هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"كيمياء اللذة".. هل المدمن شخص منحط؟!

"كيمياء اللذة".. هل المدمن شخص منحط؟!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
  

كيف تتعامل مع شخص مدمن؟ على بساطة هذا السؤال، وظنك الشخصي أنه يتعلق بتجربتك الذاتية مع صديق أو قريب أو حتّى شخص في الشارع، فإن الإجابة عنه تؤثر بشكل قوي على سياسات التعامل مع الإدمان، ونتائج تلك السياسات بشكل واسع. في مجتمعاتنا العربية -على سبيل المثال- نتعامل مع المدمن كشخص منحط، لا أخلاق له، شخص أناني اختار أن يستمر في تلك العادة الخطيرة ويحطم حياته، لكن ماذا لو كان الأمر غير كذلك؟ ماذا لو كان الإدمان مرضا كالسكّري أو الضغط؟

 

كيمياء اللذة

لفهم تلك الفكرة دعنا نبدأ من احتياجات الإنسان الأساسية، نعرف أنها تبدأ من مهام كالأكل، وشرب المياه، والجنس، وربما الحاجة إلى الانتماء لجماعة، فذلك يعطينا قدرا واسعا من الأمان المستقبلي، لكن في خلفية ذلك كله يقع ما لا نعيره انتباها كبيرا لأننا لا نراه ولا نتعامل به، إنه الدوبامين(1) (Dopamine)، الناقل العصبي الذي يحفّز دماغك، فيدفعك للقيام من السرير صباحا والبدء فيما أنت منوط به من مهام، من غسل وجهك وصولا إلى الالتقاء مساء بالأصدقاء.

      

   

في الحقيقة، لا نعرف بعد إن كان الدوبامين مسؤولا فقط عن "تحفيزك" لفعل الأشياء، أم أنه يدفعك لأن "تريد" تكرار الأشياء التي تتسبب في إفرازه، لكن ما نعرفه هو أنه حينما يربت أحدهم على كتفك قائلا "عظيم، أداؤك رائع"، بعد عرض البيانو الذي قدمته على مسرح الجامعة، فإن الدوبامين هو المسؤول عن دفعك فيما بعد للانتباه بشكل أكبر لأدائك والعمل على تطويره، فتكون معزوفتك القادمة أفضل من سابقتها.

 

والأمر لا يتعلّق فقط باستمتاعك بما تفعل، دون دوبامين لن نفقد فقط استمتاعنا بالحياة، لكن ربما لن نمارسها أساسا، إنه أداة للبقاء، يدفعك للخروج من المنزل والذهاب إلى العمل بغرض إبقائك على قيد الحياة حينما تمارسها، يحتاج(2) جسمك إلى نصف (0.5) ميكروجرام فقط من الدوبامين لكل لتر كي يؤدي وظائفه العادية، تقوم من سريرك، تغسل وجهك، تتناول طعام الإفطار، تذهب إلى العمل، إلخ، أما في يوم تعيس، تجلس فيه طوال النهار على السرير، لا تشعر برغبة في القيام وفعل أي شيء، فإن كمية الدوبامين التي تتلقاها تقل بفارق بسيط لتصبح 0.4 ميكروجرام، وفي الحالة الأكثر سعادة، أفضل أيّامك، تلك التي تمارس فيها هوايتك المفضلة وتترك العمل وتعيش في منزل الأحلام، فتكون ميكروجرام واحد (1.0) من الدوبامين، تقل النسبة قليلا لتكون 0.92 ميكروجرام عند متعة ممارسة الجنس. متع واحتباجات حياتك كلها تتنقل انطلاقا من 0.4 إلى 1.0 ميكروجرام من الدوبامين فقط.

  

بين الفيات 128 والدودج!

الآن دعنا ندخل إلى الدماغ لنعرف كيف يتعلّم(3) الإدمان، هناك ثلاث مناطق دماغية تحكم تلك الآلية، الأولى هي القشرة أمام جبهية (Prefrontal Cortex). إنها هي المنطقة، في العموم، المسؤولة عن اتخاذنا للقرارات، والمراقبة الذاتية، تخيّل أنها قمرة القيادة في الطائرة، تلك التي تخرج منها القرارات النهائية التي تحكم سلوكك، أما الثانية فهي الجسم المخطط (striatum)، إنها ماكينة التحفيز في دماغك، خلالها تحدد أهدافك وتندفع لتنفيذها، أما الثالثة فتقع ضمن منطقة الدماغ المتوسط (Midbrain)، ويمكن اعتبارها مضخة الدوبامين.

   

   

يمكن لك، في تلك المرحلة، تخيّل شكل هذا التنسيق الثلاثي البديع، حينما ترى قطعة لحم شهيّة يندفع الدوبامين من مضخّاته ناحية الجسم المخطط، يمثل ما يشبه الوقود بالنسبة له، يشعل أجزاءه ويدفعه لتضييق نطاق رؤيته فيركز على هدف واحد، هنا يمتلئ عقلك بأفكار تتعلق فقط بالخطوات المطلوبة للوصول إلى هذا الهدف وتحقيقه، في تلك النقطة يظهر دور قمرة القيادة، والتي تحكم كل ذلك الاندفاع، في الحالات الطبيعية هناك حالة من التوازن بين نشاط ماكينة التحفيز وقمرة القيادة، هذا هو ما يعطينا حياة عادية، لكن الأمر يختلف بوجود المخدرات.

 

إذا حدث وأدمن أحدهم مادة مخدّرة(4) ما فإن تلك الوصلات القائمة بين قمرة القيادة وماكينة التحفيز، مع الوقت، تتلاشى شيئا فشيئا، فتفقد ماكينة التحفيز ما يمكن أن نسميه "المكابح" الخاصة بها لتنطلق في اللهث الدائم والمتكرر خلف هدف واحد فقط، إنه الحصول على الجرعة السابقة نفسها من الدوبامين، دون أي تدخل لقمرة القيادة، لكن لماذا يحدث ذلك من الأساس؟ لماذا ندخل في تلك الحالة من الإدمان؟

 

خذ "الميثامفيتامين" على سبيل المثال، بطل مسلسل "بريكنغ باد" (Breaking Bad)، والذي يتخطّى تأثيره في الدماغ الحد الأقصى للسعادة ليصل إلى 11 ميكروجراما لكل لتر، أكثر من 10 مرات ضعف الحالة الطبيعية التي يصنعها الدماغ. الحشيش والأفيون والكحول والهيروين، كلها تدفع بالدوبامين في دماغك إلى كمّيات تسبق بفارق واضح استقبالك الطبيعي، إنه بالأساس ما يتسبب في تلك الحالة من النشوة الشديدة بسبب تعاطي المخدرات، لكن تلك النشوة لا تستمر كثيرا.

 

لفهم تلك النقطة تخيّل أن لديك سيّارة ماركة "فيات 128"، إنها طراز سنة 1979، كثيرا ما تتعطل، لا يمكن بسهولة أن تذهب لأماكن بعيدة، كذلك فإنها بطيئة، لكن في وقت ما كانت هذه الـ "فيات 128" هي كل ما تملك، كان مجرد ركوبها يعطيك بعض النشوة، بعض الشعور بأنك تمتلك سيّارة، أيًّا كانت قدراتها. سوف تضع نفسك، بوجودها، في نادي أصحاب السيّارات، وسوف تتحدث مع أصدقائك عن إمكاناتها وأنت سعيد، وربما سوف تقيّمها بسعر أغلى مما يمكن أن تساويه حينما يطلب أحدهم شراءها، لكن ماذا لو حدث أن امتلكت، في مسابقة تلفزيونية ما، سيّارة "دودج" فارهة؟

    

   

هنا سوف يتغير منظورك ناحية السيّارة القديمة شيئا فشيئا، ستود لا شك -بشكل طبيعي- أن تستخدم السيّارة الجديدة بشكل دائم، إذا حدث واضطررت لقيادة الـ "الفيات" فسوف تكون أقل سعادة، هذا -تعبير مبسط للتقريب فقط- هو الفارق بين الحالة الجديدة (وجود المخدرات)، والحالة الطبيعية (مستويات الدوبامين الطبيعية). في حال إدمانك للمخدر، أيًّا كان، فإنك لا تحصل على القدر نفسه من السعادة الذي كنت تحصل عليه في مناسبات عادية كأعياد الميلاد أو الجلوس مع الأصدقاء للتسامر أو اللعب مع إخوتك أو حتّى الذهاب للمتجر من أجل شراء مستلزمات طعام الغداء.

 

الإدمان كمرض

الأمر بالطبع أكثر تعقيدا، وقسوة لا شك، من ذلك المثال البسيط. إنه السبب في أن يتحول المدمن إلى لص فيسرق خاتم جدته الذهبي ويضرب أخته من أجل الحصول على نقودها، ذلك لأن حاجتنا إلى الدوبامين، وغيره من النواقل العصبية التي تخدم الوظائف نفسها، ليست مجرد احتياج طبيعي إلى السعادة، لكنها أداة للبقاء، تتعامل أدمغتنا مع وجوده كما تتعامل مع حاجتنا إلى الطعام والشراب، امنع شخصا من الطعام لمدة أسبوع أو أكثر وشاهده يبحث عن الطعام في سلّات القمامة، ذلك لأن حاجته إلى البقاء تُسيطر على كل سلوكه، الآن نتحدث عن الإدمان.

 

لكن المشكلة التي نود أن نتحدث فيها لا تتعلق فقط بتلك النقطة، امنع المدمن عن المخدر، نظّف جسده بالكامل منه، واتركه ليحاول أن يعيش حياة طبيعية من جديد، لكن ذلك لا يحدث، لأن وصلات دماغك العصبية قد تغيرت، في تلك الحالة تنخفض كمّيات الدوبامين الطبيعية لما هو أقل من 0.4 لكل لتر، وصولا إلى 0.1 ميكروجرام لكل لتر، هذا القدر من الدوبامين لا يكفي لكي تتحفز للخروج من السرير وأداء وظائفك اليومية، بالتالي سوف تحتاج إلى جرعتك من جديد، لهذا السبب أمكن اعتبار الإدمان، على مدى العقود الماضية، مرضا، لأن إدمان المادة المخدرة يخلق حالة قهرية من الحاجة إليها من جديد، ولهذا السبب أيضا يتسبب الإدمان بدوره في اضطرابات عقلية أخرى بعد الوقوع في أسره.

 

أضف إلى ذلك أن أدمغتنا تطور درجة من "التعوّد" على ما تتلقاه من مواد كيميائية، تسمى تلك الحالة بالتحمّل(5) (Tolerance)، وهي عادة طبيعية تعني استجابة الشخص المتناقصة لتأثير دواء ما مع الاستخدام المتكرر، لكن في حالة المخدرات فإن الأمر يصبح أكثر قسوة. في الكوكايين مثلا، فإن جرعة ثانية منه بعد 40 دقيقة من الأولى لا تؤدي إلى زيادة النشوة بالقدر نفسه، أما في حالة الأفيون فإن الأمر يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك، لكن خلال أسابيع يبدأ المدمن في رفع جرعته للتأثير المطلوب نفسه، أو ينتقل لطرق أكثر فاعلية لإدخال المخدر إلى جسده، في النهاية يصل الشخص إلى مرحلة يأخذ فيها جرعة المخدر لمجرد الوصول للحالة الطبيعية.

   

   

تعرّف الهيئة القومية الأميركية(6) (NIDA) الإدمان على أنه: مرض دماغي مزمن يصحبه وجود انتكاسات، يتميز بوجود شعور قهري للبحث عن، واستخدام، المخدرات، بالرغم من أضرارها. يعتبر الإدمان اضطرابا في الدماغ لأنه يشتمل على تغييرات وظيفية لدوائر الدماغ التي تشارك في المكافأة والتوتر والتحكم في النفس، وهذه التغييرات قد تستمر لفترة طويلة بعد توقف الشخص عن تناول المخدرات، لذلك فإن صور الأشعة الدماغية قد بيّنت أن مناطق الدماغ المسؤولة عن القدرة على الحكم، صنع القرارات، التعلم، الذاكرة، والسلوك، تتقلّص بشكل واضح وتدريجي خلال فترة الإدمان. في الحقيقة فإن تعريف الإدمان كمرض جنّب البشرية مشكلات أخلاقية، قبل أربعين سنة مضت تعامل الناس مع المدمن على أنه شخص غير أخلاقي، أناني، وقح، أو منحط، لا يفكر إلا في رغباته، أما التفكير فيه كشخص "مريض" فقد أعاد المدمن للحياة العامة مرة أخرى، كشخص يجب أن يُعالج بسبب إقدامه على فعل قهري.

 

أدّى ذلك إلى عدة نتائج مختلفة، منها مثلا إعادة توزيع التمويل الخاص بالبحث العلمي في هذا المجال ناحية ابتكار علاجات أو آليات علاج سلوكي مناسبة للتعامل مع هذا "المرض"، فالإدمان الآن ليس -بشكل واضح- اختيارا، لكن وقوع الإنسان فيه أصبح أشبه بالوقوع في أسر أي مرض عقلي آخر لا يمكن لك التخلّص منه عبر "الإرادة" فقط، ولكن تطلب الأمر ما هو أكثر من ذلك، صعودا إلى السياسات الطبية الخاصة بالتعامل مع المدمنين.

 

كذلك ساهم ذلك البارادايم في إعادة(7) تشكيل خريطة التعامل مع الإدمان؛ فمع كون الدماغ هو موضع العطب، عني ذلك أن أهم المراحل التي يمكن أن نحذر منها، وتعمل السياسات الدولية على توعيتها جيدا بشأن الإدمان، هي المراهقة، في تلك المرحلة يكون الدماغ مرنا بشكل أكبر، قادرا على تقبل، إضافة، أو حذف، الوصلات بين الخلايا العصبية، ما يعني أنه مُعرّض بصورة أكبر للوقوع في أسر الإدمان، تلك الفكرة هي ما حرك برامج الفحص والتوعية العالمية تجاه المراهقين كفئة رئيسية.

 

لكن، في الجهة الأخرى من هذه المزايا، تفرض تلك الرؤية التي تتعامل مع الإدمان كمرض (بصورة كاملة) عددا من المشكلات، فمثلا تدفع تلك الرؤية لتصور متشائم يقول إن الإدمان لا علاج له، ما إن تدخل لدائرته حتّى تمكث فيها بقية عمرك، يناقض ذلك بعض البيانات التجريبية، فمثلا -في السبعينيات من القرن الفائت- حينما قرر لي روبنز(8)، عالم الاجتماع الأميركي، فحص الفارق بين نسب الجنود الأميركان الذين أدمنوا الهيروين بينما كانوا في حرب فيتنام، ونسبهم بعد أن عادوا للولايات المتحدة، وجد أن 93% من المدمنين العائدين أقلعوا عن الهيروين تماما، ما يعني أن الإقلاع عن الإدمان ليس بتلك الصعوبة التي تصوّرها فرضية "الإدمان المرضي"، كذلك فإن الأمر يتعلق بسياقات متعددة اجتماعية وسياسية واقتصادية ولا يعتمد فقط على الفسيولوجيا العصبية.

   

   

سوف نفرد لتلك النقطة -قريبا- تقريرا كاملا يناقشها بقدر واسع من التفصيل حينما نتحدث عن كتاب عالم الأعصاب الشهير، والمدمن السابق، مارك لويس، لكن الفكرة الرئيسية التي نود أن ننقلها لك -هنا والآن- هي أن التعامل مع الإدمان كمرض يضعنا، كأصدقاء أو أقرباء للمدمن، أو فقط مجرد مواطنين نعيش معه بالمجتمع نفسه، في دائرة المسؤولية، فهو الآن ليس مجرد منحط(9) يود سرقة أموالنا للحصول على الجرعة القادمة، لكنه مريض يحتاج إلى دعم، يمكن لنا مساعدته بوضعه في اتصال مباشر مع الجهة المختصة، ودعمه نفسيا ليستكمل رحلته الطويلة مع هذا الطريق الغاية في الطول والقسوة.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار