اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/27 الساعة 18:40 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/12 هـ

انضم إلينا
الوهم.. لماذا تعتقد أنك ستقوم بالأمور أفضل من الآخرين؟

الوهم.. لماذا تعتقد أنك ستقوم بالأمور أفضل من الآخرين؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

إلى أية درجة تثق في قدراتك على قيادة السيارة؟ لنتخيل أنك ذاهبٌ في رحلة مع الأصدقاء، وسوف تقطع مسافة طويلة للوصول إلى الهدف، في منتصف الطريق يقترح أحد الأصدقاء أن يتولى قيادة السيارة بينما ترتاح أنت مع البقية، وبالفعل يصادف ذلك أن تكون مرهقًا لتسمح له باستكمال الرحلة، لكن ماذا لو سألناك بعد الوصول، عن احتمالات أن تحصل حادثة ما للسيارة بينما تسيرون على الطريق، أيهما أكثر احتمالًا للحدوث: أن تحصل الحادثة أثناء قيادتك أنت للسيارة، أم أن احتمالات حدوثها أكبر حينما لا تكون أنت أمام عجلة القيادة؟

      

هنا، سيجيب معظم الناس على هذا السؤال بالقول إن احتمالات حصول الحادثة ترتفع باستلام الآخرين لعجلة القيادة، وليس معهم، في الحقيقة إن أول شعور يتسرب إلى أعماقك بعد أن تشتري سيارتك الأولى وتقودها لفترة هو أن ركوب سيارة أخرى بجانب آخرين شيء مرعب، نحن لا نشعر بالأمان ربما إلا حينما نقود نحن السيارة، رغم أن ما نعرفه، بطبيعة الحال، هو أن الاحتمالات واحدة في الحالتين، لكن لتفسير سبب ذلك التوجه، فإننا بحاجة للعودة قليلا بالزمن حتى نصل إلى سنة 1975 حينما نشرت ايلين لانجر1 Ellen Langer، ذات الثمانية وعشرين ربيعًا، والتي كانت للتو قد حصلت على شهادة الدكتوراة في علم النفس من جامعة ييل، ورقة بحثية2 تحاول أن تتساءل فيها عن العلاقة ما بين "الحظ" و"المهارة"!

     

ما بين الحظ والمهارة

         

بالطبع نعرف أن هناك فارق واضح بين الموضوعين، المهارة هي شيء نكتسبه بالخبرة والتمرن، شيء يخضع للتحكم الدقيق، من المفترض بعد أن تتمكن كطبيب أعصاب تدرَّب لمدة خمس سنوات من أن تكون ملمًا بمجموعة من الحالات المرضية، فإنك ستعي جيدًا ما يمكن أن تفعله في حالة كتلك، أو هذه، أية أدوية يمكن أن تأخذها، كيف نتابع الحالة؟ كيف نقرا تاريخها المرضي؟ إلى اي درجة تتطور الاعراض وكيف يمكن أن نتخذ قرارًا عند المراحل المتتالية بناء على كل ذلك، من جهة أخرى، فإن الحظ هو صدفة، شيء لا يمكن لنا التحكم فيه، ليس كقدرتنا على دراسة العلاقات السببية بين الأشياء من خلال مهاراتنا، هذا الفارق واضح لكل شخص، أليس كذلك؟!

    

ليس تحديدا، لكن لفهم ذلك دعنا نبدأ باستعراض بعض التجارب، أو "بعض الألعاب". في الحقيقة، يمكن القول إن ما يمتع حقًا ويدعو الذهن للتأهب هو الآلية التي يصمم بها باحثو علم النفس الاجتماعي تجاربهم، في التجربة الأولى مثلًا سوف نقنع مجموعة من طلبة جامعة ييل أنهم مقدمون على اختبار يحاول أن يربط بين الصفات النفسية والفيسيولوجية للبشر، سوف نسأل الخاضع للتجربة مثلًا في امور حياتيه كالعمل والطفولة والزواج والتعليم ... الخ، وفي نفس الوقت نقيس بعض أرقام المؤشرات الحيوية الخاصة به كالضغط، نسبة الدهون في الدم، أو الاملاح مثلًا، لوهمه أننا بالفعل نحاول تقصّي ذلك الرابط.

    

في منتصف ذلك كله سوف نقسّم3 الخاضعين للتجربة لمجموعتين، سوف يدخل كل فرد من أفراد المجموعة الأولى في حجرة ما ليجد متسابقًا آخر تم اختياره ليبدو واثقًا في نفسه، أما في الغرفة الأخرى يدخل كل فرد من المجموعة الثانية ليجد من ينتظره هو شخص لا يبدو واثقًا في نفسه، سوف نحاول أن نقنعه بذلك عبر عدة مؤشرات منها مثلًا أن نجعل الشخص الذي يبدو واثقًا من نفسه يرتدي بشكل مناسب، بينما سوف يرتدي الآخر سترة تبدو ضيقة بعض الشيء، هنا سوف يجلس هذا المنافس أمامك - في الغرفتين - لكي تلعبا بأوراق الكوتشينة.

    

لا أنت، ولا المنافس، يعرف أن التجربة قد تم تصميمها لقياس شيء آخر، تم تصميم التجربة كذلك لكي لا تتدخل ميولكما الشخصية أو انحيازاتكما للتأثير في نتيجة التجربة، وما نختبره بالفعل هو قدرتك على الرهان في الحالتين (منافس واثق من نفسه/ منافس غير واثق من نفسه) على صواب اختياراتك، واللعبة هي أنك تختار مجموعة من أوراق "الكوتشينة ويختار الطرف الآخر مجموعة أخرى، ثم في أربعة جولات متتالية تضع ورقة على الطاولة، ويضع المنافس ورقة، من يحصل منكما على قيمة أعلى (لتكن ورقتك مثلا تحمل الرقم 7 وورقته تحمل 3) يكسب هذا الرهان، لكن في كل جولة سوف نمنعك من معرفة النتيجة، فقط سوف ترفع قيمة رهانك على نفسك، والورقة خاصتك، ليراها مدير التجربة، ثم تدخل للجولة الثانية، وهكذا ..

           

        

هنا تجيء النتائج لتقول إن هؤلاء الذين جلسوا أمام منافس يبدو واثقًا من نفسه وضعوا رهانات أقل بشكل ملحوظ عن هؤلاء الذين جلسوا أمام متسابق لا يبدو واثقًا من نفسه، رغم أن الورق قد تم خلطه بشكل عشوائي تمامًا، ورغم أن الخاضع للتجربة قد كان يعرف ذلك ورآه بوضوح، لكنه لسبب ما كان يظن أن تلك الأوراق العشوائية هي أمر يمكن التحكم فيه بمهارة، فقط لأن الجالس أمامه بدا غير واثق من نفسه حينما التقيت به لأول مرة، لكن ما الذي يعنيه ذلك؟

    

وهم التحكم
ذلك هو ما نسمّيه بـ وهم التحكم4 Illusion Of Control، وهو ما تعرفه لانجر على أنه "اعطاء نفسك احتمالات أكبر في قدرتك على التحكم بأمور تقول الحقيقة الموضوعية أن الاحتمالات فيها أقل من ذلك"، ويعني ذلك أننا لا نتمكن دائمًا من الحفاظ على الفارق الواضح بين الأمور التي لا يمكن التحكم بها، الصدف، الأشياء التي نعرف موضوعيًا أنها تحدث بشكل عشوائي، كتوزيع ورق الكوتشينة، والأمور التي تتعلق بمهاراتنا، تلك التي يمكن لنا التحكم في المعايير التي تحكمها بقدر من الوضوح، وتتدخل عوامل أخرى جمّة لدفعنا إلى التعامل مع أمور لا يمكن التحكم بها على أن التحكم بها ممكن.

    

هذه العوامل قد تكون "التنافس" كما رأينا منذ قليل، لكن مثلًا دعنا نقسم الخاضعين للتجربة5 إلى مجموعتين، سوف نخبر الجميع أننا بصدد سحب ورقة يانصيب مصنعة خصيصًا لهم، بمعنى أن كل فرد منهم سوف يشتري ورقة يانصيب بقيمة 1 دولار مثلًا، ثم بعد ذلك نقوم باقتراع وتحصل الورقة الفائزة على مجموع النقود من 50 فردًا في شركة ما، لكن اللعبة هنا سوف تكون أننا مع المجموعة الأولى سوف نأخذ منهم الدولار ثم نعطيهم ورقة يانصيب واحدة في يديهم، أما في المجموعة الثانية سوف نعطيهم علبة تحتوي على ورقات اليانصيب ليختاروا منها ورقتهم التي دفعوا مقابلها 1 دولار.

    

بعد أسبوع، وقبل يوم واحد من سحب الورقة الرابحة، سوف نوهم كل الخاضعين للتجربة، بشكل فردي، أن هناك، لسبب ما، من يود شراء ورقة اليانصيب الخاصة بهم، ثم يُسأل كل فرد عن القيمة التي يضعها للورقة الخاصة به، هنا سوف تأتي النتيجة لتقول أن أصحاب المجموعة الأولى الذين لم يمتلكوا حرية اختيار ورقة اليانصيب الخاصة بهم قد وافقوا على بيع ورقة اليانصيب الخاصة بهم مقابل حوالي 1-2 دولار، أما أفراد المجموعة الأخرى من الذين تُركت لهم حرية اختيار ورقة اليانصيب فقد تنازلوا عنها فقط حينما تخطى المبلغ 8 دولارات إلى 9، إنه فارق شاسع، لماذا اتخذت المجموعات المختلفة قرارات بهذا الاختلاف؟

   

ببساطة، لأن هذا الشخص الذي سُمح له باختيار تذكرته تصور أن له القدرة على التحكم في نتائج اليانصيب، ما جعله أكثر ثقة أنه قد يكون الفائز، بينما هؤلاء ممن لم تعط لهم التجربة حق الاختيار اعتقدوا أنها تذكرة عادية، ما يعني أن إعطائنا حق الاختيار، فقط امكانية الاختيار، دفع بوهم التحكم إلى عقولنا وتصورنا أن شيء بتلك الدرجة من العشوائية المعتادة، يمكن التحكم به، في الحقيقة سوف نحصل على نفس النتائج في كل مرة يعتقد فيها الشخص أن له القدرة على الإختيار بين عدة احتمالات، أو أن له علاقة بتلك الحالة كما في سؤالنا الأول عن قيادة السيارة، أو حينما يكون موضوع التجربة مألوفًا لديه، ورغم أن الحالة عشوائية بشكل موضوعي، ورغم معرفتنا بذلك، إلا أننا نتصرف وكأننا قادرين على التحكم بها.

           

      

لماذا نتوهم التحكم؟
يمكن لنا تفسير وهم التحكم بعدة طرق، لكنها جميعًا تتعلق بالفكرة القائلة أننا، نحن البشر، أكثر ضعفًا من أن نواجه الحقائق، للوهلة الأولى يبدو ذلك ادعاءًا فانتازيًا بعض الشيء، لكن دعنا نبدأ بالقول أن الإنسان هو كائن مدفوع للشعور بالتفوق، هذا هو ما نسميه بـ "وهم التفوق6" (illusory superiority)، وهو اعتقاد الناس الخاطئ عن تفوقهم على الأفراد الآخرين، حيث يقوم الواحد منّا بتضخيم حجم صفاته الإيجابية وتصغير صفاته السلبية، يصل الأمر إلى درجة أن 90% من طلبة جامعة لنكولن7 نيبراسكا يدّعون أن مستواهم أعلى من المتوسط، 90% من سائقي سيارات8 الأجرة الأميركان يدّعون أن قدراتهم أعلى من المتوسط، 87% من دارسي ماجستير إدارة الأعمال في ستانفورد9 يظنون أن مستواهم الدراسي أعلى من المتوسط.

   

لكن لانجر، ربما، تمد الأثر إلى ما هو أكثر عمقًا من ذلك، فهو لا يتعلق فقط بمدى قدرة الشعور بالمهارة، أو رغبة الواحد منا في تسيّد محيطه عن طريق امتلاك القدرة لهزيمة "الاحتمالات"، على تحقيق الرضا الذاتي، لكن وهم التحكم هو - بشكل ما - وسيلتنا لكي نستطيع البقاء في هذا العالم، حيث أن التصور غير الواقعي للسيطرة على حدث وشيك يقلل من مخاوفنا تجاهه، ما يحمسنا للمضي قدمًا في خططنا، ونحن نعرف أن هناك رابط واضح بين عدم قدرتنا على التحكم في الأمور وارتفاع درجات القلق تجاهها داخلنا، بل يمكن لنا عبر تأمل العلاقة الطردية بين الإكتئاب المرضي وشعور الشخص بعدم القدرة على التحكم لفهم تلك الفكرة، هذا هو التعريف الأقرب لكلمة نعرفها جيدًا، العجز.

   

لذلك، يشير البعض إلى أن تلك التحيزات المعرفية10، كانت "وهم التحكم" أو "وهم التفوق" أو غيرها، ربما هي بقايا تطورية نفسية تحاول أن تضعنا في المركز دائما كي ننقذ ذواتنا في هذا العالم القلق، المتوتر والعشوائي بطبعه، لقد كانت، ربما، محاولة من أسلافنا للتكيف، ثم بقت معنا وطبقناها بشكل غريزي في عالمنا المعاصر، ورغم كل ما يمكن أن يثيره ذلك من حاجه للتأمل، لكن في الأخير نصل إلى نتيجة مفادها أننا نقدّر ذواتنا بشكل أكبر من الطبيعي، الإنسان لا يصدّق أنه غير عقلاني، أو غير قادر على التحكم، وتلك هي أزمته كما يبدو، فهو حينما يظن أنه كلما دفع الزهر في لعبة "الطاولة" بقوة أكبر يحصل على رقم أكبر، يحاول أن يطبق نفس الآلية التي حفزّت أسلافه من البشر على البقاء في عالم قليل الطعام ومليء بالوحوش.

   

في الحقيقة يفتح المثال الأخير عن دفع "الزهر" المجال للتعرض إلى تصور11 آخر حديث عن كيفية وقوعنا في أوهام التحكم، حيث يمكن تصور وهم التحكم على أنه تفاعل يحدث بين حالتين، الأولى هي الرغبة في الحصول على نتيجة ما، والثانية هي تصورنا أن هناك رابط طردي بين الفعل الذي نتخذه وتلك النتيجة، فكلما كانت رغبتنا أكبر في الوصول لنتائج محددة تصورنا بالخطأ أن هناك ضرورة لاتخاذ فعل مناسب في الحجم لرغبتنا، يشبه ذلك أن نضغط بقوة أكبر على زر الأسانسير فنتصور أن ذلك قد يدفعه لنا بشكل أسرع.

             

حينما نتوهم التحكم في كم أكبر من الطبيعي من متغيرات حياتنا اليومية نضع خططًا مستقبلية، وكلما كانت أوهامنا أكبر كلما فشلت خططنا، وهو ما يصيبنا بالإحباط

أن سبلاش
        

ينقلنا ذلك إلى تأمل مفهوم آخر في علم النفس الاجتماعي نسميه "الوهم الإيجابي12 Positive Illusion"، ويعني قدرة بعض الأوهام الادراكية على تحسين قدراتنا العقلية والصحية، يتصور بعض الباحثون في هذا المجال أن هناك ما نسميه بالواقعية الإكتئابية13 Depressive realism، وهو مفهوم ظهر أواخر ثمانينات القرن الفائت يقول أن الأشخاص المكتئبين يطورون استنتاجات واقعية بدرجة أكبر من الأشخاص العاديين، لكن يجب هنا أن نوضح أن هذا النطاق البحثي لازال يواجه الكثير من الجدل في الوسط العلمي14، ويظن البعض أنه غير حقيقي، اصابتك بالاكتئاب لا تجعلك كثر واقعية، أضف لذلك أن هناك جانبًا ربحيًا يدخل من تلك الثغرة لإيهام بعض المرضى أن هناك علاج لمشكلاتهم عبر ايهامهم بشكل ما.

   

من جهة أخرى، يمكن القول أن هذا النوع من الأوهام الإدراكية، ربما في حالات متطرفة، قد يتسبب، هو ذاته، في الاكتئاب، أو - على الأقل - الانسحاب من التفاعل الاجتماعي، إنه يشبه ما نقابله مثلًا حينما نوهم أطفالنا أنهم أذكياء وعباقرة لكن حينما يذهبون للمدرسة يجدون أنهم متوسطي القدرات ككل زملائهم، إن ما نفعله حينما نتوهم التحكم في كم أكبر من الطبيعي من متغيرات حياتنا اليومية هو أننا نضع خططًا مستقبلية على هذا الأساس، لكن كلما كانت أوهامنا أكبر كلما فشلت خططنا، وهو ما يصيبنا بالإحباط.

    

لماذا نلوم الضحية؟
ربما تكون أخطر مشكلات هذا النوع من الأوهام الإدراكية هو تطويرنا، كبشر، لمفاهيم تمنع العشوائية من العالم تمامًا، ما قد يتسبب في كارثة، وهنا أقصد ما سمّاه ميلفن ليرنر Melvin Lerner، أستاذ علم النفس بجامعة ووترلو، في الستينات، بفرضية العالم العادل15 Just-world hypothesis، تلك التي طورها حينما لاحظ أن العاملين بالمستشفى الذي يعمل به كنفساني إكلينيكي، رغم أنهم على درجة عالية من التعليم، إلا أنهم تعاملوا بازدراء مع المرضى النفسيين، كذلك حينما لاحظ أن طلبة قسم علم النفس يحطون من شأن زملائهم الفقراء.

     

فرضية العالم العادل هي ميل البشر للاعتقاد أن العالم عادل تمامًا، حيث لكل فعل رد فعل مساو له في القيمة، ولذلك فإن كل انسان منّا يستحق ما يحدث له، لكن على ما تطرحه تلك الفرضية عن العالم العادل من جدل فلسفي، إلا أنها تطرح كذلك مشكلة إضافية غاية في الخطورة، لكن لفهمها دعنا نتأمل إحدى أشهر تجارب ميلفن ليرنر، وهنا نحتاج أن نصعق إحدى الفتيات بالكهرباء كلما أخطأت في الإجابة على أسئلتنا، ماذا؟!

              

أحد المشكلات الأساسية التي تواجهنا، أننا نحاول تجنب عدم اليقين قدر إمكاننا، تجنب فكرة أن العالم اليومي يخضع بشكل أكبر بكثير مما نتصور للاحتمالات التي لا يمكن لنا التحكم فيها مهما بلغنا من قدرة على الفهم

أن سبلاش
        

بالطبع لن نصعقها في الحقيقة، لكننا سوف نجمع 72 سيدة16 ليشاهدن فتاة تجلس على كرسي، تلك الفتاة تتلقى من شخص ما أسئلة حول عدة موضوعات، لكن هذا الشخص يوهمهم أنه يدفع بشحنة كهربائية تصعق الفتاة كلما أخطأت في اجابة سؤال ما، في البداية انزعجت الخاضعات للتجربة من هذا الوضع، لكن بعد فترة طوّرت نسبة كبيرة منهن فكرة تقول أن تلك الفتاة، لسبب ما، تستحق ما يحدث لها لأنها تجيب اجابات خاطئة، أو أن تلك الصعقات الكهربائية هي ربما دفعة لكي تتعلم بشكل جيد، وكلما ارتفع كم الأذى الذي تعرضت له الفتاة كلما انتقصت الخاضعات للتجربة من شأنها، لكن هذا الإنتقاص قل فورًا حينما علمن أن تلك الفتاة سوف تحصل على تعويض لما حدث لها.

   

إن ما حدث هنا هو أن الخاضعات للتجربة قد طورن آلية لعقلنة ما يحدث على أنه شيء متوقع، أو نتيجة طبيعية للسياق الذي تدور فيه أحداث العالم، حيث لا يمكن لنا بسهولة قبول فكرة أن تلك الفتاة تتعرض، فقط من دون مبرر، للظلم، لابد أن هناك سبب ما اذن، والسبب يتعلق بالضحية، لأن تعرضها للظلم يعني أنها أخطأت في شيء ما، كانت نظرية ميلفن هي إذن ما يفسر لوم الناس للضحية، في تلك المنطقة من حديثنا لا يمكن إلا أن أتذكر واقعة شهيرة تم خلالها سحل مواطنة مصرية من قبل رجال الأمن، في المقابل كانت تعليقات البعض هي "ايه اللي ودّاها هناك؟"، وهو نفس الذي نراه حينما يحط البعض من شأن الشعوب لأن لها حاكم فاسد، فيقول أن السبب ليس في الإدارة، ولكن لأنها "شعوب جاهلة" تستحق - كما يرى - ما يحدث لها.

     

سوف نفرد في القريب العاجل، لأن المساحة لا تسعفنا هنا، تقريرًا أكثر تفصيلًا لفهم فرضية العالم العادل وأثرها على تصوراتنا عن حياتنا، ومواقعنا في هذا المجتمع، لكن ما يهم الآن هو فهم ما أظن أنه أحد المشكلات الأساسية التي تواجهنا كبشر، فنحن، كما يبدو، نحاول تجنب عدم اليقين قدر امكاننا، تجنب فكرة أن العالم اليومي الذي نعيشه يخضع بشكل أكبر بكثير مما نتصور للإحتمالات التي لا يمكن لنا التحكم فيها مهما بلغنا من قدرة على الفهم، ذلك لأن تلك، ربما، هي طبيعة العالم، ونتوهم في المقابل أن لنا القدرة على التحكم في كل تلك الاحتمالات.

      

نعم، قد يتسبب ذلك في اعطائنا بعض الأمان في كون واسع لا نفهم الكثير عنه، بل قد يمثل تصورنا بفقدان التحكم سببا في انعزالنا عن العالم والتقوقع حول ذواتنا، لكن المشكلة الإضافية التي نواجهها هنا هي أننا نعتمد تلك الأوهام الإدراكية، سواء وهم التحكم أو غيره ضمن قائمة طويله في علم النفس الاجتماعي، كاستراتيجيات لحل مشكلاتنا اليومية، ونتصور أننا على صواب، وأن حدوث خطأ ما هو أمر لا علاقة له بنا، سوف يدفعنا ذلك أن نجد دائما مبررات لخساراتنا، ومشكلاتنا مع الآخرين، لفشلنا في العمل، الدراسة، أو الحياة العاطفية الخاصة بنا، بينما الأزمة الرئيسية تتمثل في أننا على درجة من اللاعقلانية في تصرفاتنا، ولذلك فالمشكلة دائمًا هي مشكلتنا نحن، من هنا قد يبدأ التغيير في الحدوث.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار