انضم إلينا
اغلاق
علم الأعصاب.. هكذا يساهم التأثر العاطفي بمرضك وإرهاقك

علم الأعصاب.. هكذا يساهم التأثر العاطفي بمرضك وإرهاقك

brainpickings

موقع ثقافي
  • ض
  • ض

لقد عشت ثلاثين عاما بدون مشاكل قبل أن أتعرض لأول حالة تسمم غذائي في حياتي، وعلى الرغم من أن فرص نجاتي حملت حظا كبيرا عندما ننظر إلى المخطط الكبير للأشياء، فقد كنت ذات حظ بائس في التجربة الآنية لهذه المحنة. لقد وجدت نفسي عاجزة كلية عن ممارسة الأعمدة الرئيسية التي بُنيت عليها حياتي، إذ كنت مشوشة للغاية كي أتمكن من القراءة والكتابة، وكان جسدي في حالة شديدة من الضعف لأن أمارس التمارين أو حتى التأمل. صعّدت الإعاقة المؤقتة هجماتها على عقلي وجسدي لتصل إلى مستوى جديد من المعاناة والكرب، إنها حالة من الشعور الحاد بالضغط العصبي. وحتى عندما قدّمت لنفسي سلوانا عبر رواية فلاديمير نابوكوف المنمقة حول تعرضه للتسمم الغذائي، لم أستطع زعزعة هذه الوعكة الشديدة التي ألمَّت بي؛ وبطريقة ما، صبغ المرضُ الجسدي واقعي النفسي والعاطفي بصورة كلية.

        

   

تُعد التجربة بكل تأكيد بعيدة كل البعد عن الجوائح غير المألوفة. قبل فترة طويلة من بدء العلماء في تسليط الضوء على الكيفية التي تؤثر بها عقولنا على أجسادنا وأجسادنا على عقولنا، برز استيعاب بديهي لهذه اللغة التي تُستخدم بين الجسد والعواطف، أو المشاعر، وتخللت اللغة الاعتيادية التي نستخدمها مباشرة: إننا نستخدم عبارة "أشعر بالمرض" ببداهة مع كل من الأعراض الحسية -مثل الحمى، والإرهاق، والغثيان- ومع الضيق النفسي، الذي تنسجه عواطف على شاكلة الحزن واللامبالاة.

 

لقد عرّف الطب ما قبل الحديث في واقع الأمر هذا الرابط بين المرض والعواطف منذ آلاف السنين. استدعى قدماء أطباء الأيورفيدا في اليونان القديمة وروما والهند نظرية المزاجات الأربعة -الدم، والصفراء، والسوداء، والبلغم- في ممارساتهم الاستشفائية، معتقدين أن الاختلالات بين هذه الإفرازات الأربعة التي يفرزها الجسم سببت المرض والتي كانت نفسها نتيجة للعواطف. تُعد هذه الاعتقادات محفورة في لغتنا الحاضرة، إذ إن مصطلح "الملنخوليا" اشتق في الأساس من لفظتين يونانيتين تعني "مرارة" و"سوداء"، وإننا نعتقد أن الشخص المصاب بالملنخوليا يكون كئيبا أو يشعر بالمرارة. أما الشخص البلغمي فيكون هادئا ومسالما، فالبلغم يجعل الشخص كسولا.

 

ثم جاء الفيلسوف والرياضي الفرنسي رينيه ديكارت في القرن السابع عشر، ليحمل على عاتقه مهمة القضاء على مثل هذه الخرافات التي أثارت الحروب الدينية خلال العصر عن طريق غرس بذور العقلانية. بيد أن المبادئ الأولى التي أرست قواعد العلم الحديث -الحقيقة التي تفيد بأن الحقيقة تنبع فقط مما يمكن أن يكون متحققا تحقُّقا ظاهرا ومثبتا بدون أدنى ريبة- قطعت هذه الصلة بين الجسد المادي والعواطف. إذ إن هذه القوى الغامضة والعابرة، وهي الأساس البيولوجي الذي تبدأ للتو الأدوات الحديثة لعلوم الأعصاب في استيعابه، بدا أنها تقع في منطقة خارجة كلية عن نطاق العوالم التي يمكن دراستها عبر أدوات العقلانية.

 

ظلت الفكرة التي تقول إن عواطفنا يمكنها أن تؤثر على صحتنا البدنية من المحرمات العلمية لأكثر من ثلاثة قرون. انطلاقا لمجابهة أحد أنواع العقائد، خلق ديكارت من دون عمد عقيدة أخرى، التي نبدأ للتو في زعزعتها. فلم يتغير الحال إلا في الخمسينيات، عندما اضطلع الطبيب وعالم النفس النمساوي الكندي هانز سيلي بدوره الريادي في مفهوم الضغوط النفسية الذي نعرفه اليوم، ليلفت انتباه المجتمع العلمي إلى آثار الضغوط النفسية على الصحة البدنية وتعميم المبدأ حول العالم. (إضافة إلى تفانيه العلمي، استوعب سيلي أيضا المكوّن المميز لأي حركة ناجحة وعمل بلا كلل لإدخال الكلمة نفسها إلى قواميس العالم. والآن، أصبحت كلمة "الضغط النفسي" أو "Stress" تُنطق بالطريقة نفسها تقريبا في العدد الأكبر من اللغات الرئيسية في العالم).

     

عالم النفس النمساوي الكندي هانز سيلي (مواقع التواصل)

    

ولكن لم يفعل أي من الباحثين الكثير لإضاءة الخيوط الخفية التي تنسج الصلة بين العقل والجسد أكثر مما فعلته الطبيبة إستر ستيرنبرغ، إذ إن عملها الرائد في الصلة التي تربط بين الجهاز العصبي المركزي وبين الجهاز المناعي -والذي يستكشف كيف يمكن لجزيئات المناعة المصنوعة في الدم أن تثير وظيفة الدماغ التي تؤثر تأثيرا عميقا على عواطفنا- أحدث ثورة في استيعابنا للكائن المتكامل الذي نطلق عليه "ذاتا بشرية". ففي كتابها الكاشف للغاية "التوازن الداخلي: العلم الرابط بين الصحة والعواطف"، درست ستيرنبرغ تفاعل عواطفنا وصحتنا البدنية، بوساطة من التجربة رغم أنها تبدو ضبابية، حسبما اتضح، فإنها تجربة ملموسة بشكل ملحوظ، إنها تجربة الضغط العصبي.

 

ومع مراعاة الإنجازات التي حققها الطب الحديث في مجالات البيولوجيا الجزيئية والخلوية، التي مكّنت قياس كيفية تأثير جهازنا العصبي وهرموناتنا على قابليتنا للتأثر بالأمراض المتنوعة مثل الاكتئاب، والتهاب المفاصل، والإيدز، ومتلازمة الإرهاق المزمنة، وكتبت ستيرنبرغ:

من خلال تحليل هؤلاء الوسطاء الكيميائيين، يمكننا أن نبدأ في استيعاب الأسس البيولوجية لكيفية تأثير العواطف على المرض، تلعب نفس أجزاء الدماغ التي تتحكم في الاستجابة للضغط النفسي، دورا مهما في القابلية للتأثر ومقاومة الأمراض الالتهابية مثل التهاب المفاصل. ونظرا لأن هذه الأجزاء من المخ هي التي تلعب دورا أيضا في الاكتئاب، يمكننا البدء في استيعاب السبب الكامن في أن العديد من مرضى الأمراض الالتهابية قد يعانون أيضا من الاكتئاب في أوقات مختلفة من حياتهم… بدلا من النظر إلى النفس على أنها المصدر لمثل هذه الأمراض، إننا نكتشف أنه بينما لا تسبب المشاعر بصورة مباشرة الشفاء من المرض، فإن الآليات البيولوجية الكامنة وراءهم قد تسبب المرض أو تسهم فيه. لذا فإن عديدا من مسارات الأعصاب والجزئيات الكامنة وراء الاستجابات النفسية تكون هي ذاتها المسارات نفسها الكامنة وراء الأمراض الالتهابية، مما يجعل قابلية الإصابة بمجموعة محددة من الأمراض تسير جنبا إلى جنب مع القابلية للإصابة بمجموعة أخرى. يحتاج السؤال إلى إعادة صياغة، وبالتالي كي نسأل أي من المكونات العديدة التي تعمل معا لخلق العواطف، تؤثر أيضا على المجموعة الأخرى من الأحداث البيولوجية، والاستجابات المناعية، والتي تأتي معا لتحارب المرض أو تتسبب في حدوثه. بدلا من طرح سؤال حول ما إذا كان من الممكن أن تسبب أفكار الاكتئاب إعياء بدنيا، نحتاج إلى طرح سؤال حول ماهية الجزيئات ومسارات الأعصاب التي تسبب أفكار الاكتئاب. ثم نحتاج إلى طرح سؤال حول ما إذا كانت تؤثر على الخلايا والجزيئات التي تسبب المرض.

  

إننا نبدأ حتى في فهم كيفية وصول ذكرياتنا العاطفية إلى أجزاء الدماغ التي تتحكم في الاستجابة الهرمونية للضغط العصبي، وكيف يمكن لمثل هذه العواطف أن تؤثر في نهاية المطاف على أعمال جهاز المناعة ومن ثم تؤثر على الأمراض المتنوعة مثل التهاب المفاصل والسرطان. كما أننا نبدأ في تجميع الصورة المتعلقة بكيفية تأثير الإشارات التي يرسلها جهاز المناعة على الدماغ وعلى الاستجابات الشعورية والبدنية التي يتحكم فيها: أي الأساس الجزيئي للشعور بالمرض. وفي كل هذا، تبدأ الحدود التي تفصل بين العقل والجسد في أن تظهر مشوشة غير واضحة.

   

    

من المؤكد أن العلاقة بين الذاكرة والعاطفة والضغط العصبي ربما تشكل الجانب الأكثر إبهارا في عمل ستيرنبرغ، إذ تضع في الحسبان كيفية تعاملنا مع الدوامة المستمرة للمدخلات والمخرجات التي نشهدها كلما مضينا خلال العالم المحاصر بسيل من المحفزات والأحاسيس:

نشعر في كل دقيقة من النهار والليل بآلاف من الأحاسيس التي قد تثير لدينا عواطف إيجابية، مثل السعادة، أو سلبية، مثل الحزن، أو ألا نشعر بأي عاطفة على الإطلاق: طيف من رائحة عطر، أو لمسة ناعمة، أو ظل عابر، أو موسيقى مسموعة. ويوجد آلاف من الاستجابات الفسيولوجية، مثل خفقان القلب أو التعرق، الذي يمكن أن يصاحب كلا النوعين من العواطف، الإيجابية مثل الحب أو السلبية مثل الخوف، أو الذي يمكن أن يحدث بدون أثر عاطفي على الإطلاق. فما الذي يجعل هذه المدخلات الحسية والمخرجات الفسيولوجية من العواطف الشحنة التي تضاف إليهما بطريقة ما وفي مكان ما من أدمغتنا؟ تضم العواطف بمعناها الأوسع جميع هذه المكونات، ويمكن لكل منها أن يقود إلى صندوق أسود وينتج تجربة عاطفية ما، أو يمكن أن يقود شيء ما داخل الصندوق الأسود إلى استجابة عاطفية تبدو وكأنها جاءت من لا مكان.

  

تعتبر الذاكرة، حسبما اتضح، أحد العوامل الرئيسية التي تتوسط الحوار بين الإحساس والتجربة الشعورية، إذ تصبح ذكرياتنا النابعة من تجربة من الماضي مشفرة داخل محفزات تؤدي دورها باعتبارها محولات على قضيب الاستجابة النفسية العاطفية، لترشد القطار القادم من وراء التجربة الحاضرة نحو اتجاه وجهة عاطفية أو أخرى.

  

تواصل ستيرنبرغ: ليست الحالة المزاجية ذات طبيعة متجانسة مثل قوام حساء الكريم، بل إنها أشبه بالجبن السويسري، مليئة بالثقوب. فالمحفزات محددة للغاية، وتتعثر بالمسارات المفاجئة للذاكرة: عطر خافت، أو صوت خفيض من لحن ما، أو ظل غامض يضرب على أوتار ذكرى حزينة مدفونة بعمق ولكنها ليست ممحوّة كليا. تطفو هذه المدخلات الحسية من اللحظة عبر طبقات من الزمن في أجزاء الدماغ التي تتحكم في الذاكرة، ولا تسحب معها مذكرات الإحساس وحسب، بل وأيضا مسارات العواطف التي ارتبطت لأول مرة بالذاكرة. تصبح هذه الذكريات متصلة بالعواطف، التي تُعالج في أجزاء أخرى من العقل: اللوزة الدماغية المسؤولة عن الخوف، والنواة المتكئة المسؤولة عن السرور، وهذه بعض الأجزاء التي سماها علماء التشريح بسبب أشكالها. وتتصل هذه المراكز الدماغية العاطفية بمسارات الأعصاب إلى الأجزاء الحسية من الدماغ والفص الجبهي من قرن آمون، وهي المراكز التنسيقية للتفكير والذاكرة، يمكن أن يثير المُدخل الحسي نفسه عاطفة سلبية أو إيجابية، استنادا إلى الذكريات المتصلة به.

   

الطبيبة إستر ستيرنبرغ (مواقع التواصل)

  

يُعد هذا المكان الذي يأتي منه الضغط العصبي، إذ يشبه إلى حد كبير الذاكرة التي تتوسط كيفية تفسيرنا واستجابتنا للتجارب العديدة، وهي مجموعة معقدة من العوامل البيولوجية والفسيولوجية التي تحدد الطريقة التي نستجيب بها للضغط العصبي. يمكن لبعض أنواع الضغط العصبي أن تكون محفزة ونشطة، مما يحركنا نحو القيام بعمل ما أو نحو قوة إبداعية. فيما يمكن لأنواع أخرى أن تكون مستنزفة ومعيقة، لتتركنا محبطين ويائسين. تشير سيرنبيرغ إلى أن هذا التفرع الثنائي من الضغط العصبي الجيد والضغط العصبي السيئ تحدده الحالة البيولوجية التي تدعم مشاعرنا، ومن خلال الجرعة والمدة التي تستغرقها هرمونات الضغط العصبي التي يفرزها الجسد استجابة لمحفز الضغط العصبي. وتفسر الآلية العصبية الكامنة وراء هذه الاستجابة:

 

بمجرد أن تحدث الأحداث المسببة للضغط العصبي، وتثير معها إفرازا متتاليا من الهرمونات المهادية، والنخامية، والكظرية، التي تشكل استجابة المخ للضغط العصبي. كما تثير أيضا الغدد الكظرية لتفرز الإبينفرين أو الأدرينالين، والأعصاب العاطفية كي تفرز المادة الكيميائية المشابهة للأدرينالين، التي تسمى نورإبينفرين، في كل أنحاء الجسد: وهي الأعصاب التي تربط القلب والقناة الهضمية والبشرة. لذا فإن القلب ينقاد نحو تسريع نبضه، ويقف الشعر في جلدك، وتتعرق، وقد تشعر بالغثيان أو بالحاجة إلى التغوط. إلا أن ذلك يصاحبه شحذ انتباهك، ووضوح رؤيتك بشدة، إضافة إلى قوة متزايدة تساعدك على الجري، إذ إن نفس هذه المواد الكيميائية التي تفرزها الأعصاب تجعل الدم يتدفق إلى عضلاتك، ويجهزك للعدو السريع.

 

يحدث كل هذا بسرعة. وإذا كنت بصدد تحليل هرمونات الضغط العصبي في دمك أو لعابك، ستجد أنها بالفعل زادت خلال ثلاث دقائق من الحدث. ففي التجارب النفسية، سوف يؤدي ممارسة ألعاب الفيديو جيم السريعة إلى زيادة الكورتيزول اللعابي وتسرب النورإبينفرين إلى الدم الوريدي تقريبا بمجرد بدء المعركة الافتراضية. ولكن إذا كنت تطيل الضغط العصبي، عن طريق أن تكون غير قادر على السيطرة عليه أو عن طريق جعله قويا للغاية أو مستمرا لفترة طويلة، واستمرت هذه الهرمونات والمواد الكيميائية في مواصلة الإفراز من الأعصاب والغدد، فإن نفس الجزيئات التي تشحنك لتتحرك لمسافة قصيرة ستضعفك الآن.

 

تظهر هذه الآثار المصاحبة للضغط العصبي في هيئة منحنى جرسي، ويكون بعض منها جيدا ولكنّ كثيرا منها يصبح سيئا، ونظرا لأن جهاز الأعصاب يفرز مزيدا من هرمونات الضغط العصبي، فإن الأداء يزداد، ولكن إلى حد معين. بعد تلك النقطة التحولية، يبدأ الأداء في المعاناة لأن الهرمونات تستمر في التدفق. وما يجعل الضغط العصبي "سيئا" -أي ما يدفعها لجعلنا أكثر عرضة للإصابة بالمرض- هو التفاوت بين وتيرتي جهاز الأعصاب وجهاز المناعة. تشرح ستيرنبرغ:

 

 

يستجيب الجهاز العصبي والاستجابة الهرمونية للضغط العصبي إلى أي محفز في جزء من المللي ثانية، أو في ثوانٍ، أو دقائق. ويستغرق جهاز المناعة أجزاء من ساعات أو أيام. إذ تستغرق الخلايا المناعية أطول من دقيقتين لتحشد نفسها وتستجيب لأي من الغزاة، لذا من غير المرجح أن يحمل أي نوع من الضغط العصبي قصير العمر ويستغرق لحظات، وإن كان قويا، أي تأثير على الاستجابات المناعية. على الرغم من هذا، عندما يتحول الضغط الصعبي إلى حالة مزمنة، تبدأ الدفاعات المناعية في التدهور. وعندما تطرق محفزات الضغط العصبي، يستمر إفراز الهرمونات والمواد الكيميائية المرتبطة بالضغط العصبي. إذ إن الخلايا المناعية التي تطفو في محيط الدم، أو تمر من خلال الطحال، أو تنمو في محاضن الغدة الزعترية، لا تمتلك فرصة للاستشفاء من الاندفاع غير المنقطع للكورتيزول. ونظرا لأن الكورتيزول يغلق استجابات الخلايا المناعية، فإننا في إطار الضغط العصبي المستمر نكون أقل قدرة على الدفاع أو القتال عندما نواجه غزاة جديدين. ومن ثم فإنك عندما تتعرض للإنفلونزا، على سبيل المثال، أو أي فيروس برد شائع في الوقت الذي تعاني فيه من ضغط عصبي مزمن، فإن جهازك المناعي يكون أقل قدرة على الاستجابة وتصبح أكثر عرضة لتلك العدوى.

     

    

إن التعرض المتواصل للضغط العصبي، ولا سيما عند التعرض لمجموعة متنوعة من مسببات الضغط العصبي في الوقت نفسه -وهي أي مزيج من القائمة الوجودية الطويلة للأحداث الحياتية على شاكلة الانتقال، والطلاق، والوظيفة ذات المتطلبات الكبيرة، وفقدان أحد الأقرباء، بل وحتى الرعاية المتواصلة للأطفال- يضيف إلى حالة الإرهاق البالغ الذي يقود إلى ما نطلق عليه الإنهاك.

  

تقول ستيرنبرغ: يعتبر العاملون في مهن محددة أكثر عرضة للتعرض للإنهاك من الآخرين، إذ إن الممرضات والمعلمين، على سبيل المثال، من بين الأكثر عرضة لهذه المخاطر. تواجه هذه المهن يوميا مواقف تتطلب إيلاء الرعاية في حياتهم المهنية، وتكون في الغالب مقابل رواتب غير كافية، وبدون مساعدة كافية على أداء وظائفهم، وبكثير من المرضى أو الطلاب تحت مسؤوليتهم. تبدأ بعض الدراسات في توضيح أن العديد من مرضى الإنهاك قد لا يعانون من إنهاك نفسي وحسب، بل وأيضا يعانون من إنهاك فسيولوجي: انسحاق استجابة الكورتيزول أو عدم القدرة على الاستجابة لأي ضغط عصبي وحتى مع اندفاع بسيط من الكورتيزول. بعبارة أخرى، يمكن أن يؤدي الضغط العصبي المزمن الشديد إلى تغيير الاستجابة ذاتها في مواجهة للضغط العصبي. كما يمكن أيضا أن تغير الأجهزة الهرمونية الأخرى في الجسم.

   

يعد أكثر التأثيرات العميقة لمثل هذه التغيرات، تأثيرها على الجهاز التناسلي، إذ إن الفترات الطويلة التي يتعرض فيها المرء للضغط العصبي تغلق إفراز الهرمونات التناسلية لدى الرجال والنساء مما ينتج عنه انخفاض الخصوبة. إلا أن الآثار تكون محفوفة بمخاطر خاصة لدى النساء، فالفترات الممتدة والمتناوبة من الاكتئاب ينتج عنها تغيرات دائمة في بنية العظام، وارتفاع مخاطر الإصابة بهشاشة العظام. بعبارة أخرى، إننا نسجل الضغط العصبي حرفيا في عظامنا.

 

لكن الضغط العصبي لا يشكل وظيفة سببية مباشرة للحالة التي ندخل فيها؛ نظرا لأن ما يضخم من تجربة الضغط العصبي التي نواجهها أو يقلل منها هو، مرة أخرى، الذاكرة. تكتب ستيرنبرغ:

 

إن إدراكنا للضغط العصبي، ومن ثم استجابتنا له، يتغير باستمرار استنادا إلى مجموعة كبيرة من الظروف والأطر التي نجد أنفسنا داخلها. يعتمد هذا على التجارب السابقة والمعرفة، كما يعتمد أيضا على الأحداث الواقعية التي تحدث. وتعتمد على الذاكرة أيضا.

   

    

لا شك أن أخطر المظاهر التي تتعلق بكيفية تنظيم الذاكرة للضغط العصبي هو اضطراب ما بعد الصدمة. وعلى صعيد الأدلة الصاعقة المتعلقة بكيفية تشفير الذاكرة لتجربة الماضي إلى داخل المحفزات، التي تحفز فيما بعد التجربة الحاضرة، تشير ستيرنبرغ إلى بحث أجرته عالمة النفس رايتشل يهودا، التي وجدت أن كلًّا من الناجين من الهولوكوست وأقربائهم من الدرجة الأولى -أي الأطفال والأشقاء- أبدوا استجابة هرمونية للضغط العصبي مشابهة.

 

تشير ستيرنبرغ إلى أن هذا قد يكون مزيجا من الطبيعة والتنشئة، فالناجون، مثل الآباء الصغار الذين لا تزال الصدمة لديهم جديدة، قد يكونوا علموا أطفالهم بطريقة لاشعورية نمطا شائعا من الاستجابة للضغط العصبي. ولكن من الممكن أيضا أن تكون هذه الاستجابات الهرمونية الأوتوماتيكية قد غيرت للأبد الحالة البيولوجية للآباء وكانت تُنقل عبر الحمض النووي إلى أطفالهم. ومرة أخرى، تشفر الذاكرة الضغط العصبي إلى داخل أجسادنا مباشرة. تضع ستيرنبرغ الآثار الأوسع نطاقا في عين الاعتبار:

لا يحتاج الضغط العصبي إلى أن يكون مشابها للحرب أو الاغتصاب أو الهولوكوست كي يثير على الأقل عناصر اضطراب ما بعد الصدمة، فالضغوطات العصبية الشائعة التي نواجهها جميعا قادرة على إثارة الذاكرة الشعورية لأي ظرف عصيب، وجميع الاستجابات الفسيولوجية المصاحبة له. يمكن أن يؤدي الضغط العصبي المستمر -مثل الطلاق، أو بيئة العمل العدائية، أو نهاية علاقة ما، أو موت أحد الأقرباء- إلى أن يثير عناصر اضطراب ما بعد الصدمة.

     

   

ومن بين المسببات الرئيسية للضغط العصبي -التي تتضمن الأحداث الحياتية التي يتوقع أن تضمها القائمة، مثل الطلاق وموت الأقرباء- يوجد موقف غير متوقع إلى حد ما، وعلى الأقل للذين لم يتعرضوا له: إنه الانتقال. تضع ستيرنبرغ في الحسبان القواسم المشتركة بين شيء مدمر مثل الموت وشيء عادي مثل الانتقال وتقول:

 

أحدهما يُشكّل فقدا حقيقيا، وهو فقدان أحد الأشخاص المألوفين أو أحد الأشياء المألوفة. أما الشيء الثاني فإنه تجديدي، وهو أن يجد المرء نفسه في مكان جديد وغير مألوف بسبب الفقد. وكلاهما يشبهان تأثير التغيير: الانتقال من شيء يعرفه المرء إلى شيء لا يعرفه. تشكل أي بيئة غير مألوفة مسببا عالميا للضغط العصبي لجميع الأجناس تقريبا، بغض النظر عن مدى تطورها أو عدم تطورها.

  

وفيما تبقى من الإضاءة الدقيقة التي يبعثها كتاب "التوازن الداخلي"، تذهب ستيرنبرغ لاستكشاف دور العلاقات الشخصية في كلٍّ من الإسهام في الضغط العصبي ووقايتنا منه، وكيف يغير النظام المناعي من حالاتنا المزاجية، وماذا يمكننا أن نفعله للسيطرة على البصائر العصبية من أجل تخفيف التجارب التي نتعرض فيها لمسببات الضغط العصبي التي تتناثر حول حياة كل إنسان. 

    

_________________________________________

ترجمة: فريق الترجمة

هذا التقرير مترجم عن: brainpickings ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار