هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
هل قتل نصف سكان العالم يجعل حياة الباقين أفضل؟

هل قتل نصف سكان العالم يجعل حياة الباقين أفضل؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

  

"لا يمكن لهؤلاء التخلي عن فكرة بسيطة، ولكنها خاطئة بشكل واضح، مفادها أن البشر لا يختلفون عن قطيع الغزلان عندما يتعلق الأمر بالتناسل"

(رونالد بايلي في كتابه "The End of Doom")

  

في الجزء الجديد الرائع من مجموعة أفلام مارفل، والذي يحمل عنوان "The Avengers: Infinity War"، يبدأ ثانوس، الشرير الأقوى والأذكى على الإطلاق، حملة خاصة جدًا لجمع الأحجار اللانهائية، تلك التي يتحكم كل منها في أحد جوانب الكون (الواقع، الزمن، الفضاء، القوة، العقل، والروح). ما إن يجمع تلك الإحجار معًا في قبضة يديه حتّى يمتلك قوى مهولة تسمح له بالتحكم في كل شيء، هنا ينوي ثانوس أن يستخدمها لتنفيذ الخطة الأكثر كارثية في التاريخ الكوني منذ بدء الانفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة، وهي إبادة نصف الحياة في الكون كله، وترك النصف الآخر ليعيش في سلام!

 

حجة ثانوس بسيطة، يعرضها بوضوح في أحد المشاهد حينما يقول: إن أعداد سكّان الكون تزداد باضطراد ودون تحكم، يعني ذلك أنه سيأتي يوم ويتفوق عدد سكان الكون على كمية الموارد المتاحة، بالتالي سوف تسود الفوضى حينما يتقاتل الجميع على تلك الموارد. وبحسبة بسيطة يمكن أن نصل لاستنتاج يقول: إن تلك ستكون نهاية الحياة، هنا يقول ثانوس: إنه ربما لا يكون الوحيد الذي يعرف تلك الحقيقة، لكنه -هو فقط- كان الوحيد القادر على العمل تجاه تنفيذها.

   

  

شبح النهاية

تلك، بالطبع، هي فكرة غاية في الجنون، لكنك لن تصدق عدد المؤمنين بها حول العالم، خاصة في الحقبة المعاصرة. في الحقيقة ليست فكرة ثانوس جديدة على أية حال، لفهم ذلك دعنا نتأمل معًا أحد فقرات الفصل السابع من الكتاب الواسع الشهرة، والذي يعد واحدًا من أساسيات علم الاقتصاد المعاصر: "مقالة في مبدأ السكان، وأثرها على تقدم المجتمع"، والمنشور سنة 1789، حيث يقول توماس مالتوث(1) Thomas Malthus، الباحث السكاني، والاقتصادي السياسي الإنجليزي:

 

"أعتقد أنني أقوم ببناء فرضيتين عادلتين، الأولى هي أن الإنسان في حاجة أساسية للغذاء، والثانية هي أن العاطفة بين الجنسين ضرورية، وستبقى على حالتها الحالية. بالتالي، أقول: إن قوة النمو السكّاني أكبر بفارق، لن يتقلص، من قدرة الأرض على إنماء الموارد الغذائية. نمو السكان، إذا لم يتم التحكم فيه، سيتزايد بمعدلات هندسية، بينما يتزايد نمو الموارد بمعدلات حسابية، وبمقارنة بسيطة ستظهر قوة القدرة الأولى على الثانية. لذلك، وبموجب قانون طبيعتنا البشرية القائل بضرورة وجود الغذاء من أجل حياة الإنسان، يجب علينا الحفاظ على أثر هاتين القدرتين غير المتساويتين ثابتًا، وهذا ينطوي على إجراء رقابة قوية ودورية على تطور نمو السكان".

 

في فقرات تالية(2) يقول مالتوث: إن تجاوز هذه القاعدة سيؤدي إلى صراع شديد على الموارد، ما قد يتسبب بدوره في حالات عنف، وفقر مدقع، ومجاعات لا تنتهي، بجانب انتشار الأوبئة، والفساد الاجتماعي العام. فكرة مالتوث (وثانوس كما ترى) تبدو بسيطة للوهلة الأولى، بل ومقبولة بدرجة ما لدى البعض؛ تطور النمو السكاني يتخذ طابعًا تزايديًا، كأن نقول:(3) إن سلسلة نمو السكان كل 25 سنة تتخذ النمط: 1، ثم 2، 4، 8، 16، 32، 64 ... الخ، وهذا بسبب ارتفاع معدلات الإنجاب، فكل أب وأم يحصلون على عدد أطفال أكبر منهما، أما الطبيعة فلن تنمو بهذا المعدل، بل بمعدل تدريجي منتظم، كأن تتوالى سلسلة الموارد الطبيعية: 1، 2، 3، 4، 5، 6.. إلخ، في نفس المدة الزمنية.

  

     

كما تلاحظ فإن هناك فارقًا واضحًا في ارتفاع المعدلَين، لكن ربما سوف تتفاجئ حينما تعرف مقدار الفارق في الدورة رقم 30 من تلك اللعبة، حيث سيصل معدل نمو الموارد التي تعطيها لنا الأرض إلى 30 فقط، لأنها تزيد بانتظام، لكن دورة النمو السكاني في نفس المرحلة ستصبح 2 مليار! لهذا السبب فزع مالتوث من النتائج، وتصور أننا لا محالة مقبلين على نهاية العالم، وربما الحياة كما نعرفها. في الفترة التي عاش مالتوث فيها كان عدد البشر حوالي بليون شخص فقط.

 

دعنا في تلك النقطة نوضح أن فكرة مالتوث كانت أكثر عمقًا قليلًا من ذلك، بمعنى أنه لم يتحدث في أن يظل كلٌ من المعدلَين يرتفع بشكل مطلق، لكن الفكرة هي أن يرتفع عدد السكان ليتأرجح عند الحد الفاصل بين المجاعة واللامجاعة، هذا التأرجح سيكون -حسب مالتوث- هو الحالة الرسمية والدائمة للمجتمع البشري، فحسب قوانين البقاء البسيطة سوف يحدث في مرحلة ما أن يصل البشر لهذا الحد المتأرجح، ومع كل زيادة في كم الموارد الطبيعية سوف يستمر البشر في التكاثر، بالتالي يظل الجميع على الحافة بشكل مستمر، لكن مشكلة تلك الحافة هي أنها معرضة دائمًا للخطر، فمع أي وباء، أو اختلال مناخي، أو ضغط سياسي أو اجتماعي فإن هناك فرصة كارثية لانتشار المجاعات، هكذا تصور مالتوث أن البشر سيعيشون أبدًا في (دورة للبؤس Cycle of Misery).

 

وما علاقة البطاطس بالسياسة؟

لكن الخطأ الذي وقع فيه ثانوس، ضمن أخطاء كثيرة، هو حينما قال: إنه الوحيد الذي امتلك الرغبة في العمل على خطة مجنونة للحد من أعداد البشر. فمثلًا بين العامين 1846 و1851 واجهت أيرلندا مجاعتها الكبرى(4)، مجاعة البطاطس The Potato Famine. كان السبب هو فطر خطير يسمى "اللفحة المتأخرة" أمكن تقصّي جذوره حتّى المكسيك وبيرو. تفشّت الإصابة في محاصيل البطاطس، والتي كانت الغذاء الرئيس للشعب الأيرلندي وقتها، والأكثر ملائمة لمناخ وتربة البلاد الفقيرة. خلال تلك المجاعة مات مليون شخص، وهاجر مليون آخر، وفقدت البلاد ربع سكّانها في المجمل، إنها واحدة من أسوأ الكوارث في التاريخ.

 

لكن في أثناء المجاعة نفسها تدخلت عوامل هامة لرفع معاناة الشعب الأيرلندي، حيث في تلك الفترة كانت البلاد خاضعة للاستعمار البريطاني، والذي حدد سياسة لعدم التدخل أقرّها مندوب الاستعمار في أيرلندا "تشارلز تريفيليان"، وتتضمن تلك السياسة عدم إعطاء مساعدات لأيرلندا، وعدم السماح للمساعدات بالقدوم من أي مكان آخر، كذلك استغلت بريطانيا الأراضي الأيرلندية وقتها لزراعة محاصيل أخرى غير البطاطس وتصديرها لبريطانيا بأسعار زهيدة، بالطبع كانت هناك درجات من العداء الديني من البريطانيين تجاه الأيرلنديين وقتها، لكن هناك نقطة إضافية.

   

  

حيث تزايدت أعداد الأيرلنديين قبيل سنوات المجاعة بشكل ملحوظ، ما دعا بعض المفكرين البريطانيين لتصور اقتراب أزمة مالتوثية، السلوك السياسي البريطاني تجاه الأزمة يمكن فهمه في اقتباسات "تشارلز تريفيليان"، والذي قال(5)وقتها: "قضاء الله هو ما أرسل الكارثة لتعليم الأيرلنديين درسًا، لذلك لا يجب أن تكون الكارثة مُخففة"، وأضاف أيضًا: "الشر الحقيقي الذي يجب علينا مواجهته ليس الأثر الجسدي للمجاعة، ولكن الشر الأخلاقي لطابع الناس الأناني، المنحرف، والمضطرب".

 

ويقصد تشارلز تريفيليان هنا أن الأيرلنديين الجهلاء، هؤلاء الذين يعيشون كالوحوش -كما دأب البعض على تسميتهم وقتها- هم الشر الحقيقي وليست المجاعة التي تسرق أطفالهم بشكل يومي! في ذلك الوقت قال جون ميتشل -وهي الجملة التي انتشرت بعد ذلك لتصبح حكمة أيرلندية شهيرة إلى الآن-: "لقد أرسل الله الآفة الزراعية، وصنع الإنجليز المجاعة". في مايو 1997 قدم توني بلير كلمة اعتذار6 للشعب الأيرلندي، كانت أول اعتراف رسمي أن للبريطانيين دورًا في المجاعة.

 

أما في العصر الحديث فقد ظهرت الفكرة المالتوثية من جديد في آواخر الستينيات من القرن الفائت، حيث انتشرت الكتابات البحثية والعامة التي تتنبأ بكارثة سكّانية قريبة، مع المقترحات المالتوثية (أو الثانوسية) التي تحدثنا عنها قبل قليل. لكن على قمة هذا الجبل الجديد من التهديدات المفزعة تربع كتاب "القنبلة السكّانية (7) The Population Bomb" للبيولوجي بول ايرلش Paul Ehrlich من جامعة ستانفورد. كان السبب الرئيس في تلك الهجمة الجديدة هو التطور المتلاحق لأعداد السكّان في العالم، لفهم ذلك دعنا نتأمل قليلًا حكايتنا، حكاية البشر.

 

قنبلة السكّان

في العام 1 ميلادية كان عدد البشر هو حوالي(8) 250 مليون شخص (رُبع مليار)، احتاج الأمر حوالي 1600 سنة لكي نصبح نصف مليار شخص، لكن الزيادات التالية لذلك لم تكن بنفس التردد، فخلال مائتي سنة فقط تضاعف عدد السكان في العالم ليصبح مليارًا كاملًا، نحن الآن عند النقطة التي فزع فيها توماس مالتوس، في تلك الفترة انفتح العالم الجديد وجاءت كميات كبيرة من الطعام (البطاطس، القمح، والذرة)، إلى العالم القديم، من جهة أخرى سافر العديد من البشر إلى أمريكا الشمالية، مع أرض واسعة وعدد قليل من الناس كان المتوقع هو ارتفاع في أعداد المواليد. في نفس الفترة كانت هناك ثورة زراعية قائمة شرقي آسيا، ما تسبب أيضًا في ارتفاع إنتاج الغذاء، وبالتالي المواليد.

   

  

في تلك النقطة اتخذ نمو السكان منحنى أكثر تصاعدًا ودرامية(9)، حيث احتاج الأمر حوالي 130 سنة فقط لتتضاعف أعدادنا فنصبح 2 مليار شخص، كان ذلك بعد الثورة الصناعية التي بدورها طوّرت وسائل النقل، فانتقلت الموارد إلى البشر في كل مكان، أما التضاعف التالي لأعداد البشر فقد حدث فقط بعد 44 سنة في عام 1974، عندها أصبح العالم يحوي 4 مليار شخص، إنها تلك الفترة التي نشأت فيها الثورة المالتوثية الجديدة التي تحدثنا عنها قبل قليل، بعد تلك الفترة احتاج الأمر فقط 12 سنة لكل مليار إنسان إضافي، وصولًا إلى اللحظة الحالية، حيث يحوي العالم 7.7 مليار شخص!

     

    

من جديد، ظهرت المخاوف من ازدياد مضطرد في أعداد البشر بحيث توقّع البعض أننا سوف نصل حتمًا إلى مرحلة المجاعة، تلك التي أشار لها مالتوث في كتابه، وامتلأت وسائل الإعلام بأحاديث متوترة تقول: إن أعداد البشر أصبحت تزيد بشكل واضح كل أسبوع، وإذا لم نتمكن من السيطرة على أعدادنا فإن المجاعة والفقر والعنف الناتج عن نقص الموارد مقارنة بأعداد السكان سوف يفعل، هنا يظهر بول إيرلش، والذي كان يعمل بالأساس في بيولوجيا الفراشات ثم حدث أن زار الهند وتفاجأ بحجم الكثافة السكانية هناك، ليقول -بينما يتجول بشكل كثيف في برامج الصباح والمساء التليفزيونية-: إن العالم لن يصمد أكثر من عقد أو اثنين في مواجهة تزايد السكان، في لحظة ما سوف يُنتزع فتيل القنبلة السكّانية وينهار كل شيء، بل وتوقّع ايرليش أن بريطانيا لن تكون موجودة بحلول العالم 2000.

  

يقول إيرلش في كتابه: "المعركة من أجل تغذية كل هؤلاء البشر قد انتهت، في السبعينيات سيجوع مئات الملايين من البشر حتّى الموت على الرغم من أية برامج تنموية". والمشكلة هي أن الجميع ـ وقتهاـ تصوّر أننا بالفعل في أزمة سكّانية، لذلك كانت اقتراحات ايرلش بسيطة لكنها صارمة، تضمنت الإجبار القانوني إذا لم ينصَع المواطنون لسياسات تقليل عدد السكّان، وعقاب أي من الهيئات أو الشركات أو الأفراد المروجة ضد وسائل تقليص عدد السكان أو رفع عدد الأطفال في العائلة الواحدة، مع إعطاء جوائز مالية لحالات الزواج التي قررت ألا تنجب، وفرض ضرائب على تلك الأخرى التي أنجبت أعداد أكبر مما يحددها القانون، وصل الأمر لمقترحات بوضع مواد كيميائية في المياه تقلل من خصوبة الأفراد!

 

   

  

انتشرت أفكار ايرليش خارج الولايات المتحدة لكل مكان في العالم تقريبًا، في تلك الفترة قامت الهند بحملات تعقيم(10) شملت النساء بعدد أكبر من الرجال، نتحدث هنا عن ملايين الحالات، معظمها كان قرارًا إجباريًّا، والبقية بسبب وعود الدولة بالمال والمنزل والأرض لمن يقرر خوض التجربة، في بنجلاديش(11) وصلت حالات التعقيم إلى 50 ألف في الشهر، أما في الصين(12) فقد انطلقت سياسة الطفل الواحد والتي تحظر بالقانون أن تنجب المرأة أكثر من طفل واحد، كانت تلك القوانين صارمة لدرجات أدت لانتشار الإجهاض ووأد الأطفال، خاصة في المجتمعات التي تفضل الولد على البنت.

 

في الصين مثلًا، أمكن إرجاع 50 مليون حالة فقد للفتيات لحالات الوأد، في نفس الوقت الذي تطورت فيه مشكلة جديدة تتعلق بالفارق بين أعداد الرجال للنساء، فأصبح(13،14،15) هناك 100 امرأة لكل 117 رجل، ما سوف يتسبب في فارق إضافي قدره 30 مليون رجل ليست هناك نساء في مقابلهم، ما قد يؤثر بشدة في البنية الاجتماعية للبلاد، كذلك ظهرت مشكلة جديدة تسمى (4،2،1)، ذلك لأن القانون الصيني يفرض على الفرد رعاية والديه وجدوده، ما يعني أن طفلًا واحدًا لأسرة ما حينما يكبر سيكون عليه رعاية أبوين، وأربعة جدود (اثنين لكل من والديه) ما يحمل الكثير من التكاليف، يُحتمل أن تصل نسبة كبار السن في البلاد من 12% للعام 2013 إلى 34% بالعام 2050.

 

7.6 مليار خطأ!

حسنًا، لنستنشق بعض الأنفاس الهادئة، ثم نقوم بقفزة زمنية إلى العالم المعاصر، ها نحن أولاء في العام 2018، مع 7.6 مليار شخص(16) على سطح الكوكب، لم يكن مالتوث أو ايرلش أو أي من المنظرين للتوجه المالتوثي أن يتصوروا بأية حال أن نصل إلى هذا الحد أو إلى هذا العام، لقد كانوا جميعًا على خطأ، تزايدت أعداد السكان وتخطت كل التوقعات، ولم نقع أسرى للجوع،[1]  بل على العكس تمامًا، نحن نقوم بتوزيع الطعام على الفقراء في الأعياد، وأصبح المرض المميز لعالمنا المعاصر هو "السمنة"!، عدد الجوعى اليوم هو 800 مليون شخص، إنه رقم ضخم، لكنه الأقل في تاريخنا بالنسبة لعدد السكّان، في تلك النقطة ربما قد تتساءل عن السبب في ذلك، ما الخطأ الذي وقع فيه كل من مالتوث وايرلش؟

 

يقول رونالد بايلي في كتابه "نهاية العذاب القادم The end of doom": إنه "لا يمكن لهؤلاء التخلي عن فكرة بسيطة، ولكنها خاطئة بشكل واضح، مفادها أن البشر لا يختلفون عن قطيع الغزلان عندما يتعلق الأمر بالتناسل"، في الحقيقة يجمع ذلك الاقتباس البسيط كل أسباب هذا الخطأ، لقد كان مالتوث ينظر إلى الأرانب حينما تصور أننا حتمًا سوف ندخل إلى (دورة البؤس)، حينما تضع مجموعة من الأرانب في أرض زراعية محدودة الإنتاج فإن معدلات الإنجاب المتسارعة مقارنة بإنتاج الأرض سوف يتقاطعا لا محالة، لكن مالتوث لم يكن يعرف تلك الحقيقة البسيطة والرائعة التي تقول: إننا لسنا بأرانب، لكن .. لماذا لسنا بأرانب؟

   

نورمان بورلوج (رويترز)

   

بسبب هذا الرجل: "نورمان بورلوج(17) Norman Borlaug"، المهندس الزراعي والبروفيسير الأمريكي والحاصل على جائزة نوبل للسلام سنة 1970، بورلوج هو أبو الثورة الخضراء الذي تمكن بذكاء شديد في ستينيات القرن الماضي من تحقيق اكتشاف خطير يقول: إن إنتاج نوعيات من القمح بساق أقصر سوف يوفر الطاقة التي تُستغل في إنتاج سنابل أكبر، استطاع بورلوج إنتاج أنواع من القمح تتمكن، في أكثر الحالات المناخية قسوة، من أن تعطي أربعة مرات ضعف الإنتاج المعتاد.

  

انتشرت فكرة بورلوج كالنار في الهشيم، في كل دول العالم تقريبًا، في الهند مثلًا، ومع ازدياد أعداد السكان، تبنت الحكومة الهندية فكرة بورلوج، وبجانب التيكنولوجيا الجديدة تدخلت عوامل أخرى تضمنت استثمار أكبر في قطاع الزراعة وأسواقها مع إعطاء نسبة ربح أكبر للفلاحين، وخلال عقد إلى عقد ونصف قضت الهند تمامًا على احتياجها للقمح، وانتقلت لتصديره، حتّى إن الحكومة الهندية أصدرت في العام 1968 طوابع بريدية جديدة، مرسوم عليها الفارق في إنتاجه بين عامي 1951 و1968، احتفالًا بثورة القمح، لكن تأمل معي قليلًا هذا التاريخ، إنه نفس العام الذي أصدر فيه ايرليش كتابه "قنبلة السكّان"، والذي قال فيه: إن الهند لن تتمكن من أن تغذي نفسها بأية طريقة ممكنة، بسبب هذا التزايد المطرد في أعداد سكّانها.

 

في الثمانينات من القرن الفائت كان بول إيرلش لازال مؤمنًا بفكرته، هنا تحدّاه أستاذ إدارة الأعمال من جامعة ميرلاند "جوليان سايمون Julian Simon" أن يدخل في رهان(18) بسيط، يقتضي الرهان أن يجمع ايرليش في سلّة صغيرة ما يحب من المواد الخام ثم ينتظر لعشر سنوات كي يرى إن كانت أسعارها قد ارتفعت أم انخفضت، حسب ايرلش من المفترض أن ترتفع أسعار تلك المواد، لأن معدل النمو السكّاني أكبر من معدلات إنتاجها. قبِل ايرليش بالرهان، واختار النيكل، الكروم، القصدير، التنجستن، والنحاس، لكنه خسره، وكان على خطأ لمرات لم نعد نعرف عددها، انخفضت أسعار تلك المواد الخام بعد عشرة سنوات في أكتوبر 1990.

   

نورمان بورلوج هو نموذج للفكرة التي لم يدركها كل من ثانوس، أو مالتوث، أو ايرليش، وهي أن طبيعة الاقتصاد ليست لعبة صفرية النتيجة(19) Zero-Sum Game  تقول: إنه إذا كان هناك ناجح بخمس نقاط إضافية فلابد أن يكون هناك خاسر لخمس نقاط، فتكون النتيجة دائمًا صفر. فعلى الرغم من أن الموارد قد تكون محدودة، إلا أن حدها الرئيس ليس في كميتها بقدر ما هو في قدرتنا -نحن البشر- على الإبداع في استخدامها، قدرتنا على الاختراع، ابتكار أفكار جديدة للتعامل مع مواردنا تفتح الباب للمزيد من التقدم والرخاء للبشر، كلما ازداد تعمّقنا بالعلوم والتكنولوجيا، وكلما ازداد تواصلنا معًا، أصبحنا أكثر إنتاجًا لأفكار جديدة ثورية، كابتكار بورلوج. كل شخص إضافي في هذا العالم، إذن، ليس فقط وِحدة صمّاء ذات فم يحتاج للطعام والشراب، لكنها أيضًا عقل يمكن أن يفكر.

    

من جهة أخرى فإن مالتوث قد تصور أن أعداد السكان سوف تزيد كلما ازدادت الموارد، لكننا لا نرى ذلك واضحًا في الدول المتقدمة، بالعكس تمامًا(20)، كلما ازداد تقدم الدولة وارتفعت مستويات معيشة ساكنيها انخفضت المعدلات الإنجابية بها، في الحقيقة فإن أعداد السكان في العالم، بعيدًا عن خط سير نمو الموارد الطبيعية، يتخذ توجهًا للثبات، بداية من منتصف القرن الفائت بدأت معدلات ازدياد السكان في التناقص من 2% تقريبًا سنويًا وصولًا إلى 1.09% سنويًا للعام 2018، نتوقع أنه بحلول العام 2050 سوف نصل إلى مرحلة الثبات، عندها سيصل عدد السكان إلى حوالي 10 مليار شخص ويتصور البعض أنه لن يصل إلى 12 مليار أبدًا (إلا ربما لو قررنا الذهاب لاحتلال المريخ).

  

  

تشير الملاحظة الهامة الأخيرة إلى أن حل مشكلة الزيادة السكانية ربما ليس بإجبار الناس على إنجاب عدد أقل من الأطفال، لقد أظهرت سياسات التعقيم الإجباري عدم جدوى هذه التجربة، لكن الحل الرئيس كما يبدو -بحد تعبير مايكل شريمر(21)- هو رفع الفقر من خلال التأسيس لحكم ديمقراطي، وتجارة حرة، وتأمين الوصول إلى وسائل منع حمل آمنة، وتعليم المرأة وتمكينها اقتصاديًا، هؤلاء الذين يروّجون للفكرة القاتلة القائمة على أن "الناس هم السبب" كانوا دائمًا مخطئين في تصوراتهم، أو ربما قرروا فقط اختيار أساليب تعامل تثبّت وجود الاستبداد أينما حل عبر إلقاء التهمة على الشعوب. إن ما نعرفه، وتؤكده البيانات الاقتصادية، هو أنه حينما جاءت الثورة الخضراء كانت الدول الأكثر نموًا هي(22) الأكثر فقرًا والأكثر اكتظاظًا بالسكّان.

 

هل يموت البعض لتعيش البقية؟

  

قبل عدة أعوام اعتمدت(23) إدارة الأغذية والأدوية FDA نوعًا جديدًا من الأسماك للاستهلاك الآدمي، حيث كان العلماء قد نجحوا في تعديل جينات أحد "السلمون الأطلسي" عبر تقنية "كريسبر CRISPER" للتحرير الجيني. الإنتاج الجديد كان سمكة أكبر في الحجم بفارق واضح، وتصل إلى حجم التسويق أسرع بمرتين من السمكة الطبيعية الأصغر حجمًا، يستهلك السمك الجديد غذاء أقل ويمكن تربيته في مزارع بجوار المدن التي تحتاجه فنوفر تكاليف النقل، هذه فقط هي عيّنة مما يمكن أن تساعدنا التيكنولوجيا على تحقيقه من تقدم، ثورة كريسبر تفتح أبوابًا جديدة يومًا بعد يوم، وتتدخل في كل شيء بداية من الطعام وصولًا إلى المرض، قد تكون تلك هي الثورة الخضراء القادمة.

 

لم يكن أحد ليتصور يومًا ما، على سبيل المثال، أن نعالج البكتيريا عبر المضادات الحيوية، شلل الأطفال، جنون البقر، الجدري، الملاريا.. Yلخ. في كتابه "هل انتصرت البكتيريا؟" يسأل "هيو بننجتون" أستاذ علم البكتيريا في جامعة إبردين قائلًا: لماذا تبقى المخاوف تحاصرنا رغم أن تاريخنا مع المرض هو رحلة انتصار لا هزيمة؟ لماذا تنتشر وتلقى كل هذا القبول؟ .. لا نعرف السبب تحديدًا، لكن نتصور أن المخاوف بضاعة رائجة، والحديث عنها يجلب الكثير من الجمهور وبالتالي الكثير من الشهرة للمتحدث، لهذا السبب ربما تجد أن البعض قد يتجاهل الآراء العلمية التي تفتح أبواب التفاؤل العملي المبني على دلائل تجريبية في مقابل الترويج للبؤس، لا نقول: إنه لا توجد مخاطر جمة معاصرة تواجه عالمنا، ولكن نقول: إن البعض يروج للجانب المظلم فقط. نعم، قد يكون هذا صحيحًا، البؤس للأسف بيّاع جيد، بالضبط كما أن نظرية المؤامرة وأكاذيب العلم الزائف والأخبار الكاذبة تلقى اهتمامًا واسعًا من الجمهور.

 

في السنوات الفائتة (24) عادت الادعاءات المالتوثية لأرض النقاش من جديد، وهي تفعل ذلك دائمًا كلّما كانت مجتمعاتنا البشرية أكثر هشاشة، وأقل إيمانًا بالإنسان. استغل مروجوها أزمات التغير المناخي والفوضى الاقتصادية التي بدأت في العام 2008، والتي هي بالفعل مشكلات خطيرة تستحق الدراسة والاهتمام. لكن تلك الفكرة جاءت لتغذي بعض العقول الخائفة من عالم ال ١٠ مليار إنسان بنفس التوقعات الخاطئة ونفس الحلول الكارثية.

   

ورغم أن تاريخنا مع الغذاء قد أثبت خطأ تلك الفكرة، إلا أنها رغم ذلك تلقى قبول الكثيرين، خاصة وأن العالم بفترة يأس، وهو يأس للدرجة التي تمنعنا من رؤية ما أحرزناه من تقدم خلال ثلاثمائة ألف سنة مضت من تاريخنا على الأرض، في ظل تلك الحالة من البؤس يفقد البشر إيمانهم بإنسانيتهم، ما قد يسمح من جديد بمرور القناعة الأكثر خطورة في تاريخ البشر، تلك التي طالما استخدمها المستبدون لتبرير القتل تحت اسم العدل، ولتبرير التعذيب تحت اسم الخير الأكبر، تلك التي تقول: "لا مشكلة من موت البعض، لكي تعيش البقية"!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار