اغلاق
آخر تحديث: 2018/10/2 الساعة 12:30 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/23 هـ

انضم إلينا
حاز على نوبل للطب.. البشرية تكتشف علاجا للسرطان!

حاز على نوبل للطب.. البشرية تكتشف علاجا للسرطان!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

في إحدى الليالي الشتوية الباردة -نحن الآن في العام 1891- ترقد بيسي داشيل، وهي سيدة هادئة الطباع تحرص دائمًا على أن تكون أنيقة المظهر، على الفراش لتلفظ أنفاسها الأخيرة بعد حديث متقطع مع طبيبها الدكتور ويليام برادلي كولي(1)، وهو جرّاح عظام شهير كان قد حاول جاهدًا خلال الشهور الطويلة الفائتة أن يجد علاجًا لتلك المشكلة المرعبة الخاصة بها، لكنه لم يستطع. رحلت داشيل في سلام بعد صراع مرير مع أحد أكثر الأمراض قسوة، لكن في تلك الليلة تحديدًا خرج كولي من المنزل وقد قرر أن يترك جراحة العظام جانبًا ويستكمل الرحلة بالكامل لفهم هذا الوحش القاتل، السرطان.

 

انطلق السيد كولي -كخطوة أولى- إلى سجلات المرضى بالسرطان في المستشفيات الرئيسية بحثًا عن أية حالة كانت قد تمكنت من أن تُفلت منه، وكانت أوّل ملاحظاته هو أحد المرضى من مدينة مانهاتن والذي شفي من السرطان بعد أن التقط عدوى بكتيرية على إثر عملية جراحية، هنا سافر صديقنا الباحث عن الحقيقة ليلتقي بالرجل ويتأكد من أنه حي ويعيش حياة جيدة، وقد فعل. في تلك النقطة توصّل كولي إلى فكرة غريبة تقول إن الإصابة البكتيرية ربما تحفز الجهاز المناعي الخاص بنا، فيقوم الأخير بالهجوم على السرطان وقتله، كانت خطوة كولي القادمة هي -ببساطة- أن يقوم عمدًا بحقن مرضى السرطان بالبكتيريا، ونجح في بعض المحاولات، لكنه فشل في أخرى أكثر عددًا، ما أطاح بتلك الخطة العلاجية.

 

لكن على الرغم من ذلك الفشل، فإن ما قدمه كولي للعالم يعد نقطة انطلاق لما حدث بالأمس، وهو إعلان حصول(2) كل من الدكتور جيمس أليسون James P. Allison من مركز أندرسون لعلاج السرطان بجامعة تكساس، والدكتور تاسوكو هونجي Tasuku Honjo من جامعة كيوتو اليابانية، مناصفًة، على جائزة نوبل للطب والفيسيولوجيا في العام 2018، عن إنجازاتهما في العلاج المناعي للسرطان، حيث تمكن كلٌ منهما، بشكل منفصل ومختلف، من إيجاد طريقة لرفع قدرة الجهاز المناعي الخاص بنا على مهاجمة الخلايا السرطانية ما أحدث ثورة في عالم السرطان وعلاجه، تكلل تلك الجائزة مسيرة تقترب من 150 سنة، بداية من برادلي كولي إلى الثنائي الفائز.

 

يظهر على الشاشة:  د. جيمس أليسون (يمين) ود. تاسوكو هونجي (يسار) (رويترز)

    

كيف دخلت أجسامنا إلى الحرب؟

لتحقيق فهم أفضل لتلك الفكرة التي تبدو للوهلة الأولى غير مقبولة، وكانت بالفعل كذلك على مدى زمني واسع، دعنا نبدأ بالكيفية التي يتمكن بها جسمنا من محاربة الأمراض، في اللحظة التي تقرأ فيها هذا الكلام فإن هناك الملايين من الكائنات الحية، تتضمن البكتيريا والفيروسات والفطريات، تحاول أن تسكن جسدك وتتغذى على ما فيه خيرات، لهذا السبب طوّرت أجسادنا جيش كامل من الخلايا الخاصة متنوعة الأشكال والوظائف لكي تصد هذا الهجوم، لكن هذه الحرب الضروس لا تبدأ إلا بعد خطوة أولى استخباراتية هامة، وهي التعرّف على الجسم الغريب.

 

في الحقيقة تمتلك أجسامنا قدرة غاية في البراعة على التمييز بين ما هو تابع لنا (أنا Self) وما هو غير تابع لنا (لست أنا Non-Self) من الخلايا، الفيروس مثلا أو تلك البكتيريا التي تسبب مرضًا جلديًا ما ليست تابعة لنا، إذن فليبدأ الجهاز المناعي بالهجوم. تلك المهمة الاستخباراتية يقوم بها نوع من خلايا الدم البيضاء المناعية يسمى بـ "الخلايا التائية"(3) (T-Cells)، وهي تفعل ذلك ببراعة شديدة، لنتخيل مثلًا أن فيروسًا ما قد دخل حالًا إلى إحدى خلاياك، وبدأ بعد ذلك باحتلالها عبر نفث مادته النووية بها، ما سوف يغير بدوره من البيئة الداخلية للخلية، حينما يحدث ذلك فإن بعض الأنواع من المستقبلات المتواجدة على سطح تلك الخلية يُغيّر بالتبعية ما يمتلكه من معلومات عن الداخل.

   

في تلك النقطة تظهر الخلايا التائية، والتي تدور في الدم باستمرار وتستخدم تقنية يمكن أن نشبهها – بتبسيط شديد قد لا يفي الفكرة معناها – بجهاز الباركود القارئ للسلع في المركز التجاري، والذي يمر ليقرأ تلك المستقبلات المتواجدة على سطح الخلايا. كل خلية سليمة تعطي كود محدد يدفع الاستخبارات التائية لإعطاء ضوء أخضر وتمريرها بأمان، فهي تابعة لنا، لكن حينما تمر تلك الخلايا المصابة على جهاز الباركود التائي فإن إنذارًا بضوء أحمر ينطلق قائلًا: "هذه الخلية ليست تابعة لنا، تحتوي على جسم غريب"، هنا تبدأ الحرب المناعية، والتي تتضمن هجوم مضاد على تلك الخلية المصابة يتسبب في موتها، ثم بعد ذلك تنسخ الخلايا التائية أرشيف تلك الحرب لكي تتجهز لأي هجوم قادم من نفس النوع.

   

لهذا السبب كانت تلك العلاقة الكيميائية، المستقبل الخلوي والباركود القارئ، محل اهتمام شديد في الوسط البحثي تسبب بدوره في عدة جوائز نوبل سابقة، لكن الفكرة الرئيسية تقول إن لتلك الخلايا التائية جهازان تنظيميان، أي: بروتينان موجودان على سطحها، ينشّط الأول الخلية التائية للتدخل بهجوم ساحق، لكن الآخر يمثل دور المكابح الخاصة بالسيارة، فهو يمنعها من الهجوم على الخلايا، تلك الآلية هي ما ينظم عمل الخلايا التائية، وبين تنشيط وتثبيط يقف الجسم عند حد فاصل بين إيذاء الذات وايذاء الخلايا الغريبة.

   

أجسامنا كسلاح ضد السرطان

     

الأمر بالطبع ليس بهذه البساطة، لكن الفكرة العامة واحدة، في تلك المرحلة ربما قد تبدأ بالتساؤل عن السرطان، وهنا دعنا نرجع إلى التشبيهات من جديد، الخلايا السرطانية هي لا شك حرب ضد الجسم، تحاول الانتشار والتكاثر والتفرع والسيطرة على محيطها، السبب في ذلك سوف نتحدث عنه بعد قليل، لكن ما نحتاج لفت الإنتباه إليه هنا هو أن الكثير من تلك الجنود السرطانية تتمكن، بطريقة ما، من ارتداء أقنعة ذكية تمنع الخلايا التائية من التعرف عليها، حيث يمر الباركود التائي على الخلية السرطانية، فيعطيها إشارة خضراء، لتمر بسلام.

 

في تلك النقطة تحديدًا يتدخل الرابح الأول(4) لجائزة نوبل، حيث تمكن، في التسعينات من القرن الماضي، من اكتشاف أنه يمكن لنا – في المختبر - تطوير جسم مضاد لأحد البروتينات الموجودة على سطح الخلية التائية، تلك التي تعمل بمهمة "المكابح"، ويدعى CTLA-4، حينما نقوم بإدخال هذا الجسم المضاد إلى الجسم فإنه لا يمنع الخلايا التائية من تنفيذ هجوم على الخلايا السرطانية، بمعنى آخر، يدفع الخلايا التائية لإعطاء انذار أحمر اللون حتّى مع الخلايا السرطانية. نجحت التجارب الأولى على الحيوانات، والبشر بعد ذلك، وصولًا إلى العام 2010، حينما أظهرت دراسة سريرية مهمة آثارًا مذهلة في المرضى المصابين بسرطان الجلد المتقدم، وفي مجموعة منهم اختفت علامات السرطان المتبقي. مثل هذه النتائج لم يسبق رؤيتها من قبل.

 

في الجهة الأخرى من العالم كان هونجي يفعل نفس الشيء(5)، لكن مع بروتين آخر يتواجد على سطح الخلية التائية ويسمى PD-1، وتمكن مع فريق عمله من إنجاز مجموعة تجارب أولية ناجحة جدًا، خاصة أن الأعراض المناعية كانت أقل أثرًا من رفيقه الأمريكي، في عام 2012 أظهرت دراسة رئيسية هامة فعالية واضحة في علاج المرضى الذين يعانون من أنواع مختلفة من السرطان. كانت النتائج مثيرة للانتباه، بسبب طول الفترة قبل ارتداد السرطان مرة أخرى أو عدم ارتداده على الأطلاق، كذلك كانت النتائج رائعة في حالة المرضى الذين يعانون من سرطان النقيلي(6) Metastatic Cancer (عملية انتقال الخلايا السرطانية من عضو إلى آخر) وهي حالة كانت تعتبر سابقا غير قابلة للعلاج بشكل أساسي.

   

من اليسار لليمين، خلال أربعة أشهر فقط من العلاج بمضادات pd-1 انتهى السرطان في حالات سرطان الرئة. (مواقع التواصل)

     

خلال الأعوام الثمانية السابقة ظهرت العديد من الأدية الجديدة التي تختص بعلاج بعض أنواع السرطانات مناعيًا، لكن الملفت للانتباه كان دائمًا نسب نجاح عملية الدمج بين العلاجين، فنحن نعرف أن كل منهما يلعب بآلية مختلفة تمامًا عن غيره، بالتالي فإن دمجهما معًا يحفز الهجوم على الخلايا السرطانية بصورة أفضل، لفهم ذلك يمكن لنا تخيل أن الـ CLTA-4 مثلًا هو "مكبح القدم" وقد تم ايقافه، أما PD-1 فهو "مكبح اليد" وقد تم إيقافه هو الآخر، ما يدفع الهجوم على السرطان إلى أقصاه، فإذا نجح العلاج(7) المعتمد على عمل أليسون بنسبة 37%، والآخر الذي طوره تاسوكو بنسبة 56%، فإن استخدام دواء يجمعهما معًا قد أعطى نسبة نجاح 68%، وتلك هي نسب عظيمة مع حالات كانت يومًا ما بلا علاج.

 

هل هي حرب ضد الجسم أيضًا؟

في الحقيقة كانت نوايا أليسون الأولى خروجًا عن السرب، وذلك لأن محاولات علاج السرطان مناعيًا ليست جديدة، فعلى مدى أكثر من 70 سنة حاول الباحثون أن يستخدموا مناعة الجسم الخاصة للهجوم على السرطان، لكن معظم التجارب في هذا المجال لم تفلح، وفي مرحلة ما كان الحديث عن العلاج المناعي للسرطان هو أقرب ما يكون لعلم زائف، لهذا السبب توجهت النشاطات البحثية المتعلقة بهذا البروتين CTLA-4 إلى ابتكار أدوية تتعلق بأمراض مناعية.

 

في احدى محاضراته بجامعة باركلي(7) يقول أليسون "كانت فكرة غريبة حقًا، لكن بدا أنها تستحق"، وهو يستحق فعلًا، حيث إن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تجعل من العلاج المناعي فرصة ذهبية لمرضى السرطان، الأول هو ميل هذا النوع من العلاج للعمل على الخلايا السرطانية فقط، في الحقيقة ربما كان هذا السؤال تحديدًا هو ما يدور ببالك خلال حديثنا السابق، فربما تقول في نفسك: "إذا كنّا سنعطل مكابح الخلايا التائية فإنها ستنطلق في كل الجسم لتقتل الخلايا السرطانية والخلايا العادية كذلك، حيث إننا أتلفنا عملية التنظيم التي تحدثنا عنها منذ قليل.

 

لكن ذلك ليس حقيقيًا بالمعنى المفهوم، وهذا لأن هناك كم متزايد من البيانات البحثية(8) والتي تشير إلى أن الجهاز المناعي، بعد أن نقفل مكابحه، يمكن أن يخصص جزء رئيس من اهتمامه للعمل على الخلايا الناتجة من عدم الثبات الجيني، بمعنى أوضح: لأن السرطان - في جذوره - ناتج بالأساس من عملية طفرات غير طبيعية، ويستمر في أثناء تطوره في إحداث طفرات جينية، فإن الجهاز المناعي يشتبه فيها وينتبه لها بشكل أكبر من غيرها، ما يجعل هجومه مخصص للسرطان بميل كبير، لكن ذلك لم يمنع هجوم مواز على خلايا الجسم ما قد يتسبب في بعض الأعراض الجانبية تتعلق بالتهابات في الرئة والقولون، وقصور في وظائف الغدة الكظرية، ومشكلات تتعلق بالغدة النخامية.

   

    

لكن مع الميل الأكبر للهجوم على الخلايا السرطانية كانت النتائج مبشرة للغاية، خاصة وأن هذا النوع من العلاج يمتلك ميزة ثانية غاية في الأهمية، وهي الذاكرة، لقد تعلمنا قبل قليل أن خلايا الجهاز المناعي تتذكر الخلايا التي تهاجمها وتجمع معلوماتها وتحفظ لها فرقة مضادة جاهزة لاستقبالها في أي وقت، ما يعني فرصة أفضل لعلاج السرطان حينما يرتد للمريض مرة أخرى، كانت تلك هي أحد أهم نتائج العلاج الجديد في حالات كثيرة، أما الميزة الثالثة للعلاج المناعي فهي القدرة الأكبر على التكيف مع التعقدات المستقبلية للحالة.

 

لماذا لا نعالج السرطان للأبد ونمضي؟

لكن، في تلك المرحلة لابد وأنك تتساءل الآن عن كل ذلك التعقيد، فتقول مثلًا إن تلك النسبة السابقة في نجاح العلاج الذي قدمه أليسون (37%) هي نسبة غير كبيرة لهذا الاحتفاء الشديد، لماذا -هكذا يسأل الكثيرون- لا نعالج السرطان؟ لماذا هو عصي إلى هذا الحد رغم كل هذا البحث على مدى عشرات السنين؟ ألا يمكن -وفقط- أن نجد علاجًا واحدًا ينهي الأمر؟ في الحقيقة إن تساؤلاتك تلك قد تكون منطقية حينما ننظر للسرطان كمرض واحد، وبالطبع يتصور معظم الناس أنه كذلك فهو ذا أسم واحد "السرطان Cancer"، كما أن الالتهاب الرئوي أو الدرن أو الملاريا لها أسم واحد، أليس السرطان إذن مرض واحد؟

 

هو ليس كذلك، في الحقيقة فإن المشكلة تبدأ في الأساس بأن نتحدث عن "علاج" واحد للسرطان، وذلك لأن أنواع السرطان لا تعمل بطريقة واحدة، بالطبع فإن الجذر الرئيس للسرطان هو تعطل تلك الخاصية الخلوية التي تدعى "موت الخلية المبرمج(9) Apoptosis" عن العمل –لسبب جيني كما نتصور- فتبدأ الخلايا بالنمو في صورة مضطردة، لكن السرطان قد يتطور بصور مختلفة وفي أنسجة مختلفة ما يجعل كل نوع من أنواعه هو مرض بعينه، بالتالي فإن هناك حاجة للبحث عن علاج لكل من تلك الأمراض، "السرطان" إذن هو تعريف لمجموعة كاملة من الأمراض تتفرع وتتعقد وتتطور بشدة.

 

أضف لذلك أن تلك الطفرات التي تسبب السرطان بالأساس لا تحدث بنفس النمط في كل مرة، وكلما تطور الورم السرطاني أكثر فأكثر تحدث طفرات جديدة تختلف من سرطان لآخر، ومن حالة لأخرى، ما يرفع بدوره من عدد الاحتمالات التي تجمع تلك الطفرات معًا وهو ما يعقد الحالة الواحدة بشدة فتصبح مع الزمن والتطور غير قابلة للعلاج في بعض الأحيان، لهذا السبب قد تجد أن علاج واحد قد لا يتسبب في شفاء كل الحالات، فالورم الخاص بكل منها يختلف بصورة ما عن الآخر، لأن كل حالة لها مسارها الجيني المختلف عن الأخرى.

    

العلم من جل العلم

  

يقول أليسون: "لقد وصلنا إلى هنا، ليس من خلال العمل على السرطان نفسه بأية طريقة، ولكن فقط عبر تتبع البحث الأساسي لفهم كيفية عمل الجهاز المناعي للإنسان" أما تاسوكو فيقول في المكالمة الأولى مع موقع جائزة نوبل أن المفاجأة الحقيقية هي أننا لم نكن نعمل بالأساس على البحث عن علاج للسرطان، لكن هنا نحن نتمكن من تطوير ما يعد الآن أحد أعمدة علاج السرطان الكبرى، فبجانب العلاج الجراحي، والراديوي، والدوائي، ظهر العلاج المناعي ليقترب بشكل أكبر من أصل السرطان نفسه، تركيبته الجينية نقصد.

 

تلك الفكرة تستحق التأمل قليلًا، وربما هي أهم ما يمكن أن نخرج به من نوبل للطب 2018، حيث أن هناك نوعين(10) من البحث العلمي: البحوث الأساسية Basic Research لا تهدف إلى اكتشاف أدوية بعينها، ولكنها تهدف بالأساس إلى توسيع نطاق معارفنا حول موضوع ما يقوم الفريق البحثي بدراسته، فمثلا لم يكن هدف كل من أليسون وهونجي هو استخراج دواء للسرطان، ولا دراسة السرطان من الأساس، وإنما هدفا إلى توسيع دائرة فهمنا للمبادئ الأساسية للجهاز المناعي عبر التساؤل بالصيغ الأساسية "لماذا" و"كيف"؟

 

البحوث الأساسية إذن تنطلق مدفوعة فقط بالفضول البشري تجاه التعرف على الأشياء، من جهة أخرى فإن البحوث التطبيقية Applied Research تنطلق فقط مدفوعة بأغراض تطبيقية، لإخراج منتج محدد أو آلية عمل أو تكنولوجيا جديدة لحل مشكلة بعينها، كمحاولة ايجاد دواء جديد لسرطان الجلد تحديدًا. نحن نعرف عبر دراسات(11) عدة أن 80% من أفضل الأدوية التي حصلنا عليها تمت بطريقة البحث الأساسي، ورغم أن الأمر يبدو للوهلة الأولى شيئا فانتازيًا يوتوبي النزعة، أن تبحث فقط عن المعرفة من أجل المعرفة، لكن نتائج ذلك واضحة ومؤكدة رغم تعقيدات الوضع السياسي والاقتصادي العالمي، تلك هي أفضل الطرق للفهم، فقط اتبّع فضولك.

     

   

نوبل للطب 2018 لم تكن فقط عن اكتشاف شخص واحد، أو فريق بحثي، لباب جديد يمكن أن ندخل منه لعلاج السرطان، لكنه كان نتيجة لبحث علمي طويل الأمد وقف على أكتاف عمالقة(12) بداية من بول ايرلش (نوبل 1908)، ثم فرانك بونيت (نوبل 1960)، وبيتر دوهرتي مع رولف زنكرنجال (نوبل 1966)، وجورج سنيل (نوبل 1980)، وجورج كوهلر مع سيزار ميلستن (نوبل 1984)، ثم سوزومو تونيجاوا نوبل (نوبل 1987)، وأضعاف هذا العدد ممكن لم يحصلوا على نوبل، ساهموا جميعًا في تطوير فهمنا لجهازنا المناعي شيئًا فشيئًا. هكذا هو العلم، قد يسير ببطء في الكثير من الأحيان، لكن نتائجه عظيمة.

  

في النهاية فإن نوبل للطب والفيسيولوجيا 2018 هي رسالة هامة من هيئة نوبل، خاصة وأن تلك هي أول جائزة نوبل تخرج "لعلاج" تم طرحه لمكافحة السرطان، رسالة تقول للمرضى إن هناك أمل، في السنوات الفائتة انتشرت موجة شك ويأس واسعة لتضرب مرضى السرطان، وغير المرضى أيضًا، فمع طول الفترة التي أخذها البحث العلمي في الكفاح ضد السرطان، خرج البعض ليقول إن الأمر ربما سيظل كذلك، أدّى ذلك اليأس من العلم إلى موجة أخرى مقابلة ترك المرضى فيها العلاج ولجؤوا إلى الطب الشعبي والعلم الزائف، لكن نوبل 2018 جاءت لتقول لمرضى السرطان أن هناك محاولات ناجحة، وتطورات غير مسبوق، جاءت لتقول لهم: "لا، انتظروا، ولا تيأسوا، العلاج قادم".

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار