اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/8 الساعة 17:37 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/21 هـ

انضم إلينا
ما الذي قدمه ستيفن هوكينغ للعلم؟

ما الذي قدمه ستيفن هوكينغ للعلم؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
       

"قيّم الإنسان عبر أسئلته .. لا عبر إجاباته"

(فولتير)

        

توفي ستيفن هوكينج، العالم الشهير الذي أصيب بمرض نادر تسبب في شلل تدريجي لأجزاء جسمه، فأصبح غير قادر على تحريك أي شيء إلا عينيه، لهذا السبب أعطاه الأطباء، حينما كان في الواحدة والعشرين من عمره، عامين فقط لكي يعيش، لكنه -وكمعجزة حية- تجاوز كل التوقعات، إلا أن الموت أدركه وهو في منتصف سبعينات عمره، إلا أنه خلال فترة مرضه التي طالت ولم تفارقه أثرى تاريخ العلم بمجموعة من الأعمال الهامة في مجاله البحثي، ليصبح واحدًا من النجوم اللامعة في سماء الفيزياء. لكن، لنتوقف هنا لحظة إذا سمحت، ما هي تلك الأعمال الهامة؟

     

تلك حقًا مشكلة. نحن، في وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى المقالات المكتوبة للعامة عنه، لا نعرف شيئا عمّا قدمه هوكينج للعلم، لا نعرف إلا ذلك الكرسي الخاص به، الصوت الإلكتروني الخارج منه، ونكاته المضحكة أو جمله التي تدعو للتأمل في اللقاءات العامة، فقد تجاوزت الكاريزما الطاغية لهوكينج، وحالته الخاصة جدًا، شهرة إنجازاته العلمية للدرجة التي جعلت هوكينج، من وجهة نظر الناس، أقرب لكونه مفكرا أو مثقفا من كونه عالم فيزياء قويا، لذلك فإن هذا التقرير سوف يتجاوز الحديث المكرر عن معاناة هوكينج مع مرضه، ذلك الكفاح العظيم، وكذلك فلسفته في الحياة، ويمكن لك التعرف إلى ذلك كله في الفيلم البديع الحاصل على الأوسكار "ثيوري أوف إفري ثينغ" (نظرية كل شيء)، إلى الحديث الهام عما أنجزه هوكينج.

          

نحن لا نعرف شيئا عمّا قدمه هوكينج للعلم، لا نعرف إلا ذلك الكرسي الخاص به، الصوت الإلكتروني الخارج منه، ونكاته المضحكة أو جمله التي تدعو للتأمل في اللقاءات العامة

 
مواقع التواصل
      
النسبية العامة.. مرة أخرى
حسنًا، في البدء كانت النسبية العامة.1 إنه العام 1915، ينشر ألبرت أينشتاين ورقته البحثية الصارخة عن نظرة جديدة للكون تختلف تمامًا مع فكرة ظلت مسيطرة على الوسط العلمي قرابة ثلاثمئة عام، حيث يصف نيوتن الجاذبية بأنها صفة تتعلق بالأجسام، صفة تشبه المجال المحيط بالمغناطيس، فتتأثر الأجسام ببعضها و"تنجذب" إلى بعضها البعض حسب ما يفرضه عليها قانون نيوتن للجذب العام، لكن أينشتاين جعل تلك الجاذبية صفة للفضاء نفسه الذي يتكون من التحام نسيجي الزمن والمكان معا، لا يهم الآن أن نعرف كيف يتم ذلك الالتحام، لكن المهم هو أن نعرف كيف ينحني الفضاء نفسه بأثر الكتلة، لفهم ذلك دعنا نبدأ بالتخيّل.
    
تلك الكرة هي أي جرم له كتلة، نجم مثلًا أو كوكب ما، أما تلك القماشة فهي نسيج الزمكان، وكلما كان الجسم أكبر في كتلته كان انحناء الزمكان أكبر (الجزيرة)

       

لنفترض أن هذا الكون هو قطعة قماش لينة، لكن ضخمة جدًا مشدودة الأطراف من كل الجوانب، الآن يمكن أن تمسك بكرة حديدية كتلتها خمسة كيلوغرامات وتضعها في أي مكان بهذه القطعة، ما سوف يحدث هنا هو أن ينحني نسيج القماش للأسفل بفعل ثقل الكرة الحديدية، تلك الكرة هي أي جرم له كتلة، نجم مثلًا أو كوكب ما، أما تلك القماشة فهي نسيج الزمكان، وكلما كان الجسم أكبر في كتلته كان انحناء الزمكان أكبر، هنا سمحت الفيزياء الجديدة للكون بوجود أجرام غريبة.

      

الثقب الأسود كما تصوره باحثو ناسا، فهناك قرص من المادة الساخنة يدور حول الثقب، والثقب نفسه هو تلك المنطقة السوداء بالمنتصف، وهي سوداء لأننا لا نتمكن من رؤية ما بداخلها، وذلك لأن الثقب الأسود لا يشع أي شيء (مواقع التواصل)

     

إنها الثقوب السوداء (Black Holes)، تحدثنا عنها كثيرًا من قبل (يمكنك مراجعة بعض التقارير بالمصادر2،3)، والفكرة العامة هي أن الثقب الأسود يتكون حينما تنهار نجوم عملاقة على ذواتها، حيث يقف أي نجم ثابتًا ومتزنًا بين قوتين، قوة ضغط مادته على مركزه، والأخرى هي قوة طرد للخارج عن طريق تفاعلات الاندماج النووي في مركزه، لكن حينما ينتهي وقود النجم من الهيدروجين يفقد تلك القوة المسؤولة عن الطرد للخارج، فينهار النجم على ذاته، إن كانت كتلة النجم كبيرة بما فيه الكفاية فإن المتوقع هو أن تنهار كامل مادته بلا توقّف إلى نقطة حجمها "صفر"، لا شيء، نسمّيها المفردة4 (Singularity).

        

هنا يدخل ستيفن هوكينج للعبة، لكن متأخرًا في الستينيات، في تلك الفترة كان روجر بينروز قد نجح في إثبات أنه يمكن لفكرة بسخافة "المفردة" أن توجد، لكن لماذا هي سخيفة؟ لأنها تضعنا أمام مشكلة تتعارض مع كل ما نعرفه تقريبًا من قوانين الفيزياء، فمثلًا يعلمنا مبدأ استبعاد باولي5 (Pauli Exclusion Principal) أنه لا يمكن لاثنين من الفيرميونات (جسيمات المادة) أن يتخذا نفس الحالة الكمومية، وبالتالي؛ لا يمكن ضغط أي كمّية من المادة في مكان واحد، كذلك نعرف أن أقل طول ممكن لشيء ما في هذا الكون هو طول بلانك6 (Plank Length)، وهو رقم صغير جدا يساوي "علامة عشرية ثم 35 صفرا ثم 1".

        

في الحقيقة لا يزال هناك جدل دائر بشأن تلك المشكلة، ومن المهم فقط أن نتفهم، نحن كقرّاء في الفيزياء، أن بعض المفاهيم الرياضياتية المجردة لا يمكن بسهولة تصوّرها على أرض الواقع، في كل الأحوال كانت فكرة هوكينج في تلك اللحظة -نحن الآن نقترب من سنة 1970- أن الثقوب السوداء تتميز بعدة صفات تجعل منها مرشحة هامة جدًا لشيء نعرفه جميعًا، إنه الانفجار العظيم، حيث افترض7 -مع روجر بنروز- أن الكون بدأ بمفردة كتلك التي توجد في قلب الثقوب السوداء، لكن بشكل معكوس، بمعنى أن المفردة في الثقب الأسود هي نتيجة لانهيار المادة على ذاتها إلى نقطة لا حجم لها، أما الكون فهو مفردة بدأت لا حجم لها، ثم أنتجت تلك المادة والطاقة، أقول ذلك طبعًا بدرجة واسعة من التبسيط لا تقترب كثيرًا من التعقيد الرياضياتي المتعلق بها.

     

حكاية كوب من الشاي الساخن
في تلك الفترة اعتقد هوكينج أن الثقوب السوداء لا يمكن لها إلا أن تزيد -فقط- في الحجم، وهو تصور مقبول عن جرم سماوي لا يمكن لشيء أن يهرب من جاذبيته، حتى الضوء (الإشعاع) نفسه، الثقوب السوداء إذن هي أجسام باردة، أبدية، تتكون ولا تفنى لأنها تسحب المادة ولا تُخرجها، وما يُفقد بداخلها لا يمكن استعادته أو معرفة أي شيء عنه، لأن تلك المعرفة تتطلب إشارات، والإشارات تعني إشعاعا، والثقب الأسود لا يشع أي شيء. دعنا الآن نقارن بين ثقب أسود وفنجان من الشاي الساخن، تضعه على مكتبك في ليلة باردة بينما تتأمل مقالًا عن الثقوب السوداء.

     

للوهلة الأولى تظن أن تلك مقارنة غريبة بعض الشيء، لكن الفنجان يختلف عن الثقب الأسود في شيء رئيسي، وهو أنه يشع حرارة، لو تركت الفنجان دون أن تشربه سوف يبرد، ويعني ذلك أنه قام بعمل "اتزان" مع الوسط المحيط عبر إشعاع الحرارة الخاصة به، ولكن، ما هي الحرارة؟ إنها حركة جزيئات المادة المكونة للشاي، كلما ارتفعت الحرارة كلما ازدادت حركة جزيئات الشاي في مساحة أكبر، ويعني ذلك أنه كلما ارتفعت درجة حرارة كوب من الشاي أصبح من الصعب تحديد موضع جزيء ما في كوب الشاي بدرجة أكبر، لفهم ذلك عنا نتعرّف إلى الإنتروبيا8 Entropy.

     

بينما ينتشر الحبر في الحوض نفقد تدريجيًا قدرتنا على تحديد مكان الجزيء خاصتنا، حيث قد يكون في أي مكان حينما تنتشر نقطة الحبر في الحوض الكامل (الجزيرة)
   

للإنتروبيا تعريفات كثيرة متعلقة ببعضها البعض، لكن دعنا نعرّفها هنا على أنها حالة من عدم الانتظام، حالة تؤدي لعدم القدرة على التحديد، لفهم ذلك سوف نلقي بنقطة حبر أزرق في حوض زجاجي به ماء، ضمن تلك النقطة جزيء ما، سوف نسمّيه الجزيء X (أحمر اللون في الشكل المرفق)، نستطيع في البداية تحديد مكان الجزيء بدقة كبيرة، لأنه مازال ضمن تلك النقطة الصغيرة، لكن بينما ينتشر الحبر في الحوض نفقد تدريجيًا قدرتنا على تحديد مكان الجزيء خاصتنا، حيث قد يكون في أي مكان حينما تنتشر نقطة الحبر في الحوض الكامل، موضع الجزيء X إذن أصبح "معلومة مخفية Hidden information" في الحوض، كلما انتشر الحبر في الماء، ارتفعت درجة "عدم قدرتنا" على التحديد، أي ارتفع عدد المعلومات الخفية، أي ارتفعت الإنتروبيا.

    

جزيئات الشاي لها نفس الصفة، كلما ارتفعت درجة حرارة الفنجان، اهتزت الجزيئات بدرجة أكبر، في مساحة أكبر، مما يرفع الإنتروبيا. قارن ذلك بكوب ماء مجمد مثلا، هنا سوف تثبت الجزيئات في مكانها ويكون من السهل تحديد موضعها، أي "معلومات خفية أقل"، ما يعني إنتروبيا أقل، الآن نصل إلى مرحلة أخرى من التجربة، حيث، ما الذي يحدث لو ألقينا هذا الكوب الساخن في الثقب الأسود؟ الثقب الأسود هو جسم لا يشع أي شيء على الإطلاق، لأن أي إشعاع هو هروب من جاذبيته، وذلك غير ممكن بالطبع لأنه قادر على جذب كل شيء، والإشعاع -كما تعلّمنا منذ قليل- هو إنتروبيا، الثقب الأسود إذن لا إنتروبيا له.

     

لكن حينما نلقي بكوب شاي ساخن إلى الثقب الأسود فنحن نخفّض إذن من إنتروبيا الكون ككل، أليس كذلك؟ نحن نلقي بشيء له قيمة إنتروبيا ما بداخل شيء لا إنتروبيا له، بعد هذا "الإلقاء" لدينا "كون محذوف منه إنتروبيا الشاي" ويعني هذا أن الإنتروبيا الكونية ككل قد انخفضت بفقدان فنجان الشاي، ويتعارض ذلك تماما مع القانون الثاني للديناميكا الحرارية؛ والذي ينص على أن الإنتروبيا في الكون تزيد بشكل دائم، في تلك النقطة يظهر "جاكوب بيكنشتين9 Jacob Bekenestein" الفيزيائي الأمريكي ليقول أن ذلك يجبر الثقب الأسود أن يكون ذا "إنتروبيا" تساوي ما يسقط فيه، وإلا فإننا أمام حالة كارثية نكسر فيها أحد أهم القوانين في تاريخ الفيزياء.

    

كان ذلك غير مقبول بالطبع، كيف يشع الثقب الأسود وهو -بالتعريف- لا يشع؟ هنا عكف هوكينج على إثبات خطأ فكرة بيكنشتين، بالتأكيد هناك شيء ما خاطئ في كل تلك الفوضى، لكنه لحل المشكلة اضطر للخوض في الإشكالية التي تؤرق فيزيائيي الكونيات، وكل الفيزيائيين في الحقيقة، إنها مشكلة دمج الكوانتم مع النسبية العامة من أجل الخروج بنظرية تشرح كل شيء، يمكنك، للمزيد من التعرف على المشكلة الخاصة بهذا الدمج، أن تتأمل تقريرا سابقا للكاتب بعنوان "لماذا لا تتفق النسبية مع الكم؟".

    

الآن دعنا نترك النسبية قليلًا ونتعرف على عالم الكوانتم، العلم الذي يهتم بدراسة الجسيمات على المستوى الذري، حيث تخبرنا ظاهرة "التموج الكمومي10 Quantum Fluctuations" أن الفراغ الفيزيائي ليس فراغًا بالمعنى المفهوم، لكنه حالة هادرة مضطربة منتشرة في كل الكون، تظهر فيها جسيمات افتراضية وجسيمات افتراضية مضادة، في فترة زمنية قصيرة للغاية، ثم لا تلبث أن تلتقي جسيمات المادة برفيقتها المضادة وتُفني كل منهما الأخرى، الأمر كأن نقول أن حاصل جمع "1" و"1-" هو "0"، فراغ. هنا أيضًا يمكن لك تأمل تقريرين للكاتب، قام فيهما بتبسيط هذه الموضوعات، الأول هو "عدم اليقين: ما هو اللاشيء؟"11، والآخر هو "لغز الوجود: الفيزيائيون والبحث عن نشأة الكون".12

      

كما تلاحظ، فإن الجسيمات والجسيمات المضادة (الموجبة والسالبة) تخرج من الفراغ لفترة قصيرة جدا ثم يفني كل منها الآخر، إلا عند حافة الثقب الأسود (الجزيرة)

 

لكن ما إن نقترب من حافة الثقب الأسود حتى يتغير الأمر قليلًا، حيث يفترض هوكينج أنه طالما أن الثقب الأسود قادر على جذب كل شيء، وعلمًا بأن تلك الجسيمات والجسيمات المضادة تتولد في كل مكان، بما في ذلك حافة الثقب الأسود، فإنه قد يحدث في ذلك الزمن القصير جدًا حينما ينفصل أحد الجسيمين الافتراضيين، وقبل أن يلتقي برفيقه، أن يسقط في الثقب الأسود، فيدخل إليه مضطرًا بسبب قوة جذبه، هنا سوف ينطلق الآخر كإشعاع، إنه ما نسميه بـ"إشعاع هوكينج13 Hawking Radiation"، أشهر ما عرف به ستيفن هوكينج، ليس فقط بسبب الاستنتاجات الرياضية الهامة التي صاغها هوكينج، أو إثباته أن الثقوب السوداء تُشع بالفعل، ولكن أيضًا، وربما هو أهم شيء، لأنه فتح الباب لواحدة من أكبر مشكلات الفيزياء.

    

مفارقة المعلومات
بقي أن نتحدث عن الجسيم الساقط في الثقب الأسود، إن كان هذا الجسيم هو صاحب الطاقة السالبة من الرفيقين، فإنه سوف يتسبب بالتالي في إفناء جزء من كتلة الثقب الأسود الموجبة الطاقة، وتلك مشكلة لأن ذلك يعني أن الثقب الأسود، في حال لم يسقط فيه أي شيء، نظريًا، سوف تتناقص كتلته تدريجيًا حتى ينتهي تمامًا، أو بمعنى أدق "يتبخر"، وهنا يتراجع هوكينج نفسه عن فكرته الأولى، وما أكثر تلك المرات التي تراجع فيها، والتي تقول إن حجم الثقب الأسود لا يمكن أن ينقص.

    

في تلك النقطة ظهرت مشكلة أخرى جديدة، سوف نشرحها بمثال بسيط، لنفترض أنك تود أن تتخلص نهائيا، لسبب ما، من صورة قديمة، سوف تقوم ربما بتقطيعها وإلقائها في سلة المهملات، رغم ذلك لا يزال بإمكاني -نظريا- أن أعيد تجميعها مرة أخرى، هنا سوف تود ربما حرقها بالنار لتتخلص منها نهائيا، لكن الفيزياء ما زالت تمتلك القدرة -نظريا- على إعادتها مرة أخرى، ببساطة لأن كل ما حدث هو أن الصورة تحولت لشيء آخر ولم تُحذف بعد من الوجود، أما في الثقوب السوداء فالأمر يختلف، حيث إن الطاقة الخارجة من الثقب أثناء تبخره لا تعبر عما سقط بداخله، لماذا؟

      

لم يجب هوكينج عن مفارقة المعلومات، لكن إثارتها في حد ذاته شيء عظيم، والعظمة في العلم لا تكون فقط في "الإجابات العظيمة"، وإنما "الأسئلة العظيمة" أيضًا

رويترز
   

لأنها تعبر فقط عن جسيمات افتراضية تحولّت إلى أخرى عادية، لنفترض أنك ألقيت بتلك الصورة في ثقب أسود، ثم تبخر الثقب وأطلق إشعاع هوكينج أثناء تبخّره، هذا التبخر سوف يُفقدنا أية معلومات لها علاقة بالصورة، لأن الإشعاع الذي خرج من الثقب الأسود أثناء تبخّره ليس كالنار التي أحرقت الصورة منذ قليل، النار أحرقت الصورة وأشعّت لنا طاقة لها علاقة بالصورة، أما الثقب الأسود فقد بخّر الصورة وأشع لنا طاقة لا علاقة لها بالصورة، وتلك مشكلة كبيرة، لأنها تكسر قانونًا آخر، قانون بقاء المعلومات.

    

حيث نعرف من قوانين الديناميكا الحرارية أن الطاقة والمادة "لا تفنى ولا تستحدث من عدم، ولكن يمكن تحويلها من صورة لأخرى"، إن ما يحدث في الكون كله هو عملية تحولات للطاقة والمادة من صورة لأخرى، وعندما أُحرق تلك الصورة، فإنها تتحول فقط لطاقة في صورة حرارة، يمكن تطبيق ذلك المبدأ على المعلومات أيضًا، في عالم الميكانيك الكمومي لا يمكن للمعلومات أن تُفنى، وتعني المعلومات حالة كل جسيم في الكون: كتلته، الموضع، السرعة، اللف، درجة الحرارة... إلخ، أما حينما نفقد تلك الصورة في الثقب الأسود، فإننا نفقد معلومات الجسيمات المكوّنة لها، ثم ها نحن من جديد نكسر قانونًا أساسيًا آخر للكون.

    

لا تزال تلك المفارقة، "مفارقة المعلومات14 Information Paradox"، أو يمكن أن نقول "الملاحظة الذكّية لستيفن هوكينج"، إلى هذا اليوم الذي تُكتب فيه تلك الكلمات، هي مركز النطاق البحثي المتعلق بالكونيات والثقوب السوداء، ورغم ظهور العديد من الحلول لتلك المشكلة، بداية من نظرية الكون الهولوجرامي حتى ورقة هوكينج الأخيرة15 في يناير 2016 والتي تقول إن المعلومات تتتحرك داخل وخارج الثقب الأسود عبر تخزينها على "جسيمات ليّنة Soft particles" وهي نسخة منخفضة الطاقة من الفوتونات، تبقى المشكلة غير محلولة.

              

       

هوكينج، إذن، هو ذلك الباحث الذي لم يجد أية غضاضة في التراجع عن مواقف علمية اتخذها من قبل، لن تجد في تاريخه سوى رهانات خاسرة مع الكثير من أصدقائه الفيزيائيين، لكن المميز في هوكينج، بجانب ذلك كله هو أن لدينا فيزيائيا ما، يبلغ من العمر ستة وسبعين عامًا، لكن لايزال بإمكانه أن ينشر ورقات بحثية على فترات متقاربه، ليس فقط في هذا العمر، وإنما أيضًا في تلك الحالة المرضية الخاصة جدا التي أصابته، يدعونا ذلك للتأمل كثيرًا حول ما نتصور أنه "فشل" في حياتنا.

     

الآن، نصل إلى النقطة التي نتحدث فيها عن أهم إنجازات هوكينج، بالطبع إذا بحثت في قوائم "أفضل 10 فيزيائيين في القرن العشرين" قد لا تجده بها، ليس في معظم الاستفتاءات الثقيلة مثلًا، لكن هوكينج له بالفعل موضع غاية في التميز بين فيزيائيي القرن، وفي تاريخ الفيزياء ككل، ليس فقط لإنجاز محدد قدمه أو لاكتشاف كبير، أو لأن معادلة إشعاع هوكينج تتكرر هنا وهناك في الورقات البحثية كل يوم، وإنما أيضًا لأنه استطاع أن يسأل السؤال الهام عن مفارقة المعلومات، المشكلة التي لم يكن أحد يعلم بوجودها أصلًا، لم يجب هوكينج عن مفارقة المعلومات، لكن إثارتها هو في حد ذاته شيء عظيم، والعظمة في العلم لا تكون فقط في "الإجابات العظيمة"، وإنما "الأسئلة العظيمة" أيضًا.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار