انضم إلينا
اغلاق
كيف يفقد مريض الانفصام العقلي أي شعور باللذة؟

كيف يفقد مريض الانفصام العقلي أي شعور باللذة؟

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

يعتبر الانفصام العقلي أحد أكثر الأمراض البشرية التي أُسيء فهمها على نطاق واسع، إذ إن حقيقة المرض تختلف اختلافا كبيرا عن الصورة الساخرة الشائعة التي تجسد المرضى الذين يعانون منه، وتصورهم على أنهم أشخاص يتمتمون بأشياء غير مترابطة أو يثورون بشكل عنيف. في الواقع، ليس من المحتمل أن يكون الأشخاص المصابون بالانفصام العقلي أكثر عنفا من الأشخاص العاديين.

  

يعاني ما يقرب من واحد في المئة من سكان العالم من انفصام الشخصية، وهو يؤثر على الرجال والنساء والأغنياء والفقراء من جميع الأعراق والثقافات على حد سواء. ويمكن علاج المرض بالأدوية والعلاج النفسي الاجتماعي، على الرغم من أن طرق العلاج لا تعمل بالكفاءة نفسها مع جميع الأشخاص والأعراض. والأهم من ذلك كله أنه يؤثر على كل جانب من الجوانب الإنسانية للمصابين، مثل: الطريقة التي يفكر بها المرء، والطريقة التي يتصرف بها، والطريقة التي يشعر بها، وعلى وجه الخصوص، القدرة على الشعور بالمتعة.

   

يعاني ثلاثة أرباع المصابين بالفصام من "عدم القدرة على الإحساس بالمتعة"، وهو انخفاض الشعور بالمتعة عند التعرض للأحداث أو مزاولة الأنشطة التي كانت ممتعة بالنسبة لهم من قبل (وهو أيضا أحد الأعراض الأساسية للاكتئاب). لن يصبح الوجود مع الأصدقاء أمرا مرحا، ويمكن للوجبات التي كانت لذيذة في السابق أن يتغير طعمها للأسوأ. من المنظور الطبي، يتم تقييم انعدام القدرة على الإحساس بالمتعة عن طريق إجراء مقابلة مع أخصائي الصحة النفسية، والتي يُسأل الشخص خلالها عن شعوره بالمتعة في أنشطة الحياة المختلفة مثل التواصل الاجتماعي، وتناول الطعام، والعمل أو المشاركة في الهوايات.

     

  

أدرجت في بحثي أساليب ونظريات وإجراءات من مجال العلوم العاطفية، في محاولة لفهم انعدام القدرة على الإحساس بالمتعة عند المرضى المصابين بالفصام بشكل أفضل. ترتكز نظريات ودراسات العلوم العاطفية على فكرة أن العواطف، مثلها مثل المتعة، يمكن إدراكها وفهمها بشكل كامل من خلال عمل تقييم شامل متعدد الأساليب. وقد قمت بتقييم الاستجابات الانفعالية عن طريق قياس التغيرات في تعابير الوجه، والتقارير التي تتعلق بالخبرات، ونشاط الدماغ والاستجابات الجسدية، عبر مشاركة الأشخاص المصابين بالفصام أو غير المصابين، في محفزات عاطفية واضحة مثل الأفلام والصور والأطعمة أو ببساطة أثناء حديثهم عن حياتهم الخاصة.

 

هل يستطيع الأشخاص المصابون بالفصام التعبير بدقة عن مشاعرهم، مع الأخذ في الاعتبار أنهم غالبا ما يعانون من اضطرابات عميقة في التفكير؟ نعم. يمكن للمصابين بالفصام استخدام الأبعاد العامة نفسها عند وصف مشاعرهم مثل الذين لا يعانون من المرض: القابلية للتفاعل أو مدى شعورهم بالسعادة أو الاستياء تجاه عواطف معينة، والشعور بالإثارة، أو مدى النشاط أو الهدوء الناجم عن عاطفة معينة. وفي حين أن الإثارة تُمثل عاطفة ممتعة وعالية التنشيط، بينما السكينة تمثل عاطفة إيجابية مهدئة، ويعبر الضجر عن عاطفة مزعجة غير سارة وخافضة للنشاط. وُجِدَ أن الأشخاص المصابين بالفصام يشعرون بقدر مماثل (أو أقل قليلا) من المشاعر الممتعة مقارنة بالذين لا يعانون من المرض، في وجود المحفزات المثيرة للمشاعر في الحياة اليومية، بغض النظر عن التغيرات في حالتهم العلاجية.

   

ومع ذلك، لا تقتصر المتعة فقط على المرور بلحظة ممتعة، فهي تنطوي أيضا على التوقع، وهو العلاقة بين ما نشعر به في الوقت الراهن وفي المستقبل. وهذا فرق بالغ الأهمية. لا تقتصر المتعة على التجربة اللحظية، بل أيضا على الشعور الاستباقي بالمتعة، الذي يتمثل في القدرة على التطلع إلى تجارب ممتعة في المستقبل، بالإضافة إلى الاستمتاع بانتظار المتعة في حد ذاته.

   

يظهر هذا الفرق واضحا في حالات الفصام. فمن غير المحتمل أن يتوقع الأشخاص المصابون بهذا المرض أن تكون الأحداث المستقبلية ممتعة، وكذلك تقل احتمالية الشعور بالمتعة عند ترقب أحداث مستقبلية. وهذا بدوره يقلل من احتمالية بحثهم عن تجارب ممتعة في المقام الأول. يتطلب توقع إن كان هناك شيء ممتع سيحدث في المستقبل مهارات معرفية لا حصر لها، بما في ذلك التخيل، والتأمل، والاستفادة من تجارب سابقة، والاحتفاظ بصورة أو حالة عاطفية.

  

يسجل الأشخاص الذين يعانون من الفصام انخفاضا في مقياس المتعة المتوقعة مقارنة بالأشخاص غير المصابين به، لكنهم يسجلون النتيجة نفسها على مقياس المتعة المتممة

 الألمانية
  

على سبيل المثال، عملية اختيار مكان ما لقضاء يوم العطلة. ربما تفكر في زيارة حديقة عامة في الولايات المتحدة، مما يجعلك تسترجع إجازة سابقة قضيتها في منتزه يلوستون الوطني. ثم يدفعك هذا الأمر إلى التنبؤ بأن نزهتك القادمة سوف تكون مريحة وممتعة، واضعا بعين الاعتبار المناظر والحياة البرية. ومع هذا التوقع تبدأ فعلا في تجربة إحساس المتعة، لأنك تعرف أنك ستخوض تجربة ممتعة قريبا.

    

هذه متعة توقعية. سوف تدعم هذه العمليات جهازك التحفيزي لتحجز تذكرة سفرك (حوافز النهج والسلوك)، وبعد قضاء الإجازة، سوف تخوض تجربة "المتعة المتممة". سوف تتذوق (تحافظ) على المتعة من الإجازة، وسوف تؤول هذه التجربة إلى الذاكرة. وفي المرة القادمة التي تحتاج فيها إلى اختيار مكان لقضاء الإجازة، قد تسترجع هذه الذاكرة لإعادة تشغيل العملية الزمنية ثانية.

   

إحدى الطرق التي قيّمت بها تجربة المتعة المتوقعة في بحثي كانت باستخدام مقياس إفادة ذاتية لتجربة التوقع الجسدي/الحسي يُدعى التجربة الزمنية لمقياس المتعة. يتضمن ذلك المقياس عناصر تُقيّم كلا من تجربة المتعة المتوقعة والمستهلكة للأحاسيس الجسدية المختلفة (على سبيل المثال، "عندما أفكر في تناول طعامي المفضل، يمكنني تقريبا أن أتذوق كم هو طيب المذاق").

    

يسجل الأشخاص الذين يعانون من الفصام انخفاضا في مقياس المتعة المتوقعة مقارنة بالأشخاص غير المصابين به، لكنهم يسجلون النتيجة نفسها على مقياس المتعة المتممة. عُثر على هذا النمط بين هؤلاء المعرضين لخطر الإصابة بمرض الفصام الذهاني، أو في مراحل المرض الأولى أو تعرضوا له لأعوام عديدة، إلى جانب أشخاص مصابين بالفصام من بلدان وثقافات مختلفة.

      

  

توجد مناهج بحثية أخرى لدراسة الأنهيدونيا "انعدام الشعور بالمتعة" في حالات الفصام، والتي تعتمد بشكل هائل على أبحاث علم الأعصاب، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن السعي إلى العلاجات الدوائية يعرّف بما نعلمه عن الدماغ البشري. وعلى الأخص، تم استخدام علم أعصاب الدوافع، والذي يتضمن عدة عمليات وشبكات للدماغ، لفهم انعدام الشعور بالمتعة لدى مرضى الفصام.

   

وتشمل عمليات التحفيز حساب كمّ الجهد اللازم لتحقيق نتيجة مرغوبة وسارّة (بالمكافأة)، وخطة لكيفية الحصول على تلك النتيجة، واستجابة سلوكية للحصول على المكافأة. وقد أوجد هذا النهج في علم الأعصاب عددا من النتائج الرئيسية حول انعدام الشعور بالمتعة في مرضى الفصام، حيث يُظهر على سبيل المثال أن الأشخاص المصابين بالفصام يقاسون مصاعب في حساب القيمة والجهد اللازمين للحصول على نتائج سارّة والجهد المبذول لتحقيق المكافآت.

   

من الضروري أيضا قياس تجربة تلك الظاهرة: إذا أردت أن تعرف كيف يشعر شخص ما، فعليك أن تسأله. لا يوجد أي مقياس لنشاط الدماغ أو تعبيرات الوجه أو الاستجابة الجسدية يستعاض به عن تقييم المشاعر. وقد وجدت وزملائي أن الأشخاص المصابين بالفصام يمكنهم التعبير بوضوح عن مشاعرهم، أما الافتراض بأن الأشخاص المصابين بالفصام لا يمكنهم التعبير عن مشاعرهم ليس فقط أمرا غير صحيح، بل يمكن أن يؤدي أيضا إلى استدامة الأساطير والمفاهيم الخاطئة عن المرض مثل (العته، الغمغمة غير المفهومة، الغضب حد التشاجر).

            

من المتوقع عند الأشخاص المصابين بمرض الفصام أن يشعروا بمتعة أقل عند ممارسة الأنشطة الجالبة للمتعة، وأن يخوضوا متعة أقل عندما يتوقعون الأحداث المستقبلية

مواقع التواصل
         

لقد أظهرت أبحاث علم الأعصاب الحالية عن شبكات الدماغ البشرية التي تدعم التفكير والشعور والإدراك بالآخرين أن العديد من تلك الشبكات الدماغية نفسها تشارك في دعم هذه العمليات والوظائف المتباينة نفسيا، ما يجعل البحث عن الشبكات الخاصة بالعملية النفسية هو محاولات شبه بائدة.

   

يتضح أن الأنهيدونيا، أو انعدام الشعور بالمتعة لدى مرضى الفصام يظهر عندما يتعلق الأمر بتوقع الأحداث المستقبلية. من المتوقع عند الأشخاص المصابين بمرض الفصام أن يشعروا بمتعة أقل عند ممارسة الأنشطة الجالبة للمتعة، وأن يخوضوا متعة أقل عندما يتوقعون الأحداث المستقبلية مقارنة بالأشخاص الذين لا يعانون من الفصام. رغم ذلك، عند القيام بهذه الأنشطة المبهجة قد يختبر الأشخاص المصابون بالفصام أو غير المصابين به القدر نفسه من المتعة.

   

إن وجود عرض مثل انعدام الشعور بالمتعة في مرضى الفصام يوضح أن الشعور بها لا يتم عبر عملية واحدة. وعوضا عن ذلك، تنبثق المتعة من مجموعة من الأنظمة المعرفية والوجدانية والتحفيزية المتفاعلة، وأي خلل وظيفي في أي منها قد يؤدي إلى مشاكل في الشعور بالمتعة.

________________________________________________
هذا التقرير مترجم عن: Aeon  ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار