اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/13 الساعة 21:24 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/26 هـ

انضم إلينا
القصة وراء الأسد الذي تشاهده في السماء

القصة وراء الأسد الذي تشاهده في السماء

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
 
تقول الحكاية إن هيرا1، زوجة زيوس ملك الآلهة، لم تكن تحب هرقل، ابنه من أم بشرية كانت تكرهها، لذلك كثيرا ما حاولت إيقاعه في العديد من المشكلات، واستطاع هرقل الانتصار في بعضها، لكن البعض الآخر كان قاسيا جدا، خاصة عندما أصابته هيرا بحالة من الجنون، فصحا من النوم وقتل زوجته وأولاده، وحينما أفاق من تلك النوبة رأى ما فعلت يداه من ذنب عظيم، فذهب إلى والده ليطلب منه الرحمة، فأعطاه الأخير اثنتي عشرة مهمة، إذا نفّذها نال بعض الهدوء.

   

إحدى تلك المهام كانت إنقاذ أهالي مدينة نيمايا (Nemea) من أسد ضخم كان يعترض طريقهم ويفترس منهم من يمر به متى جاع، وكانت المشكلة أن هذا الأسد ذو جلد سميك لا تخترقه سيوف ولا رماح، ما تسبب في قتل العديد من فرسان نيمايا، لكن هرقل، نصف البشري ونصف الإله، تمكن بالفعل من دخول كهف الأسد والهجوم عليه ثم خنقه بيديه حتّى قتله، ثم استخدم أنياب الأسد وسلخ جلده حتّى الرأس، خرج للناس مرتديا فروة الأسد كعباءة على أكتافه وكغطاء لرأسه، معلنا حلول السلام على نيمايا الصغيرة.

      

تشريح الأسد

أعطى البشر قديما اهتماما واسعا لسماء الليل، حيث ربطوها بحياتهم اليومية، فحددت لهم مواعيد الزراعة والحصاد، البرودة واقتراب الحر، الوقت، واستخدموها كخرائط لتدلهم على الطريق في الصحراء والجبال، لذلك انطبعت أيضا على معتقداتهم والميثولوجيا الخاصة بهم، فحولوها إلى حكايات عن الخير والشر، الكرم والضغينة، انتصار العدل والرحمة. وكان الأسد أحد أكثر التجمعات النجمية -نسميها "الكوكبات"- بُعدا في التاريخ، فنجدها في حكايات تراث بلاد ما بين النهرين2 قبل 4000 سنة.

 

    

وما يميز كوكبة الأسد هو شكلها الذي يشبه الأسد بالفعل، وكل نجومها تعتبر الألمع نسبيا مقارنة بمحيطها من النجوم الأخرى المجاورة لها، ما يجعل من السهل أن يلتقط القدماء ذلك التشابه الواضح بين شكلها في السماء وبين الأسد ملك الغابة وأحد أكثر الحيوانات شهرة في تاريخنا، لكن في الحقيقة -دعنا نوضح هنا- لا يعبر ذلك الشكل عن أي شيء، بعض تلك النجوم قريب جدا بمعايير فلكية، وبعضها الآخر بعيد، فمثلا يقع النجم3 "ألفا α" ألمع نجوم الكوكبة على مسافة أقل من 100 سنة ضوئية، لكن الرفيق "إيتا η" فيقع على مسافة نحو 2000 سنة ضوئية، وبينهما تجد "إبسيلون ε" مثلا على مسافة نحو 250 سنة ضوئية، الفكرة هي أننا نراها كالأسد من منظورنا على الأرض.

        

الآن دعنا نتعرّف موضع الكوكبة في السماء، اخرج في أي من ليالي الربيع، خلال الشهور من مارس/آذار إلى يونيو/حزيران مثلا، وابحث عن تلك المجموعة المكونة من سبعة نجوم والتي تشبه المقلاة، إنها تلك المجمة (Asterism) الشهيرة المميزة لكوكبة الدب الأكبر (Ursa Major)، يمكن لك أن تجدها بسهولة عبر تطبيق "Google Sky Map" والذي يشير بسهولة إلى الكوكبات، في مارس/آذار سوف ترى الكوكبة فوقك تماما بحلول منتصف الليل، وفي أبريل/نيسان حول التاسعة أو العاشرة مساء، ثم كل ما تحتاجه بعد ذلك هو تتبع الخط المار بنجمي الدليلان (الدبة (Dubhe) والمراق (Merak)) إلى الأسفل كما في التصميم المرفق حتى تلتقي بألمع نجم في تلك المنطقة، ذلك هو "المليك"، ويسمى كذلك بـ "قلب الأسد" (Regulus).

 

       

قلب الأسد

المليك (Regulus)، وهو عملاق أبيض إلى أزرق اللون، يستحق منّا بعض التأمل، فرغم أن كتلته أكبر من الشمس بثلاث مرات، لكنه من الضخامة بحيث يمكن لك أن تضع بداخله نحو 27 كرة بحجم الشمس، تلك التي تنير المجموعة الشمسية بالكامل، أضف إلى ذلك أنه يدور حول نفسه، وهو بتلك الضخامة، مرة كل نحو 19 ساعة فقط، إنه دوران بسرعة تقترب من ثلاثمئة كيلومتر في الثانية الواحدة، لذلك فإن النجم لا يتخذ شكلا كرويا، لكنه مفلطح الشكل4، يشبه الأمر أن تلقي بفطيرة تدور إلى الأعلى لكي يزداد تفلطحها كلما رفعت سرعة دورانها.

           

    

كما أن المليك ليس نجما واحدا، لكنه نظام متعدد (Multiple star) يتكون على الأقل من أربعة نجوم، في شكل ثنائي (أ، ب) يدور حول ثنائي آخر (ج، د)، وجميعها -عدا واحد- نجوم تسلسل رئيسي5، أي إنها ما زالت في المرحلة التي تحرق خلالها هيدروجينها الخاص وتستخدمه كوقود لأجل حفظ ثباتها، بعد فترة ينتهي الهيدروجين ويتضخم النجم ليصبح عملاقا أحمر ذا درجة حرارة منخفضة، ويتجهز لنهاية عمره، لو كانت كتلته تساوي كتلة الشمس أو أكبر حتى ثماني كتل شمسية فإنه يتحول إلى لوحة فنية تسمى سديما كوكبيا يحتضن قزما أبيض، أما الأكبر من ذلك فينهي حياته بشكل أكثر عنفا، إنه مستعر أعظم (SuperNova)، وهو أضخم انفجار نعرفه في الكون بعد المستعر فوق العملاق6 (Hypernova).

     

    

حينما تتأمل المليك في المرة القادمة، الليلة إن أردت وكان الوقت مناسبا، لن تراه كما كنت تراه من قبل، فقط كرأس دبّوس ألماسي لامع مطرز في قطعة قطيفة سوداء، فالآن أنت تعرف الكثير عنه، وسوف يختلط ذلك بأفكارك حينما تراه، وتلك هي بالأساس أهم مزايا التعلّم عن سماء الليل، حيث إن تلك المعارف عن أحجام النجوم، مسافاتها، وباقي خصائصها، يصنع في عقلك صورة ثلاثية البعد، أكثر دقة وحيوية عن هذا الكون الواسع. الآن دعنا من التفلسف ولننتقل إلى منازل القمر.

     

منازل القمر

حيث تقترب كوكبة الأسد كثيرا من دائرة الأبراج السماوية (Ecliptic)، تلك التي تدور فيها حركة الشمس والقمر، ما جعل من الكوكبة مكانا مميزا لدى العرب القدماء، وكانوا قد قسّموا تلك المنطقة من السماء، دائرة البروج، إلى منازل أو بيوت، يقف فيها القمر يوما بعد يوم، وبما أن القمر يصنع دورة حول الشمس في نحو 28 يوما، كان للقمر بين النجوم 28 منزلة، منها 4 كاملة7 في كوكبة الأسد فقط، وهي الطرفة (يعبر عنها نجم الطرف من الكوكبة وتجده بسهولة إلى يمين رأس الأسد الجنوبي)، والجبهة (وتمثل أربعة نجوم متعرجة تتضمن قلب الأسد ونجم الجبهة والضفيرة)، والزبرة (وتمثل نجمي كاهل الأسد، ظهر الأسد والخرت) ، والصرفة (نجم ذيل الأسد).

     

واستخدمت العرب تلك المنازل القمرية لتوقع أحوال الطقس كذلك، فمثلا حينما كانت تظهر نجوم منزلة الزبرة قبل شروق الشمس فجرا، في سبتمبر/أيلول، فتلك هي المنزلة الثانية في الخريف، ما يعني أن الطقس قد أصبح أكثر برودة، والمطر يتجهز للنزول، ويستعد البحارة لختام موسم الغوص لاستخراج اللؤلؤ، الموسم الذي كان قد بدأ أول أبريل/نيسان، وكانت تلك رحلات خطرة اهتم البحارة في دول الخليج بحساب مواعيدها بدقة عبر استخدام المنازل القمرية.

      

       

دعنا الآن نترك نجوم الكوكبة قليلا، ويمكن لك تأمل كمٍّ أكثر روعة وسهولة ودقة من المعلومات حول باقي خصائص نجومها في كتاب فيليب بانجال "Star Atlas Companion"، والذي تجده على موقع دار نشر سبرينجر والمفتوح مجانا في عدد من الدول العربية، ومنها مصر، وهو، كما نظن، واحد من أهم الكتب التي يجب أن يمتلكها كل هاوٍ للفلك، خاصة إن كنت مبتدئا، وما يميز الكتاب هو تصميماته المميزة والتي تشرح أشكال النجوم والمسافات الحقيقية التي تقع عندها، كذلك فإن الكاتب يضيف عددا من القوائم المميزة غاية في الدقة للأجرام التابعة لكل كوكبة.

       

ثلاثية الأسد

جهز تلسكوبك الآن، لكن يُفضّل أن يكون بقُطر 6 إنشات أو أكبر، حيث إن أروع أجرام السماء العميقة (Deep Sky Objects) في كوكبة الأسد هي من المجرات، تلك التي لا تتمكن من التقاطها بسهولة عبر تلسكوب صغير، فمثلا ثلاثية الأسد8 (Leo Trio)، موضع اهتمامنا في هذا التقرير، والتي تضم ثلاث مجرات تقع بنفس الموضع، تتراوح درجات لمعانها الظاهري بين 9 و11، بينما لا يمكن لك بتلسكوب صغير إلا أن ترصد حدود القدر الظاهري السادس أو ربما السابع في ليالٍ حالكات.

       

ثلاثية الأسد، مسييه 66 (أسفل يسار) ومسييه 65 (أعلى يسار)، وNGC 3628 (إلى اليمين). (مواقع التواصل الإجتماعي)  
  

توجد ثلاثية الأسد "Leo Trio" ناحية ذيل الأسد في كوكبة الأسد، وأسماء المجرات هي "M65" و"NGC 3628" و"M66"، يرمز "M" إلى ما نسميه بأطلس مسييه والذي يضم 109 جرم سماوي، و"NGC" إلى الأطلس العام الجديد الذي أسسه ويليام هيرشل والذي يضم آلاف الأجرام، وتقع جميع مجرات الثلاثية على مسافة 35 مليون سنة ضوئية من الأرض، والثلاثة هي مجرات حلزونية كبيرة، لكن المجرة "M66" هي الأكبر والأكثر لمعانا من المجموعة، يمكن بعد تأمل صورة المجرات الثلاثة أن نلاحظ أن هناك تجاذبا بالفعل بدأ يؤتي ثماره بين المجرات الثلاثة، في الشد الواضح لأذرع العضو "M66" من المجموعة، كذلك يظهر بشكل أكبر في شد الأجزاء المقابلة للمجموعة من المجرة "NGC 3628"، أما "M65" فتبدو الأقل تأثرا.

     

يمكن لك رصد المجرات الثلاثة معا حينما تستخدم تلسكوبا بقُطر ثمانية إنشات مع عدسة عينية بقيمة متوسطة (17 مليمترا مثلا)، سوف تظهر كثلاث غمامات خافتة، لا يمكن بسهولة أن تستوضح تركيبها إلا حينما تدور بعينيك على حواف الصورة الموجودة في التلسكوب، هنا يجب أن نوضح أن الصور في التلسكوبات، مهما بلغت أقطارها في الكبر، لا تظهر بالألوان التي نراها في وسائل التواصل الاجتماعي، أو عبر مواقع كـ "ناسا" أو "وكالة الفضاء الأوروبية"، لكنها تظهر أكثر خفوتا وباللونين الأبيض والأسود، أما تلك الصور الملونة فتحتاج إلى فترات تعريض طويلة بكاميرات خاصة مع معالجة ببرامج كالفوتوشوب.

      

المجرات الثلاثة كما تظهر في تلسكوب ثمانية إنشات (مواقع التواصل الإجتماعي)
     

المجرات الحلزونية9 هي مرحلة الشباب في عمر المجرة، نلاحظ ذلك حينما نرصد نجومها فنجد أنها ما زالت شابة، أما المجرات الإهليلجية (البيضاوية)، المرحلة التالية من مراحل نمو المجرة، فيُنظر لها على أنها أكثر الأنظمة تطورا في الكون، فحينما نرصدها لا نجد فيها من الغاز والغبار ما يمكن أن يصنع نجوما جديدة، بينما نجد أن نجومها تميل إلى اللون الأحمر، ما يعني أنها في نهاية حياتها، وربما تتعجب حينما تعرف أن تلك المجرات تمثل الآن 60% من عدد المجرات التي نعرفها في الكون، ما يصل بنا إلى استنتاج يقول إن الكون قد انتهى من تكوين نجومه الجديدة بنسبة 90% بالفعل، نحن في آخر الطريق ربما.

     

  

لمزيد من الخوض في روائع الأسد يمكن لك الاستعانة بأطلس رائع معروض مجانا على الإنترنت، إنه "Deep Sky Hunter"، ومعه عدة قوائم رائعة يمكن لك تحميلها بسهولة، أما إذا كنت لا تمتلك تلسكوبا خاصا بك فما زال بإمكانك تعلم الكثير عن نجوم الكوكبة وتأملها ليلا، في شهر مارس/آذار 2018 سوف يقف القمر بجوار قلب الأسد يوم 28، ثم في 24 أبريل/نيسان الذي يليه، وتلك بداية جيدة للمبتدئ من الصفر، في النهاية نقول إن التعلم عن سماء الليل هو نوع من السلام الذي يحلو بالرفقة، نوع من الهدوء الذي تنشده، إن أعلى المنزل ليلا مع سماء صافية ومجموعة أدوات بسيطة هو أفضل مُنتجع ممكن، نعم، بإمكان متابعة سماء الليل أن تجعل نهارك التالي أفضل.

    

ملاحظة

يعتمد التقرير بالأساس على خبرة كاتبه مع سماء الليل طوال سنوات عدة رصدها بالعين المجردة وبتلسكوب "Celestron CPC 800" ثمانية إنشات، بمساعدة عدة كتب مهمة مثل: Star Atlas Companion، The Night Sky Companion، Guidebook to the Constellations، The Mythology of the Night Sky، The Amateur Astronomer's Guide to the Deep-Sky Catalogs، وكلها تابعة لدار نشر سبرينجر، ويُنصح بها لكل هاوٍ للفلك.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار