اغلاق
آخر تحديث: 2018/10/3 الساعة 16:17 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/24 هـ

انضم إلينا
نوبل للفيزياء 2018 .. كيف تحول الضوء إلى لاعب كرة؟

نوبل للفيزياء 2018 .. كيف تحول الضوء إلى لاعب كرة؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

حسنًا، دعنا نبدأ هذه المرة بسؤال بسيط: كيف يمكن أن نعيش دون التصوير البطيء؟ تلك مشكلة كبيرة بالفعل، كيف لنا عندها أن نعرف إن كانت كرة روجر فيدرر سقطت بداخل الملعب أم خارجها؟ كيف يمكن أن نستمتع إذا بأهداف مباريات كأس العالم؟ رغم أن ذلك قد يرحمنا من برامج تحليل لمباريات كرة القدم التي تستمر ربما لسبع أو حتى عشر ساعات، إلا أننا سوف نفقد الكثير لا شك. بل ربما سوف يظل رهان ليلاند ستانفورد مع بعض الأصدقاء، في العام 1872، عن إن كان الحصان أثناء حركته يرفع أقدامه الأربعة عن الأرض أم لا، قائمًا إلى اليوم. لكن ليلاند لم ينتظر كثيرا.

   

بإيعاز من ليلاند قام إدوارد ميوبريدج(1)، وهو مخترع وصانع أفلام بريطاني من أصل هولندي، بابتكار طريقة بسيطة وغاية في الذكاء، وهي استخدام 12 كاميرا لالتقاط مجموعة من الصور لحصان يجري بأحد حقوله، بفارق بسيط للغاية بين كل لقطة وسابقتها، بعد ذلك دمج ميوبريدج الصور معا لعمل أول فيلم صامت قصير يصور حركة شيء ما، ويؤكد بالفعل أن الحصان يرفع حوافره الأربعة عن الأرض للحظة أثناء الجري، هنا ربح ليلاند الرهان والذي كان ذا شهرة واسعة وقتها، وفي نفس الوقت بدأ عصر جديد للعلم حينما تمكن صديقنا الذكي من التقاط صورة كل مللي ثانية ليصنع فيلمه الخاص، اليوم، في العام 2018، يمكن لنا التقاط صورة كل 63 جزء من المليون مليون مليون جزء من الثانية، نعم، لا تُعِد النظر، إنها كما قرأت، ليس ذلك خطأ كتابي تكررت فيه كلمة "مليون" ثلاث مرات!

   

12 صورة من 12 كاميرا التقطها ميوبريدج ليثبت أن الحصان يرفع حوافره الأربعة عن الأرض (مواقع التواصل)

       

الآن دعنا نسافر في الزمن وصولًا إلى الأمس، الثاني من أكتوبر، حيث أُعلن(2) فوز كل من أرثر أشكينز Arthur Ashkin من معامل بيل بالولايات المتحدة (نصف الجائزة)، جيرارد مورو Gérard Mourou من كلية البوليتيكنيك وجامعة ميتشجن (ربع الجائزة)، والفيزيائية دونا ستريكلاند Donna Strickland من جامعة ووتارلو (ربع الجائزة) حصولهم على جائزة نوبل في الفيزياء 2018، عن إسهاماتهم البارزة في مجال فيزياء الليزر، الجائزة هذا العام قُدمت لأدوات صُنعت من الضوء، بمعنى أوضح: كان الضوء نفسه هو الأداة المستخدمة، لكن، كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ وما علاقته بكاميرات ميوبريدج التي تحدثنا عنها منذ قليل؟!

   

نبضات من الضوء

لفهم موضوع جائزة نوبل هذا العام سوف نبدأ من ألبرت أينشتاين، والذي قال قبل مائة عام إنه حينما تكون الذرات مُثارة فإنها تعود لحالاتها الطبيعية عبر فقد(3) حزمة من الضوء، نسميها الفوتونات. بمعنى آخر: يمكن لنا إثارة الذرات عبر دفع قدر من الطاقة بها، يشبه الأمر أن تقوم بتسخين الطعام ثم تنساه فيفقد سخونته، ليس بالضبط ولكنّ التشبيه يخدم الغرض. حينما يحدث ذلك للذرة فإن الإلكترونات المستقرة، في المدارات حول النواة، تمتص تلك الطاقة وتصعد من مدار أقل إلى مدار أعلى، لكنها بعد فترة (وهي قصيرة للغاية بحيث لا يمكن تخيلها) تهدأ وتفقد تلك الطاقة ويعود الإلكترون من جديد إلى مداره، حيث أن كل شيء في هذا الكون يميل للعودة إلى الاستقرار. في أثناء عودته يطلق الإلكترون تلك الطاقة التي اكتسبها في صورة حزمة الضوء تلك، ويحدث ذلك بشكل تلقائي طبيعي، لكن حينما قرر البعض ألا يجعله تلقائيًا، نشأت فكرة ما نعرفه الآن باسم: الليزر.

   

في الحقيقة لا يوجد شيء محدد اسمه "الليزر LASER" ولكنه(4) اختصار لجملة "تضخيم شدة الضوء بواسطة الانبعاث الإشعاعي المستحث Light Amplification by Stimulated Emission of Radiation"، وهو اصطلاح معقد حقًا، لكن هذا "الانبعاث المستحث" هو ما نبحث عنه، فبدلًا من أن تنبعث الفوتونات من الذرة بشكل تلقائي سوف نحثّها نحن على الانبعاث، وذلك أن ندفع بفوتون آخر لذرة كانت مستثارة بالفعل، هنا سوف تفقد تلك الذرة الفوتون المخزّن بها فورًا وتعود الإلكترونات للمدار الأسفل من جديد، لكن هذا الفوتون الجديد المنطلق سيتفق في نمط حركته مع الأخير الذي دخل إلى الذرة قبل قليل فيخرجا منها جنبًا إلى جنب، يحدد ذلك سمة الليزر الرئيسية، وهي الترابط، والتي تجعل الضوء الذي يخرج من الليزر يستمر في المضي قدمًا لمسافات كبيرة دون أن يتشتت، على عكس ضوء المصباح الكهربي مثلًا، تلك الخاصية هي السبب في انبهارنا بأقلام الليزر.

     

  

حينما نعمل على تكرار تلك العملية الخاصة بإثارة ذرة مثارة بالفعل بصورة منتظمة داخل غرفة مغلقة صغيرة فإن عددا ضخما من الفوتونات يخرج متفقًا في حركته معًا، وكلما رفعنا معدل هذه العملية داخل الغرفة زدنا من "تضخيم" قوة الشعاع الليزري، يشبه الأمر تلك اللعبة التي طالما استمتعنا بها حينما كنّا صغارً، حيث استخدمنا العدسات الكبيرة لتركيز شعاع الضوء من أجل حرق طرف الورقة، فكلما كثّفت الضوء في مساحة صغيرة ازدادت شدته، أما الليزر فهو شعاع ضوئي مركز بالفعل، بل يمكن أن نزيد شدته شيئًا فشيئًا تحت الطلب عبر التحكم في انبعاثات الذرات، لكن هذا الرفع في شدة الضوء يواجه مشكله، وهي قدرته على إفساد المضخمات المستخدمة والعدسات التي تنظم عمله بعد حد معين.

   

إنجاز فائق السرعة

هنا ظهرت فكرة جديدة، وهي أنه يمكن لنا ضرب الليزر على شكل نبضات صغيرة، وذلك لأن النبضة تضع قدرا من الضوء في مساحة صغيرة، وكما قلنا فإن الشدة تزداد مع انخفاض المساحة، لكن ذلك أيضًا كانت له حدوده التي وصلنا لها بحلول العام 1980، فكلما ازدادت شدة نبضة الليزر أثّر ذلك بالسلب على الأجزاء المستخدمة في التضخيم وأتلفها، هنا تصور البعض أنه لا يمكن لنا بعد الآن أن نرفع من شدة وسرعة نبضات الليزر بأية طريقة، لكن في تلك النقطة يدخل(5) لأرض الملعب ثنائي نوبل دونا ستريكلاند و جيرارد مورو، حينما اكتشفا طريقة جديدة غاية في الذكاء لتخطي تلك الأزمة، سميت "تضخيم النبضات المزَقزَقة Chirped Pulse Amplification".

 

تصميم مبسط يشرح تضخيم النبضات بطريقة مورو وستريكلاند (يلاحظ المصمم اتجاه الأسهم من النبضة الصفراء الصغيرة وصولًا إلى الكبيرة

       

فكرة الثنائي بسيطة رغم تعقدها الشديد، إذا كانت مشكلتك في حساسية المضخّمات وتلفها فإننا أولًا، وقبل التضخيم، سوف نقوم بمط النبضة الضوئية. كم تعلمنا قبل قليل فإن الشدة تتناسب عكسًا مع المساحة، بالتالي فإن تلك الحزمة التي تم مطّها ستدخل للمضخمات وهي ضعيفة بعض الشيء، وهنا يمكن تضخيمها دون قلق حيث لن تؤثر شدة النبضة على مواد التضخيم، بعد ذلك نقوم بضغط الحزمة الضوئية مرة أخرى فتصبح من جديد ذات شدة كبيرة، هنا كسر الثنائي ستريكلاند ومورو حاجز اللحظة الفارقة، وبدأ براح جديد في عالم نبضات الليزر السريعة جدًا والقوية جدًا، استمر من الثمانينات حتّى اليوم.

    

لكن في تلك النقطة ربما قد تسأل عن أهمية ذلك كله، هنا سوف نعود للسيد ميوبريدج، حيث يواجه الكيميائيون نفس المشكلة الخاصة بالأحصنة حين محاولتهم التقاط صور للتفاعلات الكيميائية، فالتفاعل الكيميائي قد يحدث في جزء من المليون مليار جزء من الثانية، لذلك استطاع العلماء دائما فهم التفاعلات الكيميائية في إطار أن الجزيء "A" يلتقي مع "B" ثم يحدث شيء ما لا نعرفه تتكسر خلاله بعض الروابط وتتكون روابط جديدة، ويخرج لنا الناتج النهائي "C"، أما ما يحدث بالداخل فقد ظل دائمًا مجهولًا، دعنا نتصور أن الكيميائي هو محقق جرائم، يدخل أحدهم غرفة مظلمة ويخرج له من الجهة الأخرى جثة هامدة، المشكلة أن ما يحدث في تلك الغرفة يتم بسرعة شديدة وفي ظلام تام، كيف يمكن للمحقق أن يتعرف على مرتكب الجريمة؟ كيف ستمارس مهنتك هنا؟

 

عوالم جديدة

صعب، أليس كذلك؟ في تلك النقطة أمكن استخدام تلك النبضات فائقة الشدة والسرعة في إضاءة تلك التفاعلات للحظات قصيرة للغاية والتقط صورا لها، كانت أول الإنجازات التي استخدمت تقنية مورو وستريكلاند على يد الكيميائي المصري أحمد زويل عن طريق تقنية غاية في الذكاء، فردنا لها من قبل تقريرا مفصلا يشرح آليتها ببساطة(6)، تسمى (مضخة - مجس)، بسبب تلك التقنية حصل أحمد زويل على نوبل للكيمياء للعام 1999 عن دراساته حول المراحل الانتقالية للتفاعلات الكيميائية، أصبحنا أخيرًا قادرين على فتح تلك النافذة التي ظلت طوال تاريخنا البشري مغلقة، نافذة التفاعلات الكيميائية والحيوية.

  

من (اليمين إلى اليسار)  دونا ستريكلاند،و جيرارد مورو، وأرثر أشكينز (رويترز)

     

من جهة أخرى انتقلت تطبيقات إنجاز مورو وستريكلاند إلى عوالم مختلفة، حيث يمكن لتلك النبضات الصغيرة أن تتدخل لهندسة أي شيء عبر خلق ثقوب دقيقة جدًا، بالتالي ظهرت لها استخدامات في الجراحة بكل أنواعها بداية من العيون إلى توسيع الأوعية الدموية، وتصنيع الحواسيب الدقيقة، وابتكار أسلحة قوية، وكذلك تطوير سيّارات جديدة بمضخات صغيرة جدًا لترشيح الوقود، مع بعض التأمل يمكن لك توقع مئات بل وآلاف الإستخدامات لتقنيات بتلك الدقة والشدة والسرعة، لقد غيرت تقنيات النبضات فائقة الشدة والقصر من شكل العلم والتكنولوجيا على حدٍ سواء.

 

لقد دخلنا بفضل إنجازات مورو وستريكلاند إلى عصر الفيمتو ثانية، لكن ما أنجزه زويل أصبح من الماضي حينما ارتفعت سرعة وشدة النبضات لندخل في عصر الأتو ثانية، 1 من مليون مليون مليون جزء من الثانية، أسرع بألف مرة من الفيمتو، ولازال كل منهما يعمل في تطوير سرعة وشدة نبضات الليزر، في المستقبل نأمل أن نصل قريبًا إلى عصر الزبتو ثانية، نتحدث هنا عن صور تلتقط بسرعة ألف مليون مليون مليون جزء من الثانية، سوف يساعدنا ذلك على دراسة عالم الكم بصور أكثر وضوحًا واستكشاف المزيد من الغرف المغلقة بداخله، قد يبدو ذلك جنونيا بعض الشيء، رغم ذلك فهو السبب الرئيس في تطور الكثير من الجراحات والأدوية والتيكنولوجيا الدقيقة التي نعرفها اليوم ونسمع عنها بشكل دوري، لكن.. هل تريد أن ترى ما قد يكون أكثر جنونًا من ذلك؟

 

أشكينز يضرب الكرات بالليزر

 حسنًا، سوف نذهب لصاحب نصف الجائزة الثاني، أرثر أشكينز، هذا العجوز الذي -مع عمر 96 سنة- لايزال يعمل في مجاله، حينما ظهر الليزر في الستينات كان تراود أشكينز فكرة غريبة بعض الشيء، لكن على الرغم من ذلك يمكن أن نسمع صداها من عدة مئات من الأعوام حينما قال يوهانس كيبلر إن للضوء ضغط، بمعنى أوضح: كما تضغط يديك على لوحة المفاتيح لكتابة منشور على موقع فيسبوك، يمكن للضوء أيضًا، والإشعاع الكهرومغناطيسي في العموم، أن يضغط على الأشياء. الضوء العادي بالطبع ضعيف جدًا لا يمكن بسهولة ملاحظة أثره، لكن حينما ظهر الليزر بشدته الفائقة بدت فكرة السيوف الليزرية من أفلام "ستار تريك" مقبولة لدى أشكينز.

 

في تلك المرحلة بدأت الألعاب السحرية في الظهور، حاول أشكينز في البداية أن يحرّك(7) كرات صغيرة عازلة بحجم الميكروميتر (1 من مليون جزء من المتر)، ونجح فورًا في تجاربه الأولى، لكنه لاحظ شيئًا غريبًا في أثناء محاولاته لتحريك تلك الكرات، وهو أنها كانت تنجذب دائمًا لمركز شعاع الليزر، فرغم أنه شعاع حاد جدًا، إلا أن شدته في المركز أكبر من الأطراف، تلك الشدة هي ما يجذب كرات أشكينز الميكروية ويثبتها في منتصف شعاع الليزر تمامًا.

  

  

لكن شعاع الليزر لا يجذب الكرات بالمعنى المفهوم، بل يتعلق ذلك بالعزم الخاص بالفوتونات في شعاع الليزر، يشبه الأمر أن تضرب كرة بلياردو متحركة في أخرى واقفة، إذا تغير اتجاه الكرة المضروبة لليسار فإن الضاربة ستتجه لليمين ليبقى العزم في النهاية مساويًا لصفر. حينما تدخل الكرات الصغيرة جًدا في أحد جانبي شعاع الليزر -كأن تلقي بكرة صغيرة في جدول ماء جار- يضطرب عزم جمهور الفوتونات بين جانبي الشعاع، ولموازنة ذلك تضطر الكرة للتحرك ناحية مركز الشعاع فيكون العزم متساويًا في كل الجوانب من جديد، وتبقى هناك دائمًا، هكذا نكون قد صنعنا مصيدة ضوئية للكرات، أو كما سماها أشكينز "ملقاط ضوئي(8)" (Optical Tweezer).

 

طوّر أشكينز من أدواته بسرعة شديدة، فقام بتركيز شعاع الضوء في نقطة صغيرة توقفت فيها الكرات ولم تتحرك، بذلك يكون قد قام باصطيادها تمامًا، وفي بعض التجارب رفَع الكرات للأعلى وعلقها في الفراغ بشعاع ليزر قادم من الأسفل، كذلك تمكن أشكينز باستخدام آليته العبقرية من الإمساك بذرات مفردة، ثم تطور الأمر فيما بعد ناحية الفيروسات، ثم الخلايا البكتيرية، لكن الأخيرة كانت تموت من شدة الضوء الليزري، هنا طور أشكينز إضافة هامة حينما استخدم الأشعة تحت الحمراء وأمسك البكتيريا بها، والتي استمرت في حياتها داخل الشعاع!

    

من نحن؟

لم يتوقف أشكينز عند هذا الحد، فبعد أن أصبح الإمساك بالذرات وإيقافها علمًا بذاته، قرر(9) أن ينتقل لداخل الخلايا الحية، كان ذلك في الحقيقة هو أحد أهم إنجازاته، وهو ما فتح الباب لدراسة الماكينات الجزيئية الخلوية بدقة شديدة، دعنا مثلًا نتأمل جزيء الكينيسين، هو بروتين يتحرك على الأنابيب الدقيقة جدًا في الخلايا الحية، هذه الحركة النشطة تدعم العديد من الوظائف الخلوية، بما في ذلك انقسام الخلايا، وحركات السيالات العصبية خلالها، هنا قرر أشكينز أنه من الممكن مراقبة حركة الكينيسين بفكرة غاية في الذكاء تقول إنه يمكن لنا أن نربط هذا البروتين بإحدى كرات أشكينز المثبته في شعاع الليزر، هذا البروتين بالطبع سيحاول التحرك للأمام بطبيعته، فيقوم بجذب تلك الكرة الغاية في الصغر قليلًا عن مركز الشعاع، لكن قوى الجذب للداخل تعيدها مرة أخرى، ويقوم الباحث بحساب فارق المسافة.

   

  

في تلك النقطة أصبحت ملاقط أشكينز أداة أساسية في كل معامل البيولوجيا والكيمياء الرئيسية في العالم، لدراسة الذرات والخلايا الحية في أجسامنا، خاصة لفهم الماكينات الجزيئية الخلوية، والبروتينات الخلوية الأخرى، والحمض النووي، وخلايا الدم بأنواعها.. إلخ، فتحت ملاقط أشكينز نافذة لعلم جديد تمامًا لم نكن لنتصور وجوده، والذي ساعد بدوره في تطور الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وصولًا إلى الطب، ما أنجزه أشكينز يساهم الآن في تخليق أدوية جديدة تساعدنا على تخطي مدى واسع من الأمراض يبدأ من نزلة برد بسيطة وصولًا إلى السرطان.

 

قضى أشكينز ما يقترب من 60 سنة في اللعب بالكرات الميكروية، وقضى كل من مورو وستريكلاند أكثر من 40 سنة في تسريع وتقوية أشعة الليزر، ثم ها هم اليوم يحصلون على نوبل عن تلك الإنجازات العظيمة، تلك السنوات الطويلة التي قضاها كل منهم في العمل الشاق المرهق. لا تتصور أن تلك الأفكار التي تحدثنا عنها بسيطة، ذلك فقط لأننا قمنا بتبسيطها، لكن كل خطوة صغيرة في تلك المسيرة امتلأت بلحظات من الفخر والحزن واليأس والتوقف ثم العودة من جديد، وفي النهاية ينتصر صاحب النفس الأطول، لكن نوبل فيزياء 2018 تدفعنا لتأمل ما هو أكثر عمقًا من ذلك.

   

هل تلاحظ هذا؟ لا يمكن لأحد مهما امتلك من قدرات إدراكية أن يهضم ما تحدثنا عنه في نوبل للفيزياء 2018 من سرعات وأحجام، لوهلة سيبدو الأمر وكأننا نقع في الحد الفاصل تمامًا بين كونين متوازيين، كون واسع ضخم متمدد فيه -كما نتصور- تريلوني مجرة، تحتوي كل منها على مليارات النجوم، نتعرّف إليه بالتلسكوبات. وكون آخر صغير جدًا لا تدركه عين، ولا أيٍ من حواسنا الأخرى، يتواجد هناك في قاع الزيبتو ثانية وحواف المايكروميتر ومقاييس الأنجستروم، نتمكن من رصده بملاقط أشكينز ونبضات مورو وستريكلاند. بينما نقف نحن البشر، بكل فخرنا وضعفنا وأحلامنا بمستقبل أفضل لأطفالنا ومخاوفنا من انهيار الكوكب وسقوط البورصة وابتداء الحرب الأهلية وسرقة مرتباتنا من جيوبنا في شارع مزدحم، نقف ما بين هذين الكونين لنسأل: من نحن؟

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار