هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"احذر لدغاته القاتلة".. ما الفرق بين مدير صارم ومدير سيكوباتي؟

"احذر لدغاته القاتلة".. ما الفرق بين مدير صارم ومدير سيكوباتي؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 
   

هل التقيت به من قبل؟ إنه نوع خاص من المديرين يعرفه الجميع، للوهلة الأولى تظن أنه شخص طيّب، فهو يتحدث برفق مع مرؤوسيه، يضحك كثيرا، أنيق دائما، ويُظهر في حديثه معك أنه يهتم لك حقا، لكن شيئا فشيئا تكتشف أنه -في خلفية كل ذلك الإشراق- ذو جانب مظلم، يجذبك بالتدريج لأداء مهام تخدم مصالحه فقط، ثم تعرف بعد ذلك أنه كان يتلاعب بك دون أن تدري في البداية، فهو قادر بالفعل على دراستك طوال تعارفكما وفهم نقاط ضعفك وقوتك. خلال فترة ليست طويلة ينقلب الأمر، فمع هذا الوجه المشرق، يتحول مديرك للضغط عليك بشكل كامل، وهو ما قد يُحيل حياتك إلى جحيم!

 

ثعبان أنيق

في الحقيقة فإن إحدى الملاحظات المهمة في عالم السيكوباتية هي أنها أكثر شيوعا في المناصب الإدارية مقارنة بالجمهور العام. على سبيل المثال، في كتابه1 "ثعابين في بزّات: حينما يذهب السيكوباثي للعمل" (Snakes in Suits: When Psychopaths Go to Work)، يقول بول بابياك، المتخصص في علم نفس الجريمة، ورفيقه روبرت هير أستاذ علم النفس، إن نسب وجود صفات السيكوباتية في الجمهور العام هي 1%، بينما تتصاعد لتصل إلى 5- 6% بين المديرين بأنواعهم، النتائج نفسها كانت قد أكّدتها دراسة2 أسترالية صدرت قبل عدة أعوام.

 

على الرغم من ذلك، فإن نسب وجود السيكوباتيين في أماكن العمل مقابل الجمهور العام ما زالت محل جدل، في تلك النقطة يمكن لنا تأمل دراسة3 صدرت في العام 2014 من جامعة "هادرسفيلد" البريطانية تقول إن السيكوباتية تقترن بدرجات أعلى من الذكاء تُمكّن هؤلاء الأشخاص من امتلاك قدرات أفضل للتخفّي، كان هدف الدراسة هو توضيح أنه يمكن للسيكوباتي أن يخدع اختبار الشخصية ليشير إلى أنه ليس كذلك.

          

لكن المشكلة هي أنه يتمكن أيضا من التخفّي في أثناء ممارسة مهامه بالسيطرة على الآخرين، إلا أن وجوده في منصب قيادي سوف يُظهر ذلك بشكل أوضح، لذلك فإنه قد تكون هناك نسب متكافئة من السيكوباتيين لدى الجمهور والمديرين، لكن فرصة السيكوباتي كمدير تكون أكثر سهولة ووضوحا، ما يجعله أكثر ظهورا عن الجمهور العام، لكن اللافت للانتباه في هذا النطاق، بجانب الجدل حول نسب السيكوباتيين في أماكن العمل، هو الدور الذي يمكن أن يلعبوه.

 

لفهم هذا الجدل دعنا نبدأ بتوضيح أن أفلام هوليوود (تأمل "أميركان سايكو" على سبيل المثال) استطاعت أن تشوّه صورة أصحاب هذا النوع من اضطراب الشخصية، فتظهرهم كمجانين، أو مهووسين، أو قتلة حادّي الطباع، أو كآكلي لحوم البشر، أما في الواقع فإن الشخصية السيكوباتية هي أحد فروع اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، وتتضمن اجتماع4 ثلاث صفات أساسية في أحد الأشخاص بدرجة تتخطّى الحالة الطبيعية بفارق واضح، هذه الصفات الثلاثة هي: نقص التعاطف، ونقص الندم، بجانب السلوكيات المعادية للمجتمع. قد تجتمع هذه الصفات في شخص يبدو للوهلة الأولى طبيعيا، ويحتاج الأمر إلى فترة حتّى تكتشف أنه كذلك، وربما لا تفعل على الإطلاق.

 

الجانب المظلم للطبيعة البشرية

أضف إلى ذلك أن السيكوباتية هي إحدى الصفات المظلمة للشخصية البشرية، بمعنى أكثر وضوحا: تلك الصفة البشرية المظلمة موجودة في الجميع، لكن بدرجات متفاوتة، بعضها يُمثّل مرضا يستحق العلاج، والبعض الآخر قد يكون فقط موجودا ضمن طبيعة الشخصية بدرجة ما، لفهم ذلك يمكن أن نتأمل أربع دراسات جديدة5، نُشرت في دورية "السيكولوجيكال ريفيو" (Psychological Review)، وأجراها فريق دنماركي ألماني مشترك، قد أشارت إلى أن هناك ما يسمى بـ "المعامل المظلم" الذي يحاول أن يقدم، كاختبارات الذكاء، قيمة تحدد قدر "الظلامية" في شخصية الإنسان، هذا القدر يتنقل بالتدريج بين أقل حد ممكن، ويعبر عن جزء من طبيعة الشخصية البشرية، وأعلى حد ممكن، وهو الجانب المرضي الغاية في الخطورة.

  

من هنا يمكن أن ننطلق لفهم دراسة أخرى جديدة، صدرت فقط قبل عدة أيّام من جامعة آلاباما6، تحاول تقصّي الدور الذي يمكن أن تلعبه السيكوباتية في أماكن العمل بين المديرين، بالطبع يتفق الجميع على أن السيكوباتي، بتعريفه الواضح وحالاته المتطرفة، هو مدير فاشل، يحاول دائما أن يصل إلى أعلى المناصب حتّى يمارس هوايته في السيطرة على الآخرين، وبالفعل يتمكّن عبر التلاعب بعقول الرؤساء، بالترغيب أو الابتزاز، من الصعود إلى مراتب القمة، ويحدث ذلك غالبا بسهولة ويسر شديدين وخلال فترة قصيرة تصل إلى عدة سنوات فقط، لكنه على الرغم من ذلك يفسد العمل بشكل واضح.

       

ترى بعض الدراسات أن وجود درجة من السيكوباتية قد يكون مفيدا لأداء المدير، ذلك لأن السيكوباتية ليست -كما نتصوّر- قالبا واحدا باردا ومظلما،

مواقع التواصل 
            

حيث يعمل السيكوباتي على تركيز كل جهوده للسيطرة وليس الإنتاجية، تلك التي تأتي بالأساس بسبب وضع خطة تحسّن أداء الموظفين ولا تستغل طاقاتهم للتفكير فقط في إرضاء، أو الخوف من، المدير الخاص بهم، لذلك فإن الفترة التي يقضيها السيكوباتي كمدير عادة ما تكون عدة سنوات، لكن الإشارة الأكثر لفتا للانتباه هنا تجيء حينما نتحدث عن "درجات" من السيكوباتية لا تصل إلى مستوى المرض، أو مستوى متطرف في العموم، هنا يمكن أن نسأل7: ما الفارق بين السيكوباتي كمدير أو سياسي والسيكوباتي كمجرم؟

 

ما يفصل المدير أو السياسي عن المجرم، حسب وجهة النظر تلك، هو قدرتهم على تجنب الانخراط في السلوك المعادي للمجتمع بحيث لا يتم القبض عليهم، إنهم بالفعل يفتقرون إلى التعاطف، وهم على استعداد لبذل كل التنازلات الممكنة، وباستخدام كل القوة الممكنة، دون أي درجات من الندم، للوصول إلى أهدافهم، لكن هناك دائما قدر من الذكاء يمنع هذا الشخص من النزول إلى مرحلة يتعرّف الجميع إليه فيها، لهذا السبب فإن هناك يمكن لدرجات ليست عالية من الصفات السيكوباتية، وبالتالي ليست ملحوظة، أن توجد في وسط المديرين، ومؤسسي الشركات، وغيرهم من أصحاب المناصب القيادية.

 

السيكوباتية.. المفيدة!

ترى بعض الدراسات8 أن وجود درجة من السيكوباتية قد يكون مفيدا لأداء المدير، ذلك لأن السيكوباتية ليست -كما نتصوّر- قالبا واحدا باردا ومظلما، ولكن صفات كالاندفاع، والرغبة في السيطرة، وفقدان التعاطف يمكن أن تصبح -بدرجات غير مؤذية- آليات جيدة للإدارة، هنا سوف نُعبّر عنها بطرق مختلفة، فيمثل "الاندفاع" درجة من الجرأة والقدرة على الخوض في المخاطر، كذلك تكون "الرغبة في السيطرة" هي آلية جيدة لقيادة فعّالة دون إيذاء مرؤوسيك، أما درجة من "فقدان التعاطف" فقد تساعد في حالات التنافس مع الشركات الأخرى، ما تحدثنا عنه في هذه الفقرة هو ببساطة ما يمكن أن نسمّيه "الخلطة الرئيسية" لكل مدير تنفيذي ناجح.

 

لهذا السبب كانت دراسة9 من جامعة بون الألمانية، على 161 موظفا، قد أشارت إلى أن هناك أنواعا حميدة من السيكوباتية، تتميز بشكل رئيس بقدرة هذا الشخص على الهيمنة دون خوف (fearless dominance) على محيطه دون إيذاء، لكن تلك الدراسة تربط نجاح تلك الحالة بالحصول على قدر جيد من التعلّم المتقدم، أضف إلى ذلك أن هؤلاء غالبا ما يكونون أكثر ذكاء -في المتوسط- من رفاقهم، ما قد يعزز فرصهم في الوصول لأماكن أفضل، والتحكم في ذواتهم على حد سواء.

    

   

في تلك النقطة، يأخذ فريق علمي من جامعة إيموري الأميركية هذه الفكرة الأخيرة إلى مستوى آخر10 تماما، حيث قام باحثوه بعمل تحليل إحصائي لبحث أي من الصفات الشخصية السيكوباتية يمكن أن يتمثّل بشكل أكبر في رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، ليجد هذا التحليل أن هناك وجودا واضحا لتلك الصفة المهمة (الهيمنة دون خوف)، والتي يمكن النظر لها على أنها سلاح ذو حدّين، في درجاتها الأعلى تكون مرضية، وفي درجات منخفضة تسمح لك بالقيادة.

 

يرى الفريق أن أصحاب درجة الهيمنة يمتلكون أداء رئاسيا أفضل، وميلا طبيعيا للقيادة، وقدرة واسعة على الإقناع وإدارة الأزمات، حسب تلك الدراسة كان ثيودور روزفلت صاحب أكبر قدر من الهيمنة، تلاه كيندي، ثم فرانكلين روزفيلت، ثم ريغان، وصولا في النهاية إلى جورج بوش الابن، والذي امتلك الدرجة الأقل منها ضمن عيّنة11 قوامها 42 رئيسا أميركيا. وجدت الدراسة علاقة خطّية بين الأداء السياسي ودرجات الهيمنة المكتسبة بالأساس من صفات سيكوباتية.

 

ما الطبيعي؟

لكن ما سبق يفتح بدوره بابا لتساؤل آخر غاية في الأهمية، حيث: ما الطبيعي؟ لتحقيق فهم أفضل لهذه الفكرة دعنا نتأمل دراسة12 عرضية صدرت فقط قبل عدة أشهر لفريق من جامعة ييل يحاول أن يتقصّى ما يعنيه أن نقول عن ظاهرة نفسية ما إنها "طبيعية"، فبجانب أن هناك خطا ممتدا بين حالتين مثاليتين، يُمثّل مجالا واسعا من التغيرات المتدرجة من "لا يوجد" إلى "يوجد بشكل متطرف"، فإن بعض المشكلات قد تكون مفيدة للتكيف في المجتمعات.

 

خذ مثلا القلق، فرغم ما قد يسببه من اضطراب اجتماعي وعزلة للبعض من الناس، لكنه قد يدفع البعض الآخر إلى الإنجاز في بيئات العمل وتحقيق نتائج أفضل، هو كذلك ما يدفعك -في بعض الأحيان- إلى الإنجاز بشكل أفضل في امتحانات آخر العام، وبذلك قد تكون "درجة ما" من صفة ينظر إليها على أنها "غير طبيعية" ضرورية لتكون "طبيعيا"، هل تلاحظ هذا التناقض الغريب؟

 

بالتالي فإنه، في بعض المناطق الرمادية الفاصلة بين الطبيعي تماما والمرضي جدا، يمكن أن تلعب الظروف البيئية المحيطة دورا في جعل صفة ما مرضا أو غير ذلك، بالتالي فإنه، حينما يأتي الأمر للتحدث عن الحد الذي يُمثّل الفارق بين الصحة والمرض، في الأمراض النفسية والعصبية، فإننا أمام مشكلة كبيرة، بحيث لا يمكن أن تساهم صفة جينية أو سلوكية واحدة، أو حتّى نطاق بحثي واحد، في تحديد هذا الخط الفاصل، بل نحن في حاجة إلى تقييم أكثر شمولا.

   

   

في النهاية، فإنه، على مدى تاريخنا كبشر، لاقت تلك الفئة الخاصة جدا من الشخصيات (ذات الجوانب المظلمة) اهتماما شديدا من قِبل كل نطاق واسع من الفئات البحثية، فبجانب الفن والأدب والسينما، والتي وجدت فيها كنزا ضخما غذّى هذا النوع من الفن على مدى وجوده، اهتمت علوم الجريمة والاقتصاد السلوكي والعلوم العصبية في العموم بمحاولة فهم طبيعة تلك الشخصيات، واستخراج أسباب ظهورها في المجتمع البشري، ودرجات وجودها سواء بالمعدلات أو حدة الحالة ما بين الطبيعي تماما والسيكوباتي الأكثر اضطرابا.

 

أما في أماكن العمل، فإن المشكلة تتفاقم لتصبح تساؤلا عن وجود درجات من تلك الصفات كفائدة وليس فقط كاضطراب، لكن المجال البحثي الذي يدرس تلك المنطقة ما زال طفلا، يحتاج الأمر إلى الكثير من الجهد، والدراسات الأكثر تأكيدا، لتوضيح ذلك الحد الفاصل بين مدير صارم، وآخر مريض، يضغط عليك في العمل، يضع خطوطا حمراء لا تقدر عليها، يدفعك لتحضير القهوة من أجله، وشراء احتياجاته، ليس لأنه مشغول كما يدّعي، ولكن لأنه يستمتع بذلك! 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار