هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
بيولوجيا الرغبة.. هل يمكن التوقف عن الإدمان دون مساعدة؟

بيولوجيا الرغبة.. هل يمكن التوقف عن الإدمان دون مساعدة؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

هل تستطيع ركوب الدراجة؟ إنها مهارة بسيطة لكنها تحتاج إلى قفزة جريئة في مرحلة ما، لنعد قليلا بالزمن، أنت الآن طفل في السابعة من عمرك، يمسك خالك بك بينما تركب درّاجتك الجديدة، يدفع بك للأمام وهو يسير بجانبك، ثم في لحظة فارقة يتركك لتستمر في المضي قُدما بالدراجة، غالبا ما تقع في الدفعة الأولى، لكن في الثانية أو الثالثة سوف تكتسب القدرة على قيادة الدراجة "فجأة"، دماغك -هناك بالداخل بينما يقوم بحساباته المعقدة عبر وصلاته الدقيقة- سوف يتعلّم أن دفع البدّال يجعلها تسير للأمام دائما وأن إنزال قدميك من عليه يُمكّنك من الوقوف بسهولة وأنه لا خطر في ذلك كلّه، في تلك اللحظة تصبح قيادة الدراجة أمرا طبيعيا، لكن، ماذا لو أردنا أن نُفقدك ما تعلّمته؟ هل من السهل أن تعود من جديد لمرحلة لا تستطيع أن تقود الدراجة فيها؟
  

مخ مرن
 في كتابه "بيولوجيا الرغبة: لماذا لا يُعدّ الإدمان مرضا؟" (The Biology of Desire: Why Addiction Is Not a Disease) يقول مارك لويس، عالم الأعصاب الشهير، والمدمن السابق، إن الكثيرين ربما لا يعلمون أن معظم المدمنين يتركون الإدمان في مرحلة ما، ويحاول لويس أن يستلهم فكرته التي تقف عند الحد الفاصل بين كون الإدمان مرضا، وكونه جريمة أخلاقية، ليقول إن الإدمان هو أشبه بمهارة نتعلّمها، يحتاج الأمر بالطبع إلى الكثير من الوقت كي نفقد ما تعلمناه، لكنه يحدث بالنهاية، ذلك لأن أدمغتنا بالأساس ذات طبيعة مرنة، يمكن أن تترك عادة كما أمكن أن تكتسبها.
  
يعتمد لويس على فكرة رئيسية تُدعى اللدونة العصبية (Neuroplasticity)، يتعلق الأمر بكيفية توصيل المعلومات بين خلايا جهازك العصبي، حينما يرتفع عدد الوصلات الموجودة بين الخلايا العصبية يعزز ذلك من سريان المعلومات المتبادلة بينها، فيرفع ذلك من كفاءتها وقدرتها على أداء الوظائف أيًّا كانت، والعكس صحيح. هنا نحتاج إلى توضيح أن سر فاعلية الخلايا العصبية هو التواصل فيما بينها، فخلية عصبية غير مرتبطة بالرفاق في المخ هي كأي خلية عادية.
 

  
تبدأ اللدونة العصبية بشكل ثوري في مراحل الطفولة الأولى، فتنشأ الوصلات والخلايا الجديدة بسرعة مذهلة، وتقل فيما بعد -بالوصول إلى سن العشرين- كثيرا لكنها لا تتوقف، هي فقط تستجيب لتلف الأنسجة الدماغية في أي عمر، أو حتى لتغيرات البيئة المحيطة، لذلك فاصطلاح "اللدونة العصبية" (Neuroplasticity) لا يعني أن لدينا دماغا بلاستيكيا، لكنه يعني أن الدماغ مرن، يتكيف مع الأوضاع القائمة ويعيد تنظيم ذاته لخدمة الوظائف الجديدة باستخدام تلك الآليات، وخلال عمر الفرد يتم تعزيز حزم الخلايا العصبية التي تُستخدم بشكل أكبر بالمزيد من الوصلات فتصبح أقوى، أما تلك التي لا تُستخدم كثيرا فتنحسر بالتدريج.


مع كل عادة جديدة في حياتنا، تتكوّن وصلات جديدة في منطقة ما من الدماغ، ومع تكرار تلك العادة تتعزز وصلاتها شيئا فشيئا فتصبح العادات أقوى وأكثر ارتباطا بمواقف بعينها، حينما ترى قطعة البيتزا تفقد قدرتك على التحكم في نفسك وتلتهمها رغم كل الحميات التي تتبعها، حينما تكون مريضا بالسكّري لكن ترى قطعة من حلويات المولد النبوي الشريف فإنك قد تتجاهل قدرة تلك الحلوى على إيذائك وتلتهمها فورا، في تلك النقطة يوسع لويس من دائرة فهمنا للإدمان فيقول إن إدمان الإنترنت، الأفلام الإباحية، مواقع التواصل الاجتماعي، الطعام، لا يختلف -في الآلية- عن تلك الخاصة بالمواد المخدرة، وإنما في شدة الفعل الخاص بكل منها، وأثر إدمانها على حياة الفرد الاجتماعية.

    

    

لماذا لا نتوقف عن الإدمان بسهولة؟
 لكن حينما نسأل: إذا كان الأمر بتلك البساطة فلماذا إذن لا نتوقف عن الإدمان بسهولة؟ هنا يجيبنا لويس بأن المشكلة تتعلق بمدى عمق تعلّم أدمغتنا لاشتهاء المخدر، فمع تكرار العملية نفسها تصبح الوصلات العصبية أقوى ويصبح التخلص منها أكثر صعوبة وتمضي بدورها في تقوية ذاتها بصورة أكبر، في تلك النقطة يصبح إدراكك الحسّي أكثر حساسية لأي شيء يتعلق بالمخدر.


فما إن ترى تلك "السرنجة"، أو اتصال "الديلر"، أو حتّى الشارع الذي كنت تسير فيه للحصول على جرعتك، حتّى تُستثار فورا، فتندفع دفقات الدوبامين إلى منطقة الجسم المخطط، لتبدأ ثورتها من جديد، ولا تنتهي إلا ببلوغ الهدف (لفهم تلك النقطة راجع تقريرنا السابق "كيمياء اللذة: هل الإدمان مرض عقلي؟")، وهو الحصول على المخدر، بعد ذلك تصاب بحالة من الاكتئاب والشعور بالخسارة لأنك غير قادر على التحكم في نفسك، فيُعيدك ذلك إلى نقطة احتياج شديد إلى المخدر كي تصبح راضيا عن ذاتك، وهكذا تتكرر تلك الدورة التي تقوّي نفسها، ومن ثم -مع الزمن- تزداد قوة الوصلات العصبية الخاصة بها في الدماغ.


في أثناء تلك الدورة التي تتكرر، فتصبح إحدى عادات المدمن الأساسية شيئا فشيئا، يفتقد الدماغ تماما للقدرة على الاهتمام بنتائج المستقبل، في تلك النقطة يمكن أن نتعرف إلى اختبار المارشميلّو (Marshmallow Test)، في النسخة الأشهر منه نقوم باختبار مجموعة من الأطفال عبر تقديم عرض يقول: "خذ قطعة مارشميلّو الآن، أو انتظر ساعتين وخذ قطعتي مارشميلّو"، هنا نختبر قدرة كلٍّ منهم على التحكم في ذاته عبر تأجيل المكافأة والحصول على مكافأة أكبر مستقبلا، يمكن لك توسيع حجم الاختبار ليشمل كل شيء في حياتنا.


على سبيل المثال، هؤلاء الذين يدّخرون أموالهم لشراء سيّارة في المستقبل، والذين ينفقون أموالهم على التعلّم في سبيل الحصول على شهادة علمية قيّمة مستقبلا، والذين يخضعون لحميات غذائية ويمارسون الرياضة كي يحصلون مستقبلا على جسم متناسق قوي، هؤلاء الذين يمارسون "الصبر" في العموم من أجل تحقيق نتائج أكثر نجاحا مستقبلا، هم بالفعل أكثر نجاحا، هنا يجيء دور الإدمان الذي يطحن تلك القاعدة تماما فيقوم بـ "مغنطة" المدمن ليصبح كل تركيزه فقط على اللحظة الحالية، ليرغب فقط في متعة آنية لحظية ويحوّل كل تركيزه إليها، هنا يكون خطاب المدمن واضحا وصريحا دائما: "هيّا لننتشي الآن".

  

  
في الحقيقة فإننا في الحالة الطبيعة نميل إلى تعظيم شأن المكسب الحالي على المكسب المستقبلي، فتكون 100 دولار الآن أحب إلى قلوبنا من 1000 دولار مستقبلية، لأننا نفكر بشكل رئيس فيما سوف نحصل عليه حالا، لذلك السلوك جذور نفسية تطورية، فقد عاش الإنسان قبل عشرات الآلاف من السنوات في حالة من المجاعة والصراع الدائم، كانت المكاسب المستقبلية غير مضمونة، لذلك تطور جهازنا العصبي، والنفسي بالتبعية، ليرفع من قيمة المكاسب الآنية، فنطمح لها ويرتفع قدر الدوبامين في منطقة الجسم المخطط بدماغنا لحثّنا على الحصول عليها حالا والآن، لكن في حالة الإدمان فإن الإنسان يفقد بالكامل حالة التوازن التي تتحكم في تلك الرغبات وتنظمها، فلا يطمح فقط إلا للمكسب الآني بغض النظر عن أضراره، إنها الآلية نفسها التي تتسبب في إدمان الطعام، والإباحية، والإنترنت، لكنها -بفارق شاسع- أكثر تطرفا في حالة إدمان الأدوية.

تكلفة السجن
 وبجانب تحطيم قدرتك على التحكّم، المحدودة بطبعها، في تحديد طبيعة مكاسبك، فإن الإدمان يحطم كذلك قدراتنا الإدراكية، لفهم تلك الفكرة يمكن أن نتأمل مثالا يضربه دانيال كانيمان في كتابه "التفكير بسرعة وببطء" حينما يقول إن هؤلاء الذين اضطروا لحفظ عدد مكوّن من سبعة أرقام في أدمغتهم -في التجارب- كانوا أقل لياقة في حديثهم مع الآخرين، ذلك لأن جزءا من انتباهنا يذهب للحفاظ على هذه الأرقام في ذاكرتنا، الفكرة نفسها تجدها في هؤلاء الذين يقومون بالإجابة عن اختبارات ذكاء مع وجود هواتفهم الذكية بجوارهم، في المقابل من مجموعة أخرى توجد هواتفهم الذكية في حجرة أخرى، المجموعة الأولى تحصل على درجات أقل.

السبب في ذلك هو أننا، نحن البشر، لا نمتلك قدرات إدراكية لهضم كل المعلومات المحيطة بنا ومعالجتها، لذلك فإن انتباهنا يكون انتقائيا ومحدودا، حينما يحدث أن نفقد جزءا من هذا الانتباه فإن قدراتنا الإدراكية تنخفض بشكل درامي، في حالة الإدمان فإن الفكرة نفسها تنطبق بشكل درامي، حينما يلح الجسم المخطط المستثار بالدوبامين من أجل الحصول على الجرعة القادمة، بينما تحاول الامتناع عن الحصول عليها، فإن تلك الحفلة الصاخبة في دماغك، والتي تناديك بصوت عالٍ: "احصل على الجرعة القادمة الآن"، تنتقص من انتباهك وتركيزك وقدراتك الإدراكية بصورة قاسية، فلا تتمكن من التركيز على أي مهام أخرى بسهولة.

لهذه الأسباب الثلاثة (التكرار والاشتهاء، تحطيم القدرة على التحكم والنظر للمستقبل، ضرب القدرات الإدراكية) فإن التخلّص من الإدمان أمر غاية في الصعوبة، كما يرى لويس، لكنه يضيف أيضا أنه ليس مستحيلا كما تشير الفرضية التي تقول إن الإدمان مرض، رؤية لويس، والتي يدعمها بعدد كبير من الدراسات، هي إذن أن الإدمان مهارة، مثل ركوب الدرّاجة، شيء نتعلّمه، ولكن لا نتمكن بسهولة من تركه، لكنه ليس مرضا بالمعنى المفهوم، بل آلية دماغية تبني مجموعة من الوصلات العصبية بسبب اعتياد شيء ما، ويمكن لنا، مع بذل الكثير من الجهد، بوجود متخصصين في العلاج الدوائي والنفسي، أن نعيد الدماغ لحالة ما قبل إدمان المخدر، من تلك الوجهة: الإدمان هو عطب يمكن إصلاحه.

     
  
  
في النهاية، فإن أدمغتنا تتغير بشكل دائم، تشبه عامل الهواتف الذي يضع الوصلات في مكان ما ويخلعها من الآخر بشكل مستمر فيسمح لبعض الخطوط بالتواصل ويمنع البعض الآخر، تساعدنا تلك الحالة من المرونة في تصوّر الدماغ برؤية جديدة تتحدث عن الإمكانية، فرغم القسوة الشديدة لحالات الإدمان، تلك التي تمتد في طيف واسع يبدأ من إدمان الشيكولاتة وصولا إلى الهيروين، إلا أن التمرين القاسي في المقابل قد ينقذنا، في تلك النقطة يمكن أن نتأمل النتائج الأخيرة لإحدى الآليات النفسية الشهيرة (العلاج المعرفي السلوكي) في علاج أمراض كالوسواس القهري أو القلق أو الاكتئاب بمساعدة -أو بدون- الأدوية، أدمغة الخاضعين للعلاج تتغير وتعيد تشكيل وصلاتها شيئا فشيئا.


هل الإدمان مرض؟ تتصاعد النقاشات العلمية يوما بعد يوم حول إجابة هذا السؤال، ومع ذلك الجدل تتطور معارفنا، ونرى الإدمان بطرق جديدة لم نكن لنتصور وجودها، يوما ما كان يُنظر للمدمن على أنه شخص منحط، ثم تغيرت تلك الرؤية مع الزمن، ساعد ذلك المدمنين في إيجاد صدر عائلي ومؤسسي رحب لاحتضانهم بعد أن كانوا منبوذين، وطوّر من طرق الحصول على العلاج، ومع تلك الرؤى الجديدة التي تطرح نفسها كآليات سايكولوجية، بجانب الآليات العصبية، فإن هناك فرصة أفضل للحصول على العلاج، في النهاية فإن الثابت هو أن "تكلفة العلاج" أقل كثيرا من "تكلفة السجن".

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار