أو الأخرى التي تقع بجانب هذه الكتلة، فمثلا بالأسفل من الجبار يمكن بسهولة أن تتعرف إلى كوكبة الأرنب Lepus، وكوكبة القاعدة Carina مع نجمها الألمع والأشهر "سهيل Canopus"، إلى اليسار من الدبران سوف تلتقي بعدة كوكبات هامة كـ "الحمل" Aries، "حامل رأس الغول" Perseus، وصولًا إلى "السيدة كاثي" Cassiopeia.

              

أما جهة الشعرى فالباب مفتوح لتأمل كوكبات دائرة البروج، فما بدأناه من الحمل بالأسفل، ثم الثور، فالتوأم، للسرطان Cancer ثم الأسد Leo، بعد ذلك يمكن في نهاية الشتاء أن نرى العذراء Virgo بوضوح، وكذلك الميزان Libra، حتى العقرب Scorpius، والذي لا يظهر بوضوح إلا في آخر الشتاء، وتعد متابعة كوكبات دائرة البروج من الأشياء الممتعة لدى هواة الفلك، بالضبط كمتابعة كوكبات حزام المجرة وتعلمها، ولا يحتاج الأمر أكثر من عينيك المجردتين، ومعرفة مبدئية ببعض الكوكبات، كتلك التي تعلمناها منذ قليل.

        

كل ما تحتاجه بعد ما تعلمته اليوم هو فقط أطلس بسيط كالذي اقترحته عليك بالأعلى، وبرنامج حاسوبي مجاني(15) كـ Stellarium، والذي يطلب منك أن تحدد موضعك على الكرة الأرضية، ثم بعد ذلك يحاكي لك سماء الليل فوق مدينتك بالضبط، ليرسم كل الكوكبات بسهولة، ويمكنك من التحكم في الزمن وتأمل دوران السماء بشكل يومي، كذلك يقدم لك آلاف الأجرام السماوية الأخرى، مع تعريفات مفصّلة لكل النجوم الموجودة في قاعدة بياناته، ويمكنك بسهولة تحميلة مجانا واستخدامه.

               

لكن متابعة سماء الليل لا تحلو إلا حينما تتعرف على العلم الخاص بها بدرجة أكبر، بدرجة، حتى، أكثر عمقا مما فعلنا خلال رحلتنا السابقة، نعم سوف يكون ممتعا أن تتأمل تلك النجمة اللامعة هناك، وربما تعرف اسمها، وإلى أية كوكبة تنتمي، لكن حينما تتعرف بشكل أفضل إلى تركيبها، حجمها بالنسبة للشمس، المسافة بيننا وبينها، كيف تطورت؟ وإلى أي حال سوف تنتهي؟ سيفتح ذلك الباب لإدراك سماء الليل بصورة أكثر عمقا ودفعا للتأمل، سيضعك، بينما أنت فوق سطح بيتك، كنقطة في كيان مهول ثلاثي البعد، مفتوح الأفق، يدفعك مرة بعد مرة للتساؤل، للخوف والهدوء في آن واحد، للتواضع.

 _______________________________________________________

بُني هذا التقرير على الممارسة المباشرة لكاتبه مع سماء الليل عبر الرصد بالعين المجردة والنظارات المعظمة وتلسكوبه الخاص "Celestron CPC 800" ثمانية إنشات، المعلومات الرئيسة مصدرها الكتاب الرائع "The star atlas companion" و"Patrick Moore's Observer's Year: 366 Nights of the Universe"، و "Constellation Observing Atlas" التابع لدار نشر سبرينغ، والمصادر للإستزادة والتوسع.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار