اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/5 الساعة 18:48 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/20 هـ

انضم إلينا
الدين والعلم.. من اقتحم مساحة الآخر؟

الدين والعلم.. من اقتحم مساحة الآخر؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

العلم والدين، صخرتان نقف عليهما في عصرنا الحالي، العلم الذي يستمد كيانه من الكون المادي بصخوره وخباياه، والدين كصخرة ثابتة على مر العصور، هذا ما بينه البيولوجي الشهير ستيفن جاي جولد (Stephen jay Gould) في كتابه "صخور/صخرتي الزمان (Rocks Of Ages)"، وحول هاتين الصخرتين تثار الكثير من النقاشات والصراعات بعلاقة الدين والعلم ببعضهما.

هل يمكن أن نعتبر العلم والدين منفصلين؟
ذلك سؤال مهم بالفعل في أجواء مشحونة بالضغط السياسي والاقتصادي والاجتماعي على مستوى العالم، حيث في حالات كتلك ينزع البشر للتطرف، والتمسك بطرق لا تحتمل إلا إجابتين فقط (نعم/لا)، وحيث لا وجود للالتقاء (التقارب) أو حتى الفصل الذي يقي عدة مجالات أو نطاقات خطر التداخل الذي ربما يفسد كل شيء، لذلك سوف تجد أنه من الصعب أن تلقى رؤى تقول إن لهذين النطاقين (العلم والدين) دورا متوازيا في حماية الإنسان وربما تقدمه، بل ستجد معظم الناس بين طرفين، يمين ويسار.

إلى اليمين سيقول أحدهم إن الغلبة سوف تكون للعلم الحديث بما يحققه من مكتشفات عظيمة وسبر عميق للمجهول الكوني وبما يقدمه من حلول طبية لمرضانا، العلم الذي يطيل أعمارنا ويخفّض نسب الوفاة لأطفالنا بدرجات لم يكن مواطنا قبل مائة عام فقط ليصدق أنها يمكن أن تحدث، وإلى اليسار سيقول الآخر أن الدين ينتصر في النهاية بما يقدمه من قيم لا يمكن للتفسيرات المادية للعالم أن تتمكن من هضمها أو تفسيرها أو حتى تقديمها في صورة قوانين/شرائع، أخلاق وقيم؛ تنظم المجتمعات وتقلل من مخاوف الإنسان وتساعده في إيجاد معنى لحياته. إن سؤال الدين هنا سوف يكون ببساطة هو: هل نحن أكثر سعادة؟ مع كل ذلك التقدم وكل ذلك الإنجاز، هل أصبحنا أكثر حبا للحياة مثلا؟ أم أن نسب الاكتئاب ترتفع في جيل الألفية بشكل ملحوظ، وأن 40% من سكان العالم يعيشون في منازل بلا مراحيض؟

كتاب "صخور/صخرتي الزمان" للبيولوجي الشهير ستيفن جاي جولد (مواقع التواصل)

للوهلة الأولى يبدو أن ساحة المعركة هي المكان الذي سوف ينتهي إليه الجميع، فالتعارض الواضح -أو الظاهري كما يرى جولد- بين هذين النطاقين لا ينبئ بأي تلاق ممكن، دعنا مثلا نتأمل الصراع الأشهر بين قصة الخلق الدينية والبيولوجيا التطورية، إنهما يبدوان على طرفي نقيض، لذلك فإن مهمة "جولد" كما يظهر ستكون عصيبة، لأن السؤال المطروح أعلاه هو في الحقيقة سؤال صعب، يزيد من صعوبته عدم استعداد أي من الطرفين لسماع إجابة مختلفة عن التي ينتظرها.

يبدأ جولد من جملة مهمة يعتبرها مركز فكرته التي يسميها (النطاقات غير المتداخلة Non-Overlapping Magisteria)، وهي آية من الإصحاح العشرين* لإنجيل يوحنا؛ كانت حكايتها أن القديس "توما" طلب أن يرى المسيح ويلمسه حتى يؤمن أنه عاد من جديد، فيظهر المسيح ويطلب من توما أن يرى يديه ثم يقول له: "لأنك رأيتني يا توما آمنت، طوبى للذين آمنوا ولم يروا"، فهذا القديس قد حاول أن يتقصّى أمر إيماني؛ بحث بأدوات الشك (إن لم أستخدم آليتين حسيتين هما اللمس والنظر  في تفحص الادعاء .. لن أؤمن"، وهو ما تقبله المسيح -بتعبير جولد- لكنه أشار إلى خطأ توما في أن الإيمان لا يتم بتلك الطريقة، لأن شكه يمثل ضعفا، بينما يقف هذا الشك كهدف رئيسي للعلم، فالتشكك تجاه أية ادعاءات مبنية فقط على السلطة، ومقرون بطلب أدلة مباشرة -وربما استثنائية إن كانت الادعاءات استثنائية هي الأخر- يمثل ربما الوصية الأولى للعلم مقابل وصايا الكتاب المقدس.

المعجزة وتداخل النطاقات
دعنا هنا نتأمل واحدا من الكتب الشهيرة في القرن السابع عشر، إنه كتاب "النظرية المقدسة للكرة الأرضية" للقس توماس بيرنت، والذي يقسمه لأربعة أجزاء؛ يتحدث الأول عن طوفان نوح ثم الفردوس واحتراق العالم والسماوات والأرض الجديدة بعد احتراق العالم. وقد كان الكتاب أكثر الكتب مبيعا في حينه، وظل إلى الآن يستخدم في الكثير من الأعمال التي تناقش قضايا الدين والعلم. اعتمد "بيرنيت" في كتابه على فكرتين، أولاهما: أن الإنجيل جاء برواية حرفية حقيقية عن تاريخ الأرض، وثانيهما: أنه لا يمكن الاعتماد على رواية متعلقة بتاريخ الأرض إلا إذا خضعت كل أحداثها وجزئياتها لقوانين الطبيعة الثابتة؛ فالله -من تلك الوجهة- لا يمكن أن يسمح بوجود تناقض بين كلماته (النصوص المقدسة) وأفعاله (العالم الطبيعي)، بالتالي كانت مهمة بيرنت هي أن يبتكر آليات طبيعية لمعجزات الكتاب المقدس، وقد فشل.

مثلا، تصور بيرنت أن الأرض كانت ملساء ذات طبقة صخرية رقيقة، إلا أنها تشققت أثناء الطوفان، وخرجت المياة لتغمر الكوكب، ثم يقول إنه "إذا أمكن للإنسان أن يغرق في قطرات لعابه ،فمن الممكن أن يغرق العالم في مياهه"، بالطبع يتم التعامل مع الكتاب بكل ما فيه من ادعاءات غير علمية على أنه نزوة شاذة للعلم الكاذب، لكن على الرغم من ذلك يشير بيرنت إلى نقطة هامة، وهي قوله أن الإله خلق هذا العالم ثم تركه يعمل بقوانين كساعة تعمل بتروس، وبالتالي -من وجهة نظره- كان لابد من تفسير تلك الحالات الغريبة -المعجزات- في مرحلة ما على أنها ردود فعل طبيعية وليست معجزات.

العالم إسحاق نيوتن  (مواقع التواصل)

كان إسحاق نيوتن، صديق بيرنت، قد أثنى على الكتاب، لكنه أرسل إلى بيرنت مشيرا في عدة نقاط إلى ضرورة حدوث تدخل إلهي في بعض النقاط -معجزة- لتفسير بعض الاشكالات في حكايته، لكن بيرنت أصر على فكرته. في الحقيقة يدعو ذلك للتأمل قليلا هنا، لأن القول
 بالتدخل المباشر للخروج عن قوانين الطبيعة يشير إلى أنه يمكن لنا في أي حالة أن نبرر ذلك التدخل، ويسمح ذلك بعملية خلط بين نطاقي الدين والعلم، لذلك يفترض جولد أن بيرنت رغم خطأه في الكتاب إلا أنه كان ذا منهجية أفضل في تلك النقطة من نيوتن.

مشكلة مشابهة واجهت الشباب العربي حينما أشار د. زغلول النجار في أحد اللقائات -دون دليل- أن أحدهم قال له بأنه شاهد عالما من ناسا في التليفزيون يقول أنهم قد رصدوا انشقاق القمر، هنا انقلبت الدنيا في الوطن العربي للحديث عن مؤامرة من ناسا -أشهر جملة في العالم العربي ربما بهذا الصدد- لإخفاء حقائق علمية ظهرت من خلال معجزات، في جانب آخر قال البعض أن الأمر لا علاقة له بالعلم، لكن الذي أحدث الشق قادر على رتقه بلا أي أثر، لكن فكرة تمايز النطاقات الخاصة بجولد هنا لا تقبل أيضًا ذلك التفسير بتلك الدرجة من الوضوح.

المشكلة الرئيسية وقعت إذن حينما حاول البعض من رجال الدين الزج بالكيان الديني إلى عالم العلم، بتصور أن الدين يتحدث في الأساس بحقائق علمية، الحل هنا كما يرى جولد له علاقة بلغة العلم الذي هو نطاق دقيق، يستخدم لغة دقيقة، تحتمل قدرا قليلا للغاية من التأويل حول حقائقها، وفي المقابل يظهر الدين بلغة قابلة للتأويل في أكثر من صورة، وبذلك لا يمكن لأي منهما أن يرى/يقرأ/يفسر الآخر، فنشأة الكون في ستة أيام ربما لا تعني ستة أيام حقيقية، ولا تعني أن الأرض وقتها كانت تدور ببطء شديد كما اقترح نيوتن على بيرنت، بل تعني أنه يمكن تأويل ذلك في سياق آخر لا يتحدث عن حقائق علمية، داخل نطاق مختلف، لكن الأمر بالنسبة لجولد، أعقد قليلا من ذلك.

أسئلة الدين وأسئلة العلم
في تلك المرحلة من الكتاب؛ يبدأ جولد بعرض رؤية عن دور الدين في الإجابة عن أسئلة خاصة به، دعنا نسأل مثلا: ما العلاقة بيننا وبين الكائنات الحية؟ نحن نمتلك درجات متفاوتة من الأشكال التشريحية والفيسيولوجيا، تعمل كيمياؤنا الحيوية بشكل واحد، وتشرح البيولوجيا التطورية ارتباطا واضحا بيننا، لكن حينما ننتقل لمجموعة أخرى من الأسئلة ذات العلاقة بالموضوع، قد تختلف نظرتنا قليلا هنا، إذ هل لنا قيمة أكثر من الحشرات والجراثيم؟ هل يمكن لنا ممارسة سلطة عليهم لمجرد أن جهازنا العصبي أكثر تطورا منهم؟ هل نخرق قواعد أخلاقية حينما نتعدى على العالم الطبيعي باستخدام التكنولوجيا؟

البيولوجي الشهير ستيفن جاي جولد (مواقع التواصل)

يشير جولد هنا بشكل أو بآخر لمشكلة أشار إليها قديما ديفد هيوم عن الفصل بين حقيقة الشيء (ما هو عليه) is، وما يجب أن يفعله (Ought)، لذلك تمت تسميتها بـ(Is-ought Problem)، والتي تشبه "المغالطة الطبيعانية (Naturalistic fallacy)" التي تحدث عنها الفيلسوف جورج إدوارد موور، حيث لا توجد لدينا أدلة كافية لتخطي تلك الأزمة والربط المباشر بين ما هو مادي أو طبيعي أو كحقيقة منطقية، وبين تصرفات البشر مثلا أو سلوكهم ضمن ظروف معينة،أو حينما يتساءلون عن معنى حياتهم، تكوينهم للقيم والأخلاق والعمل بها بالاتفاق أو الاختلاف.

لنتأمل مثلا ظاهرة الانتحار، وهو تبسيط مخل قليلا لعمق الفكرة لكنه يؤدي الغرض العام، ترتفع نسب الانتحار في بعض العائلات، ويعني ذلك أن شخصا ما ترتفع لديه احتمالات أن ينتحر بشكل واضح حينما نعرف أن أخاه وجدته لأبيه قد انتحرا من قبل، لكن حينما ينتحر هذا الشخص لا يمكن أن يكون هذا مفردا هو السبب في ذلك، هناك دائما أسباب تقع في الخلفية وتتدخل في الإجابة على هذا السؤال، هناك خط سير طويل بين الحقائق البيولوجية والسلوك، هذا الخط يحتوي على فجوات عظيمة لا يمكن لنا رأبها فقط بالبيولوجيا أو حتى العلوم الإدراكية، إن إلمام عالم ما بالتفاصيل التكنولوجية شديدة التعقد عن موضوع علمي ما لا يمكنه من أن يكون هو من يقرر المنافع والاستعمالات الاجتماعية الخاصة به.

دعنا هنا نضيف أن النقاشات في ذلك النطاق ما زالت دائرة وليست بتلك السهولة، كما وضح جولد نفسه، كذلك نحتاج إلى أن نقول إن الدين ليس هو المسؤول الحصري عن النطاق الأخلاقي، فالملحد واللاأدري قادر هو الآخر على العمل من خلال منظومة أخلاقية، لكن الدين -كما يوضح جولد- امتلك على مر الأزمنة مكانة رئيسية في هذا المجال، الهدف إذن هو فقط توضيح الأسس التي ترتكز عليها فكرة النطاقات غير المتداخلة الخاصة بجولد، وهي -أولا- أن لكل من العلم والدين دور متساوي الأهمية، كما يرى، في تشكيل حياتنا، وأنه يجب -ثانيا- الفصل التام بين كل منهما، لأن لكل منهما نمطا/نموذجا بحثيا مختلفا تماما بحيث يضع موضوعات محددة محل أهمية قصوى دون غيرها، وأن تلك الأساسات تجري في تفاصيل كل من النطاقين حتى أدق الموضوعات، في تلك النقطة يمكن أن نشير إلى أن ذلك لا يعني أن النطاق الديني ثابت، جامد، يتعلق فقط باتباع ما يقال دون نقاش، لكنه يعني فقط أن المعتقد الرئيسي هو ما يحرك النقاشات داخل نفس النطاق.

هل هناك صراع حقا ؟
العالم الفيزيائي والفلكي غاليليو غاليلي  (مواقع التواصل الإجتماعي)

بينما يختلف الجميع حول إمكانية تحقيق تلك الفكرة الخاصة بجولد على أرض الواقع، وهي الفكرة التي تبناها فلاسفة وعلماء ورجال دين على مدى التاريخ وليست قاصرة على جولد نفسه، يضرب جولد لنا مثالين قويين للدفاع عن إمكانية تحقق تلك الفكرة، الأول: هو موقف الباباوات الحديث تجاه مسألة التطور، وهو أيضا موقف يظهر بشكل أكثر خفوتا عند رجال دين مسلمين، لكن ليس على نطاق مؤسسات، والثاني هو موقف رجال الدين تجاه الثورة العلمية في أواخر القرن السابع عشر؛ والذي تبنى فكرة عدم تداخل النطاقات، لكن جولد يلفت النظر إلى نقطة هامة، وهي أن أمورا كتلك تصاحبها دائما مشكلات سياسية وليست تقع فقط في إطار صراع حاد بين الدين والعلم، دعنا مثلا نتأمل موقف الكنيسة من جاليليو .


في منتصف حرب الأعوام الثلاثين وفي أثناء حالة من الاضطراب في الدولة، وفي وقت كانت لدى الباباوات سلطات مطلقة للإدارة أو الإفتاء؛ يمكن القول إنه لا يمكن لنا أن نقول بأن ما حدث مع جاليليو كان فقط ذا علاقة بمشكلات الدين والعلم، في ظل السياق السياسي القائم، وتهديد شخص ما لسياسات قائمة خاصة في فترة كانت الكنيسة تواجه فيها انتقادات من نقاط عدة، كان من المتوقع أن تتحول قضية جاليليو إلى محاكمة شديدة الأثر، بالطبع لا يحاول جولد هنا تبرير الموقف المشين للكنيسة والإهانة الشديدة لجاليليو، لكنه ينتقد تلك الحالة من الاستخدام الإعلامي لأمر غاية في التعقد تاريخيا كمحاكمة جاليليو وإبرازه على أنه فقط هو صورة واضحة للصراع بين الدين والعلم عبر التاريخ.

يوضح جولد إذن أن تاريخ الصراع بين الدين والعلم يفهم بالخطأ على أنه صراع مباشر بين الدين والعلم كمنهجيات، أي أن هناك حربا لا محالة قائمة بين البنيتين، لكن بالنظر إلى فترة من تاريخ العالم شهدت بداية العلم كبرعم صغير يطمح للمزيد من الظهور كانت الإجابات عن كل أسئلة "لماذا؟" عند رجال الدين، بسبب غياب المعرفة العلمية أو ربما ضيق الأفق، هي أن "النص الديني يقول كذا وكذا". أضف لذلك أنه بطبيعة البشر يميلون إلى عدم التنازل طوعا عن مناطق/سهول كانت لهم السيطرة عليها حتى دون أن يكون لهم حق فيها، يصل المتطرفون من أصحاب تلك الأفكار كثيرا لمقاليد السلطة، ويتعمدون استخدام كل انواع الحيل بداية من "فرّق تسد" إلى "شيطنة" الآخر الجديد القادم لاستكمال السيطرة، فالمشكلة إذن ليست مشكلة المنطق التي بنت عليه النطاقات المختلفة (العلم والدين) ذاتها، لكنه مشكلة في الأساس -مع عدة أسباب أخرى جانبية يعرضها جولد- أقرب لكونها سياسية تتعلق بالملكية.

في تلك النقطة يضرب جولد العديد من الأمثلة الأخرى الشبيهة على زيف الصراع بين الدين والعلم، فما يصور حاليا في وسائل الإعلام على أنه صراع بين منهجين، هو في الأصل خلاف سياسي، كان كذلك تاريخيا وهو كذلك الآن، هنا يمكن لنا أن نتأمل التصاعد الأخير للخلقية أو التصميم الذكي أو غيرها من الحركات الدينية التي تخترق النطاقات غير الخاصة بها وتعارض التطور وتطالب بأن تدرس في المدارس بجانب البيولوجيا التطورية كعلوم وليس كمواد دينية، يفسر جولد هذا الصعود بصعود مقابل لتيارات دينية سياسيا في نفس الوقت، بمعنى أنه للوهلة الأولى من الطبيعي أن تظن أن ظهور تلك النقاشات وحدتها يعني أن هؤلاء الخلقيين قد ابتكروا مناهج جديدة أو امتلكوا أدلة جديدة تدعم فرضياتهم، لكن ذلك في الحقيقة لم يحدث، إنها نفس الحجج، نفس الكتب، نفس الاستدلالات غير العلمية، لكنها تستمر، ليس لأنها تقاوم من وجهة نظر منطق بحثهم، لكنها فقط مدعومة سياسيا. يشرح ذلك النموذج إذن؛ كيف أن الصراعات القائمة لا تقوم بالأصل على خلاف حقيقي بين النطاقات.


في الحقيقة تستحق هذه الفكرة المتعلقة بكون الصراع سياسيا بعض التأمل، مع محاولة لصنع مقاربة عربية منه تنظر في تحركات سياسية للسيطرة على المحيط عبر تحركات دينية ألصقت العلم بالدين رغما عنه، وحاولت -كبيرنت- أن تضع من العلم طريقا لتفسير النصوص الدينية اعتمادا على نفس القواعد. في الجهة المقابلة يقف جولد على خط دفاع آخر مع ريتشارد لونتين ضد استخدام العلم من قبل بعض العلماء والسوسيولوجيين وغيرهم للداروينية كفكرة علمية أو للارتباط بين الجين والسلوك لكي يؤسسوا لأفكار حتمية متطرفة ذات علاقة بتميز أجناس عن غيرها، يستخدم اليمين المتطرف أفكارا كتلك بشكل دائم للدفع ضد أفراد من مجموعات عرقية بعينها، وهو الصوت الذي يرتفع هذه الأيام في الولايات المتحدة وأوروبا (ضد الهجرة واللاجئين) وفي الوطن العربي كذلك من قبل بعض العلمويين يمينيي التوجه من الشباب، ويجب هنا توضيح أن جميعها لا يستند على أساس علمي صلب.

خرق النطاقات يتسبب إذن في كوارث لا يمكن حساب فداحة نتائجها، لذلك يصر جولد على أن كلا من النطاقين يجب أن يلتزم بشكل دقيق وصارم للغاية في التعامل مع الأسئلة التي تخصه، ويشير إلى أن العلماء الحاليين -على عكس كل من داروين وتوماس هنري هكسلي اللذين انتبها من اللحظة الأولى لضرورة الفصل- لو كانوا قد احترسوا دائما كعادتهم كما يجب في تفسيراتهم، والتزموا جانب التواضع، واختراق بعضهم لنطاقات الأروقة الأخرى، لكان من الممكن أن نبرئ الوسط العلمي في تلك القضية تحديدا، لكن سوء استخدام العلم هنا تسبب في أخطاء لا يمكن تلافيها.

فرضية جولد إذن؛ هي ببساطة محاولة لتطبيق قاعدة أرسطو الذهبية بالوقوف بين نقطتين، إمساك العصا من المنتصف، للوهلة الأولى لا يبدو موقفا صلبا، لكن بالخوض في تاريخ هذا الصراع نكتشف أنه لم يكن صراعا إلا على شاشات التلفاز وصفحات الجرائد، بينما في جوهر كل من النطاقين لا يوجد ما يمكن أن نسميه صراعا بالمعنى المفهوم، إن تطبيق قاعدة النطاقات المنفصلة، بالشكلة الذي عرضناه على لسان جولد في اقتباسه بأول هذا التقرير" ربما -كما يرى كاتبه- هو الحل الوحيد لإنقاذ العالم من هذه المشكلة، والتي نواجهها بالفعل بوضوح في الوطن العربي، والتي تمنع المواطن العادي من التعاطي مع العلم بأية صورة، يحتاج الأمر لتدخل مؤسسات صلبة تتجاوز كل تلك الألعاب السياسية وتتدخل لفض هذا الاشتباك الذي يدخل اجتماعيا كواحد من أسباب إبطاء تقدم بلادنا، فهل يمكن أن يكون نظام فصل الأروقة هو الحل؟ .. لا أحد يدري.
=============================
* نجد في النص القرآني، وفي كل الأديان، قصصا مشابهة تحمل نفس الفكرة، لكن هنا تجدر الإشارة إلى فوارق أساسية في درجات قبول التشكك عبر الأديان، لذلك تجدر الإشارة إلى أننا نقصد "شكلا عاما" للفكرة، بعيدعن الاختلافات الرئيسية الواضحة بين تلك المعتقدات.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار