اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/26 الساعة 16:30 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/10 هـ

انضم إلينا
هل يمكن لمعادلة رياضية أن تقيس مدى سعادتنا؟

هل يمكن لمعادلة رياضية أن تقيس مدى سعادتنا؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"ما السعادة؟ وكيف نتحصّل عليها؟" .. لا شك أنه لا توجد أية مبالغة حينما نقول إن محاولات الإجابة عن هذين السؤالين هي ما رسم، بشكل أو بآخر، خطة حضارتنا البشرية من فجر التاريخ إلى اللحظة الحالية، سواء كان ذلك ضمن نطاقات فلسفية، اجتماعية، أو حتى اقتصادية تبحث عن طيب عيش المواطنين وتحسين أحوالهم. وما بين التعميمات الشديدة في العلوم والفلسفات، وحالتك أنت الخاصة، عملك، علاقاتك مع الآخرين من حولك، ووجهة نظرك عن العالم، لازلنا نقف حائرين، ولازالت محاولاتنا للإجابة عنهما قائمة.

  

لهذا السبب تراوحت تعريفات السعادة بين جوانب أكثر شاعرية وأخرى أكثر برودًا، فيطالبنا أرسطو1 "ألا نصف أي شخص بأنه سعيد إلى أن يموت"، بينما يضيف ألبير كامو أنك "لن تحصل على السعادة إذا استمررت في البحث عما تعنيه السعادة"، إلى أن نصل لبنثام الذي يعبر عنها بصورة نفعية قائلًا إن "مقياس الصواب والخطأ هو تحقيق أكبر سعادة ممكنة لأكبر عدد ممكن من الناس"، وما بين ذلك الطريق وذاك يمكن أن نجد طيفا شديد الاتساع من الآراء والنظريات التي تحاول أن تفهم ما يعنيه ذلك المفهوم الأكثر غموضًا.

  

السعادة اللحظية

لكن، على الرغم من ذلك، قد يبدو سخيفًا للغاية أن نتحدث عن السعادة من وجهة نظر المعادلات الرياضياتية، فالرياضيات، بشكل ما، أكثر تجريدًا من أن تحاول تفسير كيان غاية في التعقد كهذا المتعلق بما يعنيه أن نكون، أو ما يجعلنا، سعداء. لكن تلك لم تكن فكرة روب روتلدج2 Robb B. Rutledge ورفاقه من كلية لندن الجامعية حينما قاموا، قبل عدة سنوات، بمحاولة رصينة وذكية لبناء نموذج حسابي معقد يمكن له دراسة حالة السعادة، وتنبؤها، بناءًا على بيانات تجريبية من أجهزة الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI).

    

   

بدأ روتلدج ورفاقه من نقطة بسيطة تتعلق بإحدى الحالات الخاصة، إنها السعادة اللحظية (Momentary Happiness)، تلك اللحظات السريعة التي نقوم خلالها باتخاذ قراراتنا فنسعد، أو لا نسعد، بالنتائج. فمثلًا، في التجارب3، سوف نعطي كل متطوع عشرين دولارًا ليبدأ بها، ثم بعد ذلك يدخل كل منهم إلى منطقة الاختبارات، والتي تتكون من 150 سؤالًا سريعًا يقوم الخاضع للتجربة بالاختيار بين طريقين خلالها، وهناك ثلاثة مجموعات من الأسئلة.

  

في المجموعة الأولى من الأسئلة سوف يخيّر الخاضع للتجربة، إما أن يحصل على "لا شيء"، صفر دولار، أو يقامر، هنا قد يحصل على مبلغ ما أو يخسر نفس المبلغ، أما في المجموعة الثانية فيخيّر الخاضع للتجربة بين الحصول على مبلغ ما، أو المقامرة للحصول على مبلغ أكبر منه، لكن ان خسر في مغامرته يحصل على "لا شيء"، ثم في المجموعة الثالثة يخير صديقنا بين أن يخسر مبلغ ما، أو أن يقامر فيخسر مبلغ أكبر منه أو لا يخسر أي شيء، في كل مرة يحصل اللاعب على 6 ثوان لكي يجيب، وثانية واحدة لعرض النتيجة، ثم ينتقل للسؤال الذي يليه.. وهكذا، ثم يُطلب إلى كل خاضع للتجربة أن يقيم درجة سعادته (من 1 إلى 100) مرة كل عدة أسئلة.

  

من جهة أخرى، وفي أثناء هذا الاختبار، يقوم جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي بقياس وظائف المخ، فما نعرفه أن استجابة الدماغ للمكافآت، كانت وجبة ممتعة، جائزة في العمل، أو فقط مجاملة رقيقة، تتم عبر خلايا الدوبامين العصبية والتي تستجيب بإفراز قدر من الدوبامين، السبب في شعورنا بالسعادة، تجاه تلك المكافآت، لكن هذه الاستجابة يمكن رصدها بصور مختلفة كذلك، فحينما تكون تلك المكافآت غير متوقعة فإن استجابتنا تكون أكبر بشكل واضح من تلك المكافآت المتوقعة بالكامل، هذا هو ما نسميه بـ خطأ التنبؤ4 (Reward prediction error)، والذي يعتمد على الفارق بين توقعاتنا والواقع.

 

معادلة لوصف السعادة!

بعد ذلك يستخدم الفريق البحثي بقيادة روتلدج، والذي نشر ورقته الأولى5 بهذا الصدد في الدورية الشهيرة والرصينة (PNAS)، منشورات الأكاديمية الوطنية للعلوم  (Proceedings of National Academy of Science)، تلك البيانات لبناء نموذج رياضياتي يمكن له أن يتوقع درجة سعادتنا بناءًا على اختياراتنا في الاختبارات، بمعنى أننا سوف ندرس تلك الاختيارات، ونتائج الرهانات، ونربطها بما حددنا أنه قدر السعادة الخاصة بنا، ثم نربط ذلك كله للتأكيد بنتائج الرنين المغناطيسي الوظيفي، لنصنع هذا النموذج، الذي سيتمكن، بعد بناءه، من توقع إجاباتنا المستقبلية عن السؤال "قيم درجة سعادتك من صفر إلى 100؟".

     

   

الآن دعنا نتأمل معادلة6 السعادة، لا تهتم كثيرًا لتلك الرموز المعقدة، إنها محاولة للربط بين ثلاثة معايير: مجموع المكافآت المؤكده التي نعرف حتمًا أننا سوف نحصل عليها، وتوقعاتنا عن نتائج الرهانات التي قمنا بها، ثم الفارق بين ما توقعناه والناتج الحقيقي، فما نعرفه هو أن دماغنا سوف يستجيب بالطبع للمكافئات، لكن ما كان جديدًا من خلال تجارب رولتدج ورفاقه هو أن توقعاتنا عن الأشياء، هي الأخرى تحدد، بفارق واضح، ما نتصوره عن سعادتنا، بمعنى أن توقعنا المرتفعة، مثلًا، عن فيلم ما لدانيال داي لويس، لمجرد أن بطله هو دانيال داي لويس، قد يحد من سعادتنا بالفيلم، حتّى لو كان جيدًا جدًا، كذلك في التجارب كان الفارق بين النتائج المتوقعة وما حصلنا عليه فعلا هو ما يحدد سعادتنا بشكل أكبر، فإن كانت المكافأة هي 5 دولارات مثلًا، لكن النتيجة 20 دولار فسوف نصبح أكثر حزنًا من أن كانت 5 دولارات لكن النتيجة صفر، نحن هنا أكثر سعادة لأننا ربحنا خمسة دولارات في مقابل صفر.

 

"توقعاتنا كانت أن نرى أن المكافآت ستؤثر على السعادة من لحظة إلى أخرى"، يقول روب روتلدج في تصريح لميدان، "لكننا فوجئنا بإيجاد مدى أهمية التوقعات في تحديد السعادة"، إن تخفيض توقعاتنا إذن عن تجاربنا الحياتية التي نُقبل عليها قريبًا يزيد من احتمال النتائج الإيجابية. ولكن هنا يمكن أن نلاحظ أن انخفاض التوقعات يقلل من سعادتنا في المرحلة التي تقع قبل الوصول إلى نتيجة، مما يحد من النطاق7 المفيد لتلك الفكرة (خفض توقعاتنا).

  

لكن أحد الأفكار المثيرة للاهتمام، حسب حسب تلك الدراسة8، هو أنه يمكن استخدام توقعات سلبية بما فيه الكفاية لخلق تأثير عاطفي إيجابي شامل من حدث سلبي بطبعه. فمثلًا، يمكن أن يكون لخبر يقول بتأخير رحلة الطيران الخاصة بك لمدة ساعة واحدة تأثيرًا إيجابيًا فقط إن كان مسبوقًا بخبر آخر يقول إن  هناك احتمال 50٪ أن يكون التأخير هو 6 ساعات، يضيف رولتدج في النهاية: "كثيرًا ما يقال أنك ستكون أكثر سعادة إذا كانت توقعاتك أقل، الآن نجد أن هناك بعض الحقيقة في هذا"

  

التوقعات الكبيرة تعني خيبات أمل كبيرة

في الحقيقة كانت نتائج التجارب الأولى، فقط على 26 فرد، دقيقة إلى حد كبير، لكن ظهرت دقة ذلك النموذج بشكل أكثر وضوحًا حينما صمم الفريق البحثي تطبيقًا للهواتف الذكية، يحمل نماذج أسئلة مشابهة لتلك التي كانت في التجربة الأولى، ثم أطلقة في مشروع ضخم سمّي9 بـ (The Great Brain Experiment)، وقد شارك فيه 18420 شخص، لتتمكن معادلة السعادة من توقع متوسط استجاباتهم للسؤال "قيم سعادتك من 0 إلى 100؟" بشكل قريب جدًا من الدقة.

     

   

إن المشاعر العاطفية الواعية، مثل السعادة المؤقتة، هي، بحد تعبير روتلدج في ورقته البحثية، "أداة تعبير جوهرية عن تدفق التجربة العقلية البشرية". وبالتالي، حينما يشير هذا النموذج الحسابي إلى أن السعادة المؤقتة، وان كانت لا تعكس مدى جودة سير الأمور، لكن بدلاً من ذلك تعطينا انطباعًا عن أهمية ما إذا كانت الأمور الخاصة بحياتنا اليومية تسير بشكل أفضل من المتوقع، وهذا يشمل التوقعات الإيجابية والسلبية، أضف لذلك أن هناك ملاحظة أخرى هامة يشير لها نموذج رولتدج، وهي أن معامل الوقت يؤثر بقوة على حساب مجمل سعادتنا، تأمل معي تلك النقطة قليلًا.

 

رغم أن كل من الخاضعين للتجربة قد مر بـ 150 اختبار متتالي، إلا أن الاختبارات العشرة الأخيرة منها، هي صاحبة، تقريبًا، كل الأثر الممكن في السعادة الخاصة بنا، بل كان من الممكن أن نستخدم المحاولة الأخيرة، حسب نتائج الرنين المغناطيسي الوظيفي، وحدها لتقييم قريب من الدقة لدرجة سعادتنا في كل الاختبار، ما يعني أن النسيان له أثر قوي على سعادتنا، فنحن لا نلتفت، حينما نسأل ذواتنا "هل أنا أكثر سعادة؟"، إلا إلى آخر الأحداث فقط، ولا نتمتع، ربما، بالقدرة على حساب واعي لكل ما حدث خلال فترة ما، ولا نهتم ربما بحجم الثروة التي اكتسبناها خلال مجموعة الألعاب تلك، حتى وإن كانت أكبر من المبلغ الذي بدأنا به، نحن فقط نهتم بتوقعاتنا عن آخر رهاناتنا، ما يشير إلى أن أحوالنا المزاجية تتأثر، بشكل أكبر، بقدرتنا على اختبار10 (experiencing) الأشياء أكثر من تذكرنا لها (remembering).

 

ومعادلة أخرى للحقد!

لم يتوقف روتلدج ورفاقه، في الحقيقة، عند تلك النقطة، بل قاموا، في 2016، بعد عامين من النموذج الأوّلي، بتصميم نموذج أكثر دقة من تلك المعادلة يحاول أن يضع في الحسبان أحد أهم التأثيرات التي ربما لا نضع لها اهتمامًا كبيرًا في حياتنا، إنها المقارنة بين أنفسنا والآخرين، حيث يبدو للوهلة الأولى أننا نكون أكثر سعادة حينما ننتصر، نحصل على جوائز في مقابل عدم حصول الآخرين عليها، لكن الآن دعنا نخوض نفس التجارب المتعلقة بالسعادة اللحظية لكن مع آخر يجلس في طاولة مجاورة، بحيث نتعرف إلى نتائجه ويتعرف إلى نتائجنا، علمًا بأنه لا يوجد أي تأثير متبادل بيننا وبينه، نحن نرى فقط أنه كسب أو خسر بينما نحن نلعب ونكسب أو نخسر.

 

هنا، تأتي النتائج، من 47 خاضع للتجربة، في الدراسة التي نشرت بالدورية الشهيرة11 "Nature Communications"، لتقول إننا فقط نتأثر سلبًا بالتفاوت (inequality)، بمعنى أن سعادتنا سوف تقل حينما يحصل الآخر على مبالغ أكثر أو أقل منّا، فإذا كسبنا وخسر هو الرهان، تقل درجات سعادتنا عن الحالات التي نكسب فيها نفس الرهانات بشكل منفرد، ويرجع رولتدج ورفاقه ذلك لتأثير الإحساس بالذنب Guilt، أما إذا خسرنا نحن وكسب الآخر نفس الرهان فإن سعادتنا تقل أيضًا، وهنا يرجع ذلك لتأثير الحقد Envy، وفقط في حالات تساوي المكافآت ترتفع سعادتنا.

   

    

هل تلاحظ ذلك؟ تلك بالفعل نتائج مثيرة للاهتمام، بل تتوقع معادلات النموذج نتائج متوسط سعادة المشاركين بدقة، حيث لا تتدخل شخصياتنا، ولا أية معايير لها علاقة بهذا القادم الغريب الذي يجلس أمامنا، بوضوح في النتائج، لكن فقط حالات التوافق - أو عدمه - في المكسب والخسارة هي ما تعطي نتائج صحيحة، "في المتوسط ​​نحن أقل سعادة إذا حصل الآخرون أكثر أو أقل منا، بالطبع يختلف هذا كثيرًا من شخص لآخر" يقول رولتدج لميدان، "لكن المثير للاهتمام هو أن نجد أن المعادلة تسمح لنا أن نتنبأ بمدى سخاء الفرد في سيناريوهات منفصلة عندما يتم سؤالهم عن الطريقة التي يرغبون بها اقتسام مبلغ صغير من المال مع شخص آخر"

  

توقع نموذج رولتدج الرياضياتي أنه حينما نعرض عليك أن تقدم جزء من المبلغ الخاص بك للآخر المشارك في المسابقة فسوف توافق، في المتوسط، على تقديم 30% منه حينما تكون أنت الفائز وهو الخاسر، و10% فقط حينما تكون أنت الخاسر وهو الفائز، وقد حدث ذلك بالفعل في التجارب بشكل أكثر دقة مما تصور الفريق البحثي، فبغض النظر عن أية معايير أخرى تتعلق بشخصيات المشاركين في التجارب، كانت النتائج واحدة في المتوسط.

 

ما الذي نريده حقًا؟

دعنا في تلك النقطة نتوقف قليلًا عن التعاطي مع أرض التجارب لنتساءل، وهناك بالفعل الكثير من الأسئلة التي تدور في ذهنك الآن، فمثلا، تلك تجارب خاصة للغاية، محكومة بظروف محددة، لا تمثل واقع الأمور في الحياة، والذي يعد أكثر تعقيدًا مما نظن أو يمكن لتجربة معملية أن تشرح، أضف لذلك ما نتحدث عنه دائمًا تجاه هذا النوع من التجارب، والتي تحمل عددًا كبيرًا من المتغيرات التي يمكن أن تغير مسارات النتائج دون أن نعلم، هل يمكن - إذن - لتلك الحالة من قصور التحديد12 (Underdetermination) أن تؤثر على ذلك النمط من الأبحاث؟

  

بالطبع، يواجه هذا النمط من الدراسات الكثير من المشكلات، لكنه رغم ذلك يحمل العديد من المزايا، على سبيل المثال كانت تجربة رولتدج الأخيرة هي المرة الأولى من نوعها التي يمكن خلالها أن نربط كرم الناس مباشرة بكيفية تأثير التفاوت (Inequality) على سعادتهم. في الحقيقة لقد واجه الإقتصاديون والنفسانيون على مدى التاريخ صعوبة في شرح مفهوم كالـ "سخاء"، بينما تقدم المعادلات الخاصة بهذه الدراسات تفسيرًا واضحًا لتلك الظاهرة، بل وتعتبر وسيلة مفيدة لقياس، وتكميم، ما يمكن أن نسميه "التعاطف"، بالتالي يمكن لتلك الأدوات الأكثر تحديدًا، وتجريدًا، ودقة - حسب النتائج - أن تساعدنا بقوة في فهم الأثر السلوكي للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على المجتمعات.

  

أضف لذلك أن قياس "السعادة" بشكل رياضياتي سوف يساعد الأطباء على فهم الاضطرابات المزاجية بشكل أفضل وأكثر وضوحًا، وذلك عبر استخدام تلك النماذج لتأمل كيفية تقلب المرضى من حالة لأخرى على مستوى دقيق للغاية لم نكن لنحلم به، إن تلك الوسائل، رغم ظنك أنها تبتعد عن الواقع، لكنها تتشابه مع الرياضيات في قدرتها - كرموز مجردة - على توقع استجابات محددة في أرض الواقع بالفعل، وهو ما يعطيها القوة بالأساس، وهو أيضًا ما قد يفيد فيما بعد أثناء محاوتنا لتطوير علاجات أكثر فاعلية للكثير من الأمراض كالإكتئاب والإضطراب ثنائي القطب.

     

  

نقطة أخرى هامة يثيرها روتلدج حينما يقول لميدان إنه "بالطبع يمكن أن تفسر المعادلات الرياضية الكثير من السلوك والعواطف" مضيفًا أنه "إذا لم تكن قادرة على ذلك، فإن ذلك يعني عدم وجود اتساق على الإطلاق لكيفية اختيارنا أو شعورنا عندما تتكرر المواقف نفسها عدة مرات"، ويقصد روتلدج أننا كبداية يمكن أن نتفق على أن هناك بعض القواعد التي تحكم سلوكنا، فإذا لم تكن تلك القواعد موجودة، تلك التي يرى أن المعادلات هي تمثيل حي لها، فإن الكيفية التي نعيش بها حياتنا سوف تفشل بسبب عدم اتساقها.

  

من جهة أخرى يمكن لأدوات بتلك الدقة، والتجريد، وهذا القدر الواسع من القدرة على تكميم معطيات لم نكن نتصور أنها يمكن أن تحدد بهذا القدر، أن تساعد الحكومات في تقييم مدى سعادة المواطنين، وجودة حياتهم، أو أن تعطينا إجابة - من وجهة نظر مختلفة تمامًا عما كنّا نتصوّر في نطاقات معرفية أخرى - عن أسئلة كـ ما هي السعادة؟ كيف نتحصل عليها؟ على أي أساس نتخذ قراراتنا؟ وكيف نشعر تجاه نتائج تلك الإختيارات؟ وهي كذلك تعد تنبيهًا غاية في الأهمية لذواتنا، هنا ينصحنا رولتدج قائلًا في حوار مع ميدان "في النهاية نكتشف أن العواطف تلعب دورا هاما في صنع القرار الخاص بنا. على سبيل المثال، ما نشعر به عندما نعاني من عدم المساواة يرتبط بقوة بمدى سخاءنا. يجب إذن على الناس الانتباه إلى عواطفهم - فهي تخبرنا  أنفسنا، وما نقدره حقًا - وسنكون غالبًا في وضع أفضل حينما لا يكون الخيار الخاص بنا مدفوعًا فقط بالعاطفة، هنا فقط يمكننا اتخاذ قرار لن نندم عليه"

     

لكن ما يدعو للتأمل بشكل أكبر، حينما ننظر إلى هذا النمط البحثي الواعد ككل، هو التساؤل عن قدرة المعادلات على تحديد أشياء ذات خصوصية شديدة، بمعنى أكثر وضوحًا، إذا كانت هناك معادلات قادرة بالفعل على توقع أشياء خاصة بك كمدى كرمك، حقدك على الآخرين، وشعورك بالذنب، إذا كانت السعادة هي شيء مكمم يمكن بناء نموذج رياضياتي لتوقعه برقم ما بين 1 و100، فما الذي تركته الحياة لنا؟ هل نحن مجبرون سلوكيًا على قرارات نظن أننا اتخذناها بكل حرية؟ هل يمكن أن نكون، رغم تعقدنا الشديد، وهالة الوعي التي تغلف كياننا، فقط نتائج لمعادلة رياضية أكبر محسوبة جيدًا؟ يدفعنا ذلك للتساؤل الذي اعتدناه كثيرًا: إن كان الأمر كذلك، فمن نحن؟ كما قال هوكينج "مجرد حثالة كيميائية على كوكب متوسط الحجم، يدور حول نجم متوسط للغاية، في الأطراف الخارجية لواحدة من بين مائة مليار مجرة"؟ أم أننا أكبر من ذلك؟ 

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار