انضم إلينا
اغلاق
بين عالم الأرواح والذكريات الدفينة.. كيف نفهم أحلامنا؟ وهل تتغير بمرور الوقت؟

بين عالم الأرواح والذكريات الدفينة.. كيف نفهم أحلامنا؟ وهل تتغير بمرور الوقت؟

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

على الرغم من اختلافها جذريا من حيث المضمون والتجربة الشعورية، فإن الأحلام لا تقل تعقيدا عن اليقظة حالا. فإذا نظرنا إليها عبر فترات الحياة المختلفة التي يعيشها الفرد الواحد منّا، لوجدنا مثلا أن أحلام الأطفال تختلف كثيرا عن أحلام الكبار. مثلا، ترتكز أحلام الأطفال حول التفاعلات العاطفية مع أفراد العائلة والأصدقاء والحيوانات المخيفة، فيما يحلم الكبار بالبالغين الآخرين. تمتلئ أحلام الشباب بالتفاعلات الاجتماعية بين الحالم والأصدقاء والعشّاق الحاليين. وتختلف أحلام الرجال اختلافا كبيرا عن أحلام النساء، حيث تحلم النساء على نحو متساوٍ بالرجال والنساء، فيما يحلم الرجال بالرجال الآخرين أكثر. يميل كبار السن إلى رؤية أحلام عن الأعمال الإبداعية وما يتركونه بعد موتهم والهموم العالقة لديهم، بينما تمتلئ أحلام الأشخاص الذين يحتضرون برؤى عن الأحداث الخارقة للطبيعة والعالم الآخر واللقاء مع الأحباء الذين سبق وأن لاقوا المنية. إن الأحلام التي تساعد في تمهيد انتقال الطفل إلى العالم الاجتماعي لأولي أمره في بداية الحياة ترافق أيضا الحالم برفق إلى أحضان أحبائه عندما تقترب الحياة من نهايتها، أي إن الأحلام ترافقنا حرفيا من المهد إلى اللحد!

   

لكن إذا حوّلنا تركيزنا من فحص الأحلام خلال حياة واحدة وبدلا من ذلك ركزنا على الأحلام التي تحدث في ليلة واحدة، فإننا سنظل نكتشف تنوّعا كبيرا بينها. خلال النوم، يتناوب المرء طوال الليل بين نوم حركة العين السريعة (النوم الريمي REM) مع نوبات النوم اللاريمي (NREM)، ومع تقدم الليل تصبح الفترات اللاريمية قصيرة فيما تطول فترات النوم الريمي. يمكننا قضاء ما يصل إلى 45 دقيقة في النوم الريمي قبل الاستيقاظ في الصباح. إن الأحلام التي تحدث في النوم الريمي مختلفة تماما عن الأحلام التي تحدث خلال النوم اللاريمي، حيث تمتلئ الأولى بالعدوانية بعكس الأخيرة. والأحلام التي تحدث في وقت مبكر من الليل (في الغالب نوم لاريمي) غالبا ما تقوم بالإعلان عن مشكلة عاطفية يتم بعد ذلك التعامل معها في أحلام أخرى مع تقدم الليل. يتم نقل الذكريات العاطفية ذهابا وإيابا من النوم اللاريمي إلى النوم الريمي طوال الليل حتى تستقر في النهاية في "بنك" الذكريات الطويلة المدى في القشرة المخية.

   

ويبدو أيضا أن الدماغ الحالم يستطيع الوصول إلى ذكريات أقدم وأقدم اضطرادا من بنوك الذكريات تلك مع تقدم الليل. تحتوي الأحلام الريمية في الصباح الباكر مثلا على عدد أكبر من الإشارات إلى مشاهد وذكريات من الطفولة المبكرة مقارنة بالفترات الريمية التي تحدث في وقت سابق من الليل.

    

 تختلف حالات الحلم من حيث الشدة: فكلما زادت حدة الإثارة الفسيولوجية خلال النوم الريمي كان مضمون الأحلام أكثر غرابة

مواقع التواصل
    

تختلف الأحلام ليس فقط خلال حياة واحدة أو ليلة واحدة، ولكنها تختلف أيضا بشكل مثير عبر الحقب التاريخية. فلقد كان يُنظر إلى أحلام الإغريق والرومان القدماء، بل وأحلام معظم شعوب العالم القديم، على أنها بوابات مباشرة إلى عالم الروح وإلى عالم الأسلاف والآلهة. الشعوب القديمة (والشعوب التقليدية حتى اليوم) غالبا ما ترى الأحلام كمكان للتواصل مع الكائنات الروحية التي يمكنها أن تساعد أو تعيق بشكل كبير الشؤون اليومية في اليقظة.

   

كما تختلف حالات الحلم من حيث الشدة: فكلما زادت حدة الإثارة الفسيولوجية خلال النوم الريمي كان مضمون الأحلام أكثر غرابة. على سبيل المثال، فإن الأحلام الليلية العادية هي أقل قوّة من الأحلام الملحمية "الكبيرة". وغالبا ما تتضمن هذه الأحلام الملحمية سلسلة من المشاهد التي تصور عوالم خيالية يزورها الحالم مرارا وتكرارا عبر عدة فترات من الأحلام. من ناحية أخرى، يبدو أن الحلم العادي يحتوي على مضمون نمطي نوعا ما، حيث لا يفعل الحالم شيئا سوى التفاعل اجتماعيا مع شخص واحد أو شخصين مألوفين.

 

تحتوي النسخة الأشدّ قليلا من الحلم العادي على كل من شخصيات مألوفة وشخصيات غير مألوفة. عادة ما تكون هذه الشخصيات غير المألوفة من الغرباء الذكور المريبين وتبدأ في الظهور في الأحلام مع تزايد شدّتها. ثم عند مستوى أعلى من الشدة، فإن الحالم وجميع الشخصيات الأخرى تغرق في الأحداث والأعمال التي تنطوي على نوع من السردية الموجّهة نحو خلاصة معيّنة. تجد هذه الشخصيات أنفسها مورطة في قصص سريعة الأحداث تتضمن الكثير من الدراما والتغيرات السريعة في الحبكة والكثير من الصراع العاطفي. مع تعاظم قوة الحلم، تبدأ السمات البصرية الغريبة في غزوه فتظهر عناصر غريبة وبيئات مستحيلة، ومخلوقات خارقة للطبيعة وتحولات مجازية للشخصيات والأشياء داخل الحلم!

     

  

لكن على الرغم من أن عامل "شدّة الحلم" قد يفسر مجموعة متنوعة من الأحلام، فإنه لا يستطيع تفسير بعض أكثر حالات الأحلام إثارة واهتماما. على سبيل المثال، غالبا ما يحلم مبتورو الأطراف بأنهم كاملو الأطراف. قد لا يتعرضون لفقدان أطرافهم في الأحلام حتى بعد سنوات من حدوث البتر، وينطبق ذلك حتى لو كان العائق الجسدي خلقيا. وبالمثل، لا يمكن تمييز أحلام الصم والبكم والمشلولين دماغيا منذ الخليقة عن أحلام الأشخاص من غير ذوي الإعاقة الجسدية. أي إنه يبدو الأمر كما لو أن الحلم قادر على الوصول إلى كامل جسد الحالم كأنه شخص مختلف عن الفرد من عالم اليقظة، ففي الأحلام قد يكون الصم والبكم قادرين على التحدث والسمع بشكل طبيعي، ويفيد المرضى الذين يعانون من درجات متفاوتة من الشلل النصفي بأنهم يطيرون ويهربون ويمشون ويسبحون في المنام. أي إن الحلم ينبعث من شخص مختلف عن الشخص اليقظ خارج المنام.

  

لا تختلف الشخصيات في الأحلام فقط عن وعي الحالم في اليقظة، بل يمكنها أن تسيطر على هذا الوعي أيضا. فأحلام المرضى الذين يعانون من اضطراب تعدد الشخصية/اضطراب الهوية الانفصالية يمكنها أن تتضمن ظهور الشخصيات المغايرة للحالم. وفي كثير من الأحيان قد تظهر الشخصيات المغايرة الجديدة للمرة الأولى في حلم، ثم تقوم بعد ذلك بالسيطرة على المخزون السلوكي للفرد لتظهر في اليقظة، وقد يختبر الحالم التحول من هويته الأساسية إلى الهوية المغايرة خلال الحلم. في هذه الحالة، من يحلم بمن؟!

   

يحدث شلل النوم (الجاثوم)، حيث لا يستطيع المرء التحرّك أو التحدّث بعد الاستيقاظ، عندما يكون جزء من عقل الحالم مستيقظا في حين يبقى جزء آخر في حالة النوم الريمي. يمكن للحلم الذي يتلو ذلك أن يكون مرعبا جدا حيث يتخيّل الفرد وجود كائن خبيث يحاول التفاعل معه بطريقة ما. في أغلب الأحيان، يبدو كأنه هناك جنّي يحاول تلبّسه أو تدميره!

      

هناك شخصيات أخرى لا يمكن أن نتقابل معها إلا في الأحلام. على سبيل المثال، لا يظهر الموتى في اليقظة، ولكنهم قد يزوروننا في أحلامنا

الجزيرة
   

من ناحية أخرى، تنطوي أحلام الصحوة الكاذبة على تخيّل الاستيقاظ مع البقاء في حالة الحلم. يشعر الحالم كما لو أنه قد استيقظ، ثم يبدأ روتينه اليومي مثل ارتداء ملابسه أو تنظيف أسنانه. أثناء أداء هذه المهام الروتينية فإن الحالم قد يستيقظ بالفعل! غالبا ما تحتوي هذه الأحلام -داخل الأحلام- على مشاهد وشخصيات من الأحلام السابقة، عوضا عن مشاهد وشخصيات من عالم اليقظة. قد "يستيقظ" الحالم في البيئة نفسها التي كان يحلم بها قبل الاستيقاظ الزائف، أي قد يكون على الحالم المرور في عدد من أحلام الصحوة الكاذبة قبل أن يستيقظ حقا!

   

وهناك شخصيات أخرى لا يمكن أن نتقابل معها إلا في الأحلام. على سبيل المثال، لا يظهر الموتى في اليقظة، ولكنهم قد يزوروننا في أحلامنا كأحياء معافين، يحملون رسالة للحالم. هذه الأحلام عادة ما تكون واضحة وقوية وتبدو كأنها حقيقية.

   

ما أهمية كل هذه الأحلام؟ يشير التنوع الكبير لحالات الحلم إلى أنها لا تقل أهمية عن حالات اليقظة من حيث دورها في الحفاظ على اللياقة البيولوجية، ومن المرجح جدا أن تكون لها آليات ووظائف حيوية متعددة. على سبيل المثال، قد تساعدنا الأحلام حول التهديدات المخيفة في تجنب تلك التهديدات أثناء اليقظة، ومن المرجح أن الحلم المتكرر بشخصيات أو بيئات سبق أن واجهناها في الأحلام قد يساعد في ضبط أو صيانة أو تغيير البنية المعرفية للحلم نفسه. أي إن الأحلام قد تمضي بغض النظر عما يحدث في حالة اليقظة، وقد تشير إلى شيء لم يبدأ العلم في فهمه إلّا مؤخرا.

____________________________________________

ترجمة: فريق الترجمة

هذا التقرير مترجم عن: Aeon ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار