هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
كتب ومساقات تقدم لك دليلا شاملا لفهم "علوم التعقد"

كتب ومساقات تقدم لك دليلا شاملا لفهم "علوم التعقد"

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
يشهد الوطن العربي، حاليًا، طفرة غير مسبوقة في انتشار الثقافة العلمية والفلسفية، وسواء كان ذلك عبر نصوص مكتوبة، مسموعة، أو حلقات مرئية، فإن ما يدعو للأسف هو أن هناك فرعا هاما لذلك النوع من المعرفة، بعضه علمي وآخر فلسفي، لا يلقى الكثير من الانتشار، إنها "علوم التعقد Complexity Science"، حيث؛ كيف لا نتحدث عن نوع من العلوم يتدخل في كل شيء تقريبًا؟ فمن علوم الذرة إلى تفسير الظواهر البيولوجية والبيئية على اختلاف أنواعها، ومن الهندسة وعلوم الشبكات والذكاء الاصطناعي إلى علم الاجتماع والتسويق والفلسفة، علوم التعقد -بتعبير إيليا بريجوجين- هي المنهجية التي -أخيرًا- وحّدت المعرفة، إذ وجدت الرابط الحقيقي بين نطاقات المعارف والمنهجيات المتعددة، علمية وإنسانية.
  

والتعقد أشبه بـ"حالة"، حالة معرفية شاملة قضت على مائتي سنة من سيطرة الحتمية والاختزالية النيوتنية لتفتح الباب للفوضى، الجواذب، اللاخطية، انبثاق الصفات الطارئة على المنظومة، وآليات التغذية الرجعية... إلخ، حيث ظهر نوع من الفكر العلمي يمكن أن ندعوه "الفكر النُّظمي System Thinking"، إنه التفكير، ليس من خلال وحدات النظام، لكن من خلال النظام نفسه كبنيةٍ واحدة تحتوي على صفات خاصة بها كمنظومة وأكبر من مجموع أجزائها، فبينما يمكن لنا اعتبار حركة الساعة ككل هي تعبير مباشر عن مجموع حركات تروسها، لا يمكن لنا تطبيق نفس الشيء بسهولة على جسم الإنسان.

  

لهذا السبب، سوف يكون هذا التقرير مدخلا مناسبا للشباب العربي كي يعبروا إلى تلك المناطق الجديدة، بالنسبة لنا، والمجهولة والهامة في نفس الوقت، فمثلًا لا يمكن لك فهم حديث دائر في البيولوجيا الحديثة أو علوم المعلومات أو حتى فيزياء المواد الصلبة مثلًا والكوانتم دون فهم ما يعنيه التعقد حقًا، وبالطبع نعيد تذكير القارئ أن ما سيتم عرضه من كتب أو مساقات، خلال هذا التقرير، قد قام الكاتب بالاطلاع عليه لتقييم مدى مناسبته للقارئ المبتدئ، ووضع بشكل مرتب ينتقل بك من السهولة إلى الصعوبة.

      

المساقات أولًا
سنبدأ في هذا التقارير من المساقات، لأن تلك المجموعة التي سنتحدث عنها هي أفضل ما يمكن له تقديم علوم التعقد لشخص مبتدئ لا يُفترض أنه يمتلك أية معرفة مسبقة عن هذا الموضوع أو عن الرياضيات المعقدة المرتبطة به، أو أية رياضيات حتّى، وهي جميعًا توجد بنفس القناة على اليوتيوب، إنها قناة "Complexity Labs" (أحد الفيديوهات منها موجود بالأسفل)، لكن للتعرف على كامل مساقات القناة يمكن لك الضغط على رابط قوائم التشغيل بالأعلى.
        

    

ما يميز مساقات "Complexity labs" هو، أولًا، البساطة الشديدة؛ فالمساق كما قلنا مقدم لشخص مبتدئ تمامًا، وهو يعلن عن ذلك في مقدمة كل مساق منها، ثم إن المساق الواحد من تلك المجموعة قد لا تطول مدته لأكثر من 100 دقيقة فقط، مع حلقات قصيرة جدًا من 3-8 دقائق، أو قد تمتد لأكثر من ذلك مع تقليل عدد الحلقات، وكذلك فإن المساقات تُقدَّم في صورة أشكال توضيحية لها ثيمة واحدة غاية في البساطة والسهولة، أضف لذلك مدى شمول تلك القناة، فهي تقدم موضوعات في كل جوانب علوم التعقد تقريبًا.

  

مثلًا، سوف تجد مساقًا أوليًا يمكن أن تبدأ به وهو "مساق نظرية التعقد Complexity Theory Course"، ويشرح في أربع عشرة حلقة فقط، الواحدة منها خمس دقائق في المتوسط، ما يعنيه التعقد، وما يعنيه الفكر المنظوماتي، ثم يتطرق -وهذا هو أهم شيء- إلى شرح أهم الاصطلاحات التي دخلت بفضل نظرية التعقد إلى عالم البحث العلمي والاجتماعي، كالإنبثاق Emergence، واللاخطية Nonlinearity، والشبكات (Networks)، والتكيف المتعقد Complex Adaptation، والانتظام الذاتي Self-organization... إلخ، مع توضيح للتطبيقات العملية لنظرية التعقد في نطاقات علوم الحياة، الأرض، الاقتصاد، والشبكات الاجتماعية على الأنترنت.

   

       

تحتوي القناة كذلك على مساقات هامة مكملة للمساق الرئيسي السابق، فمثلًا هناك مساق خاص، مشابه في عدد ومدد الحلقات للسابق، يتحدث فقط عن الأنظمة المتعقدة المتكيّفة "Complex Adaptive Systems"، وعن النظرية العامة للأنظمة (كيف تفكّر المنظومة؟) "System theory"، وآخر هام ومبسط وممتع جدًا عن اللاخطّية "Nonlinearity"، كذلك نظرية الشبكات "Network Theory"، وتفكير المنظومة "System Thinking"، وخاصية الانبثاق المميزة للمنظومات المعقدة، يمكن لك بعد الانتهاء من المساق الأول، والذي غالبًا لن يأخذ من وقتك مع بعض التركيز أكثر من عدة ساعات، أن تتفرع لتلك المساقات الهامة. بعد ذلك يمكنك الانتقال للمساقات التطبيقية، والتي تتضمن تطبيق تلك الأفكار السابقة ضمن مجال بعينه، كالعلوم البيئية، الهندسة، الاقتصاد، التسويق، العلوم الاجتماعية، وغدارة الأعمال.. إلخ.

              

ورغم السهولة الشديدة التي تحملها تلك المساقات، ومددها القصيرة للغاية مقارنة بأي مساق آخر، إلا أنها مقدمة أساسية لا غنى عنها لكل مبتدئ في فهم علوم التعقد، ثم ما إن تتفهّم الأفكار الرئيسية التي تدور حولها علوم التعقد، يمكن لك أن تنتقل بعد ذلك لبحث مفصّل عن كل موضوع حسب رغبتك، بذلك تكون تلك المساقات خطّة عامة سوف تفيدك حقًا في هضم الصورة الكاملة وتحديد أولوياتك في القراءة والبحث، ثم الانطلاق إلى جوجل واليوتيوب كما تحب.

 

في تلك النقطة، يمكن لك أن تقوم بتحميل خريطة علوم التعقد الشهيرة، وطباعتها إن أردت،  حيث سوف تعطيك هي الأخرى قائمة بأسماء العلماء والموضوعات الرئيسية التي تقوم نظرية التعقد بنقاشها، ورغم أن تلك اللوحة تبدو، للوهلة الأولى، معقدة للغاية، إلا أن التعلّم شيئًا فشيئًا عن علوم التعقد سوف يجعلها مألوفة، وسوف تعمل تلك الخريطة المبسطة على توضيح الكثير من معالم طريقك خلال قراءاتك، يمكن تحميلها مجانًا من الرابط هنا

    

أربعة كتب في نظرية الفوضى
أحد أهم الجوانب المتعلقة بعلوم التعقد هي نظرية الفوضى، وهناك في الحقيقة مجموعة من الكتب الهامة التي يمكن لها أن تفتح لك بابًا جيدًا لفهمها دون الحاجة للخوض في معادلات معقدة، وسوف نبدأ معًا بأشهر تلك الكتب وهو كتاب جون جريبن الشهير "البساطة العميقة.. الانتظام في الشواشي والتعقد"، وهو واحد من أهم الكتب المبسطة التي تشرح جانبا واسعا من أساسات حالة التعقد، سواء بحديثه عن نظرية الفوضى، أو تطرقه بعد ذلك لموضوعات أخرى هامة ودسمة، كالبُنى المبددة للطاقة، ونظرية التفرّع Bifurcation Theory، وأشكال فيجنباون المتعلقة بها، ثم الهندسة الكسيرية (الفراكتالات) وعلاقاتها بتوليد أنظمة معقدة، وفصل رائع عن علاقة التعقد بتطور الحياة على هذا الكوكب.

               

              

أسلوب جريبن، كالعادة، سهل، بسيط، يميل إلى النمط الأكاديمي الذي يعطيك انطباعًا أنك في حصّة فيزياء أو رياضيات، وهو ما يشعرك بأهمية ما تقرأ، كذلك سوف تساعدك الترجمة الجيدة في قراءة سلسة بدرجة ما. لكن على الرغم من ذلك، وفي النهاية، ورغم أن عدد صفحاته لا يتجاوز الـ120 صفحة من القطع الكبير، فإن الكتاب دسم بالنسبة لمبتدئ، يحتاج لبذل بعض الجهد من أجل إتمامه بنجاح، وربما يتطلب الأمر أن تخرج لفضاء الإنترنت بضع مرّات للتعرّف على معاني بعض المفاهيم الهامة، وهي نقطة هامة مطلوبة جدًا خاصة حينما تبدأ في تعلم شيء غير مألوف بالنسبة لك، أن تتفرع -عبر جوجل ويوتيوب- للبحث عنه في مقالات وفيديوهات مفتاحية لكل اصطلاح جديد تقابله.

         

من جهة أخرى، وفي المقابل تمامًا من أسلوب جريبن، يقع أسلوب "جيمس جليك" صاحب كتاب "نظرية الفوضى.. علم اللامتوقّع"، فهو ليس عالِمًا وإنما هو صحفي محترف، من هنا يغلب ذلك الطابع القصصي البسيط على كتابه الشهير، حتّى إن كل فصل من فصوله الإحدى عشر يبدأ بقصة، يستخدمها جليك لجذبك من أجل التبحر فيما هو مقبل من صعوبات، ولهذا السبب، ورغم أن الترجمة قد تكون أصعب قليلًا من سابقتها، إلا أنه يمكن لك أن تنتهي من الكتاب، رغم أن عدد صفحاته يقترب من 300، في نفس المدة التي تنتهي خلالها من كتاب جريبن، لكنه سوف يشعرك براحة أكبر أثناء التنقل بين موضوعاته.

           

                

يبدأ جليك بموضوع شهير نعرفه كثيرًا، وهو أثر الفراشة Butterfly Effect، وحكايات إدوارد لورنز مع الطقس، بعد ذلك ينتقل جليك للحديث حول أمثلة أخرى هامة من نظرية الفوضى، ثم إلى تطبيقاتها في الأنظمة البيولوجية وتعقدها، وينتقل بعد ذلك للحديث عن الفراكتالات، ثم إلى حديث مخصوص وهام عما نسميه "الجواذب Attractors" وكيف تتحكم نقاط صغيرة هشّة في مستقبل الأنظمة عبر آليات التغذية الرجعية، كانت فيزيائية، بيولوجية، أو حتى اجتماعية، ثم ينتقل عبر الفصول التالية إلى ضرب مجموعات من النماذج الهامة المتعلقة بنظرية الفوضى من اتجاهات علمية مختلفة مرورًا بالفيزياء والكيمياء، ثم إلى لحديث ممزوج بالفلسفة عن مستقبل نظرية الفوضى، والتي كان قد تطرق إلى ولادتها المتعسّرة في الفصول الأولى.

          

بقى لنا في اطار نظرية الفوضى كتابان إضافيان، يشرحان نفس الموضوعات الرئيسية لنظرية الفوضى، لكنهما يختلفان في عدة نقاط، الأول هو الكتاب الرائع من سلسلة مقدمة قصيرة جدًا "نظرية الفوضى" من تأليف ليونارد سميث، رياضياتي وأستاذ إحصاء من جامعة أكسفورد، ويختلف عن سابقيه في أنه أكثر تحديدًا للموضوعات التي يقدمها، خاصة أنه يفرد فصل كامل لما تعنيه اللاخطية، كذلك فإنه يتخذ طابع فلسفي النزعة في نقاشاته، مع فصل أخير عن فلسفة الفوضى، مع فصل آخر هام عن كيفية استخدام الفوضى كمنظومة للتنبؤ بالمستقبل ضمن الحدود التي تطرحها النظرية.

     

الترجمة الخاصة بالكتاب مقبولة، كانت لتكون أسهل لو لم يُترجم حرفيًا وإنما حسب معنى التعبير اللغوي، لكن سوف تألفها بعد قليل، أما أسلوب سميث فهو سهل، ثقيل بعض الشيء، لكنه مغرم بالشعر وشيكسبير، ويضع هنا وهناك مجموعة من الاقتباسات الرائعة والمهمة، ويستخدم عددا لا بأس به من الرسوم الوضيحية والمربعات التي يشرح فيها نقاط إضافية أو هامة ضمن موضوعاته، ما يميز الكتاب أيضًا هو عدد صفحاته، حولي 190 صفحة فقط، ما يجعله من السهل أن تنهيه في فترة قصيرة.

   

من جانب آخر يأتي كتاب "الهيولية في الكون"، لـباري باركر، ليشرح نفس الموضوعات الرئيسية لنظرية الفوضى، لكنه يبدأ من منتصف الكتاب، تحديدًا الفصل الثامن، في تطبيق النظرية على المجموعة الشمسية، حيث يتأمل قليلًا علاقة ذلك رياضياتيا بمسارات الكواكب، والأقمار، ثم حزام الكويكبات في فصل خاص، حلقات زحل، والغلاف الجوي البديع لكوكب المشتري والذي يمثل نموذج رائع لحالات الفوضى المنتظمة، بعد ذلك يسأل باركر، أستاذ الفيزياء بجامعة يوتاه، عن مدى استقرار المجموعة الشمسية كمنظومة.

    

    

                

بعد ذلك ينتقل باركر إلى الهيولية في النجوم والمجرات، وكيف يمكن لنظرية الفوضى أن تفسر حالات شذوذ كثيرة لم تتمكن منهجيات سابقة من تفسيرها، ثم في فصل آخر يتحدث عن علاقة الفوضى بالنسبية العامة والثقوب السوداء وعالم الكونيات ككل، مرورًا بنشأة الكون والاضطرابات الكمومية الأولى، ينتقل بعد ذلك لعالم الكوانتم والهيكل الكبير للكون ككل وتوزيع المجرات فيه، يعني ذلك أننا أمام كتاب متميز حقًا يشرح نظرية الفوضى من جانب علم الفلك والكونيات، ليؤكد مقولة ايليا بريجوجين حينما سُئل ذات مرة عما تعنيه الفوضى فقال: "هي نوع من الانتظام".

    

حالة من التعقد
دعنا الآن ننتقل إلى مجموعتين من الكتب التي تتحدث في بعض الأساسات التي تبني علوم التعقد نفسها عليها، الأولى لها مؤلف واحد فقط، وهو د. السيد نصر الدين، الفيزيائي المصري الحاصل على الدكتوراة في العلوم النووية وأستاذ إدارة المعلومات بجامعة كونكوريا، كندا، الوحيد، على حد علمي، الذي يتحدث في علوم التعقد بتركيز في الوطن العربي، لذلك فهو الكاتب العربي الوحيد في هذه القائمة.

   

أول كتبه في قائمتنا هو "المنظوماتية.. العقلانية الجديدة لحضارة الألف الثالثة"، والثاني هو "الانتظام الذاتي .. انبثاق النظام من الفوضى"، وهما ليسا كتابَين بالمعنى المفهوم، يمكن أن نتصورهما كمقالين طويلين مكتوبٌ كل منهما في 50 صفحة فقط من القطع الكبير، ضمن سلسلة كرّاسات مستقبلية/علمية التابعة للمكتبة الأكاديمية "مصر"، وهي سلسلة تقدم موضوعات علمية وفلسفية هامة في صورة مقالات مطوّلة، أشبه بفصل في كتاب، ولتلك الطريقة في العرض فوائد جمة.

                    

                 

في الكتاب الأول، يتطرق نصر الدين إلى ما يعنيه الفكر المنظومي، وكيف يختلف عن سابقه الاختزالي النيوتني، ويشرح كيف يمكن للمنظومة أن تعمل كوحدة واحدة متفاعلة أجزاؤها فيما بينها متصلة بصورة لامركزية، أما الكتاب الثاني فيناقش واحدا من أهم موضوعات علوم التعقد، وهو الانتظام الذاتي، ليبدأ بلفائف بينارد المثيرة للانتباه، مرورًا بإنجاز إيليا بريجوجين في فهم ما يُعرف بالمنظومات المبددة للطاقة، وكيف أمكن لهذا الكشف أن يخلق فكرا علميا جديدا تمامًا، يناقش مركزية عدم الاتزان واللاخطية وأنواع مختلفة من الموضوعات التي لم تكن يومًا في حسبان أي عالِم، بما في ذلك نشأة الحياة ذاتها.

      

أسلوب نصر الدين سهل، لكنه مكدّس، يلقي إليك بكمٍّ ضخم من المعلومات في فقرة واحد، لكنه يضع النسخة الإنجليزية من اصطلاحاته بجانبها دائمًا، ويمكن لذلك أن يفتح لك بابًا للخروج إلى عالم الويب للبحث، كذلك فإنه يأخذ جانبًا فلسفيًا واضحًا، وهذا في الحقيقة هو ما يهم بدرجة أكبر في تلك القائمة من الكتب، حيث كنّا في حاجه لنقاش علوم التعقد كوجهة نظر فلسفية يعمل العلم من خلالها. صورة أكثر كثافة عن علوم التعقد، لكنها أقل تنظيمًا وكأنها فقط مجموعة من المقالات المجمعة، تجدها في كتاب "شوية علم من فضلك" لنفس الكاتب.

      

أفضل الكتب
أما المجموعة الثانية والأخيرة من الكتب فتضم كتابين، أتصور أنهما، بجانب المساقات في البداية، أفضل ما يمكن لك استخدامه لتحقيق تقديم مبسط للغاية وشامل لكل جوانب هذا الفرع العظيم الضخم والمعقد من العلوم والمدعو علوم التعقد، لكن المشكلة الوحيدة التي نواجهها مع هذين الكتابين هي اللغة، حيث لا نجد لهما ترجمة عربية، لذلك قررت وضعهما في آخر قائمة كتب التعقد. إن كانت إنجليزيتك سليمة، ويفضل أن تكون كذلك، فأنا أقترح أن تجرب الخوض فيهما بعد المساقات فورًا وتتخطّى البقية.

   

أول كتاب هنا هو "Simply Complexity التعقد ببساطة" مع عنوان جانبي "دليل واضح إلى نظرية التعقد" لـ"Neil Johnson نيل جونسون"، أستاذ الفيزياء بجامعة أوكسفورد والمعروف بأعماله في نظرية التعقد، وما يميز الكتاب -أولًا- هو أنه موجّه للعامة، بل إن جونسون في المقدمة يقول أنه كتب هذا الكتاب ليُقرأ في الباص أو على الأريكة، من قبل طفل أو شخص كبير، من غير المتخصصين بالأساس، ويضيف أنه كتب الكتاب الذي "كان ليوفر عليه جهد البدايات في البحث".

          

          

لذلك فالكتاب يستخدم عددا مهولا من الأمثلة -والرسومات التوضيحية- من الواقع اليومي الذي نعرفه، ويبدأ جونسون كلا من فصوله الإثنى عشر بحكايات مسلّية وعناوين ممتعة (أحدهم مثلًا هو "إلى اللانهائية وما بعدها" من فيلم قصة لعبة)، ويستخدم لغة الشارع ببساطة ويسر، ويوضح الاصطلاحات فور ظهورها، والأهم من ذلك كله أنه يتحدث في معظم جوانب علوم التعقد، فيبدأ من تعريف ما يعنيه التعقّد بالأساس، ثم إلى نظرية الفوضى، ثم ينتقل إلى تطبيقات ذلك كله في علوم الحوسبة، الرياضيات، البيولوجيا، الفيزياء، السياسة، والاقتصاد... إلخ.

   

أما الكتاب الثاني فهو "Complexity a guided tour" لـ"ميلاني ميتشيل Melanie Mitchell" أستاذة علوم الحاسب بجامعة ولاية بورتلاند، والكتاب كرفيقه السابق يقدم عرضًا شاملًا نوعًا ما لما تعنيه علوم التعقد، لكن ميلاني وإن كانت تبسط محتواها كثيرًا فإنها تقدمه بشكل يقترب من اللهجة الأكاديمية المبسطة، تستخدم رسومًا توضيحية وكاريكاتورية من حين لآخر بين فصولها التسعة، والتي تبدأها، كـنيل جونسون، بفصل كامل تشرح فيه ما يعنيه التعقد.

   

    

     

بعد ذلك تتنقل ميتشل بين جوانب علوم التعقد الأساسية، كالفوضى، الحوسبة، والتطور، ثم إلى علاقة التعقد بعلوم الوراثة والجينات، ثم بعد ذلك -بداية من منتصف الكتاب- تركز اهتمامها على الحوسبة ونظرية المعلومات Information Theory، ثم الفكر الشبكي، وتطور الشبكات، مع فصل أخير عن مستقبل التعقد، وتهتم الكاتبة أن تتنقل بهدوء من نقطة إلى نقطة؛ بحيث تسلّمك الأولى للثانية ثم إلى الثالثة وهكذا، ومن حين لآخر تتوقف لتشرح تعريف جزئية محددة كأن تسأل "ما هي المعلومة؟" ثم تنتقل بك للتالي الذي يتضمن أهمية أن تكون على علم دقيق بتلك النقطة السابقة.

    

أود هنا أن أضيف أنك غير مجبر على قراءة كل تلك الكتب، فمثلًا في أثناء حديثنا عن نظرية الفوضى عرضت لك أربعة كتب، لكنها جميعًا مقترحات لنفس الشيء تقريبًا، يمكن أن تقرأ الأكثر مناسبة لك منها، وبذلك تختصر هذا التقرير كاملًا في المساقات الأولى وعدد بسيط من الكتب، كذلك دعني أوضح أن هذه الكتب كانت خطتي الشخصية في تعلم علوم التعقد (خاصة المساقات بالأعلى والتي اجتزتها بالكامل)، لذلك يمكن أن تجد بعض المقترحات الأخرى التي قد تكون مفيدة لك، لكنّي تعمدت أثناء وضع قائمة بالكتب من أجل هذا التقرير أن تشمل وجود ثلاثة شروط: البساطة، الشمول، التنوّع.

   

في تلك النقطة يمكن لك أن تستعين بمقال سابق للكاتب، هنا عبر منصة "ميدان"، حول أحد الأمثلة الهامة من عالم التعقد، وهو "عقيدة التنظيم.. كيف يفكر النمل؟"، كذلك في موقع إضاءت قبل العمل بميدان، في أربعة مقالات كمقدمة مبسطة لعلوم التعقد، وهي "العلم: من تروس نيوتن إلى عفريت لابلاس"، "العلم: من فراشات لورنز إلى جسور النمل الحيّة"، "هل يمكن لنظام أن ينشَأ من فوضى؟"، "التأرجح على حافة الفوضى".

   

الأمر، كما ترى، معقد، ليس لأننا ندرس علوم التعقد، ولكن أقصد أن الأمر يبدو كأن أحدهم قد ألقى في وجهك بكم كبير من المفاهيم الجديدة والباردة فجأة، للوهلة الأولى سوف تشعر بنفور تجاه ذلك كله، لكن مع الوقت، وهو ليس بالوقت الطويل، سوف تتربى لديك درجات من الألفة معه. يحتاج الأمر فقط أن تبذل في البداية بعض الجهد والوقت والتركيز، والنتيجة تستحق أن تفعل ذلك، فبجانب ما تقدمه لك علوم التعقد من معارف جديدة سوف تساعدك في فهم العلوم الحديثة بتنوعها، إلا أنها كذلك سوف توسّع أفقك كثيرًا، وسوف تفتح الباب لك لتأمل العالم من وجهة نظر أخرى، وجهة نظر المنظومة، وذلك يستحق.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار