اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/27 الساعة 16:16 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/11 هـ

انضم إلينا
هل يمكنك الثقة بويكيبيديا؟

هل يمكنك الثقة بويكيبيديا؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
      

"وجدتها على ويكيبيديا".. غالبا ما تكون تلك الجملة، بشكل أو بآخر، مدعاة لعدم الثقة في معلومة ألقى بها أحدهم أمامنا في حديث عن موضوع علمي، اجتماعي، أو سياسي ما، فنحن نعرف أن ويكيبيديا هي الموسوعة الحرة، تلك التي يمكن لأي أحد أن يدخل إلى أي من موضوعاتها ويعدلها كما يشاء، لذلك يمكن أن تدخل إليها وتضع رأيك، توجهك السياسي، أو الديني، أو العرقي، ثم تخرج لتقول إنها معلومة موجودة في ويكيبيديا، أليس كذلك؟!

 

نعم، في الحقيقة، الأمر أعقد كثيرا من ذلك، لكن دعنا، قبل البدء في الحديث عن مدى جودة موسوعة يقوم بتحريرها1 141 ألف عضو نشط يمثلون النصف في المئة فقط من مجموع محرريها، نسأل عن الأسباب التي تدفع بالناس إلى الذهاب إلى ويكيبيديا بالأساس، حيث نعرف أن عدد المرات التي يقرأ فيها أشخاص موضوعات على ويكيبيديا يتخطى الـ 18 مليار مرة شهريا، يعني ذلك أقل فقط بعدة وحدات عشرية من ثلاثة موضوعات في الشهر لكل فرد على الكرة الأرضية، هنا سوف تساعدنا ويكيبيديا نفسها في الإجابة عن هذا التساؤل.

     

   

لماذا ندخل إلى ويكيبيديا؟

نشرت الموسوعة الحرة، قبل عدة أشهر، نتائج دراسة استقصائية2، شارك فيها 215 ألف شخص من القراء عبر أربع عشرة لغة، تسأل روّادها بشكل عام عن "لماذا تقرأ هذا المقال على ويكيبيديا اليوم؟"، هنا جاءت تلك النتائج لتقول إن 35% من قراء ويكيبيديا قالوا إنهم قد جاؤوا إليها من أجل البحث عن حقيقة محددة، بينما قال 33% إنهم قد جاؤوا فقط لاستعراض موضوع ما، و32% قالوا إنهم قد جاؤوا للويكيبيديا للبحث -بشكل أكثر عمقا- عن موضوع بعينه، أما حينما سألنا الخاضعين للاستقصاء عن الحافز الذي دفعهم إلى الدخول إلى ويكيبيديا والبحث في الموضوعات الخاصة بها، سواء كان قرارا شخصيا أو نتيجة لقضايا تُثار عبر عدة وسائل، جاءت النتائج على غير المتوقع.

 

حيث احتلت الرغبة الجوهرية في التعلم المرتبة الأولى، يليها البحث عن موضوع أُثير على وسائل التواصل أو التلفاز، يلي ذلك أن حديثا مع آخرين أثار رغبتهم في البحث، ثم الواجبات المدرسية، فالأحداث الجارية، إلى أن نصل إلى أن ذلك تم فقط بغرض الاستكشاف العشوائي. ويكيبيديا إذن تكتسب بالفعل ثقة معظم قرّائها، فهم يعتبرونها مصدرا للتعلم، خاصة حينما أقر 55% منهم بأن لديهم درجة كبيرة من الألفة مع موضوعاتها ونمط تقديمها، لكن، هل تستحق ويكيبيديا تلك الثقة؟

 

في تلك النقطة يمكن أن نلجأ إلى دراسة شهيرة نُشرت3 عام 2005 بدورية "نيتشر" (Nature) الشهيرة تحاول المقارنة بين 42 موضوعا علميا من كل من موسوعتي "ويكيبيديا" الموسوعة الحرة و"الموسوعة البريطانية" (Encyclopedia Britannica)، والتي تعد أشهر موسوعة معروفة، والفكرة ببساطة أن يقوم مجموعة من المتخصصين بدراسة تلك المقالات والبحث عن أخطائها، بعد ذلك يكتب كل منهم عرضا للمقال، ثم يقوم فريق نيتشر بتحليل تلك البيانات واستخراج النتائج.

 

ويكيبيديا على المحك
كانت النتائج، في الحقيقة، مفاجئة، حيث اكتشفت الدراسة4 أنه في مقابل 162 خطأ في مجموع مقالات الموسوعة البريطانية، نحو 3.8 خطأ في المتوسط لكل مقالة، كان هناك 123 خطأ بالموسوعة الحرة (ويكيبيديا)، نحو 2.9 في المتوسط للمقال الواحد، ما يعني تقاربا شديدا بين الموسوعتين، بل إنه من بين 8 أخطاء فادحة اكتُشفت في كل المجموعة المعروضة للدراسة من المقالات، جاءت 4 منها من نصيب الموسوعة البريطانية، و4 أخرى من نصيب ويكيبيديا، ما يعني تساويا تاما في هذا الصدد بين الموسوعتين.

   

   

بالطبع، على الرغم من تتالي الإشارات حول ركاكة اللغة التي كتبت بها مقالات الويكيبيديا مقارنة بالموسوعة البريطانية، وسوء أسلوب عرضها بدرجة أكبر، أثارت تلك النتائج موجة واسعة من الجدل لا تزال تمتد إلى الآن، ويكيبيديا هي موسوعة مفتوحة، يمكن لأستاذ في الفيزياء الفلكية أن يدخل ليضيف موضوعا ما عن تصنيفات النجوم، لكن أي شخص آخر غير مختص له أيضا القدرة نفسها على التعديل في المقال نفسه، في المقابل فإن الموسوعة البريطانية هي حالة مختلفة5 تماما، يكتبها 100 موظف بدوام كامل، وأكثر من 4400 مساهم مختص، منهم حاصلون على جوائز نوبل، ولا تسمح بالتعديلات العشوائية.

 

من جهة أخرى كان جورنال علم الأورام الإكلينيكي (Journal of Clinical Oncology)، في 2011، قد حاول البحث خلف الآلية التي يتحصل بها مرضى السرطان وأقرباؤهم على المعلومات عبر الإنترنت، ومدى دقة مصادرهم، هناك جاءت6 مقارنة بين مقالات عن 10 أنواع من السرطان في ويكيبيديا ومصادر متخصصة لتقول إن كلا من المصدرين كان له نفس الدقة والعمق، بل وكانت ويكيبيديا، حسب نتائج الدراسة، أكثر تحديثا من المصادر الأكاديمية، لكنها، في تلك الموضوعات عن السرطان، كانت المصدر الأقل إقبالا، لأن الأسلوب الذي كتبت به مقالات ويكيبيديا كان أكثر تعقيدا وأقل وضوحا لهم.

 

كذلك فإن جريدة الجارديان7 كانت قد حاولت بدورها، في تقرير خاص عن الثقة في ويكيبيديا، عمل نوع من الاستقصاء عبر سؤال مجموعة من المتخصصين حول مقالات مرتبطة بتخصصهم في ويكيبيديا وإعطائها درجات من 0 إلى 8 حول الجودة والدقة والسهولة، هنا جاءت الآراء من معظم المتخصصين لتقول إنه بالنسبة لدقة وعمق المعلومات، فإن ويكيبيديا صحيحة إلى حد بعيد، لكن، على الرغم من ذلك، فإن هناك مشاكل تتضمن فقر أو تعقّد الأسلوب، وضعف التوازن بإعطاء نقاط، أو مجالات، غير مهمة اهتماما بدرجة أكبر من غيرها.

 

في الحقيقة، ومع القليل من البحث، سوف تجد دائما الكثير من الدراسات8، 9، 10، 11 والاستقصاءات التي توضح أن جودة ويكيبيديا، في الموضوعات العلمية على وجه الخصوص، والطبية على وجه أكثر خصوصية، أكبر مما كنت تظن بفارق واضح، وأنها تستحق بالفعل كل تلك الثقة من روّادها، لكن تلك الرصانة تبدأ في التلاشي تدريجيا كلّما اقتربنا من موضوعات جدلية بدرجة أكبر، حتّى في العلم، فمثلا كانت دراسة مهمة12 في الدورية الشهيرة "بلوس ون" (PLOS ONE) قبل عدة سنوات قد أوضحت أن هناك مشكلة واضحة تواجه بعض الموضوعات الجدلية كالتطور، والتغير المناخي، والأمطار الحامضية.

   

حينما تكون الموضوعات جدلية تنطلق معارك غير مرئية بين أشخاص لا يعرفون بعضهم بعضا من أجل تعديل المقالات الخاصة ببعض الموضوعات لتناسب توجهاتهم

مواقع التواصل
     

حيث قام الباحثون بمقارنة تلك الموضوعات مع ثلاثة أخرى لا جدل عليها، وهي الانحراف القاري، والنظرية النسبية العامة، والنموذج المعياري لفيزياء الجسيمات، هنا جاءت النتائج لتقول إن معدلات الدخول من قِبل محرري الموسوعة الحرة وقيامهم بالفعل بتحرير تلك المقالات التابعة للنطاقات المثيرة للجدل كالتطور أكبر بفارق واضح من تلك التي تحدث في حالة الموضوعات الأقل إثارة للجدل كالنموذج المعياري لفيزياء الجسيمات مثلا.

 

في موضوعات كالتغير المناخي، يمكن لنا أن نرصد تعديلات في الصفحة نفسها بمعدل ضخم يوميا من قِبل أحدهم، مع احتمالية كبيرة أن يحذف أو يضيف كما كبيرا من المعلومات (110 كلمة في اليوم)، ما يشبه فقرة كاملة مثلا، في مقابل حذف أو إضافة ما يقترب من عشر كلمات فقط يوميا بالنسبة للموضوعات العلمية الأقل تسببا في الجدل، وبالطبع يؤثر ذلك بوضوح على درجة استقرار المعلومات، وبالتالي دقتها، في الموسوعة الحرّة، خاصة حينما تكون تلك التعديلات متحيزة للغاية، وخاطئة تماما.

 

حروب التحرير!
حروب التحرير13 (Edit War) إذن هي إحدى المشكلات التي تواجه دقة المعلومات في الموسوعة الحرّة، فقط حينما تكون الموضوعات جدلية تنطلق معارك غير مرئية بين أشخاص لا يعرفون بعضهم بعضا من أجل تعديل المقالات الخاصة ببعض الموضوعات لتناسب توجهاتهم، في 2013 قام مجموعة باحثين من جامعات أوكسفورد، وبودابست، ونيوجيرسي، بمحاولة رصد الموضوعات الـ 100 الأكثر جدلا، أي الأكثر تحريرا، على ويكيبيديا، على مدى عشر سنوات سابقة، ضمن 13 لغة، كانت العربية واحدة منها.

    

   

ضمن ويكيبيديا الإنجليزية كانت أكثر الموضوعات جدلا هي جورج بوش، ثم الأناركية، ثم النبي محمد، ثم قائمة أبطال الـ "WWE"، ثم الاحترار العالمي، والختان، والولايات المتحدة، والمسيح، والعرق والذكاء، والمسيحية، أما في ويكيبيديا اللغة العربية فكانت أغلب الموضوعات التي نشبت فيها أكبر درجات الجدل ذات طابع ديني، فجاءت الأشعرية في المركز الأول، مع موضوعات أخرى كالشيعة، والإسلام السني، والنبي محمد، وعلي، وسوريا، ومصر، وياسر الحبيب وهو رجل دين شيعي أثار الجدل، في الحقيقة يمكنك تأمل تلك الدراسة14، سهلة القراءة، من المصادر بالأسفل والاطلاع على بقية اللغات، الأمر حقا مثير للاهتمام.

        

أما حينما نضيف حالات التداخل بين اللغات، فإن الملاحظة الأساسية هي أن "كلٌ يبكي على ليلاه"، بمعنى أن كل نطاق جغرافي يبحث في موضوعات تخص سياساته وتاريخه وثقافاته... إلخ، لكن فقط عند منطقة الشرق الأوسط يصبح الجدل عالميا لا يوجد ضمن نطاق جغرافي محدد، لذلك ستكون موضوعات كإسرائيل، وحرب غزة، والهولوكوست، والنبي محمد، هي منطقة جدل في كل اللغات تقريبا وعلى كل النطاقات الجغرافية، خاصة أوروبا وأميركا، فمثلا سوف تجد أن هناك ترددا عاليا في مرّات تحرير صفحة النبي محمد من قبل اللغتين العربية والفارسية، كذلك يرتفع الجدل حول موضوع "إسرائيل" عبر لغات عدة، لكنه يكون أكبر ما يكون في المنطقة العربية بين اللغتين العربية والعبرية، بالتالي تعتبر "حروب التحرير" في ويكيبيديا هي انعكاس حقيقي لواقع الجدل على الأرض.

 

لكن عندما نتأمل الموضوعات الأكثر اضطرابا15، بسبب حروب التحرير، فسوف نجد بالطبع أن موضوعات تتعلق بالسياسة (بنسبة 25% من الجدل كلّه)، موضوعات عن السياسيين، الأحزاب السياسية، الأيديولوجيات والحركات السياسية، هي الأكثر جدلا على الإطلاق، يليها موضوعات تتعلق بالمواقع الجغرافية، الدول والمدن، ثم يلي ذلك موضوعات عن الدين، ثم التاريخ، ثم بعد ذلك الجنس والقضايا الجندرية، حقوق الإنسان والبيئة، ويأتي العلم في المرتبة التي تليها بقيمة 6% فقط من الجدل، خاصة في موضوعات بعينها تحدثنا عنها قبل قليل، بينما تعد أقل الموضوعات جدلا هي تلك المتعلقة بالموسيقى (3% فقط).

  

تقسيم الموضوعات الـ 1000 الأكثر جدلا على ويكيبيديا ضمن 10 لغات منها العربية

      

بالتالي يمكن أن نستنتج أن ويكيبيديا آمنة إلى حد كبير حينما نتحدث في الموضوعات العلمية، بل أكثر قربا بالمراجع الجامعية المتخصصة، والموسوعات غير المفتوحة كالموسوعة البريطانية، علما بأنه رغم كل تلك الحروب التحريرية في الموضوعات الجدلية، ذات الطابع السياسي مثلا، فإن أحد أهم مزايا ويكيبيديا هي كم المصادر المهول الموجود أسفل كل مقالة فيها، ورغم أنه قد يكون هناك تحيز واضح في اختيار تلك المصادر، في القضايا الجدلية، فإنه يمكن بتتبع المصادر أن تكتشف بنفسك درجات التحيز تلك.

  

حكمة الحشد
خذ مثلا مقالات النظرية النسبية في ويكيبيديا، أو الطاقة المظلمة16، مقالات تمدد الكون وهندسة الزمكان، الكونيات، ومقالات فلسفة العلم في العموم، ستجد أنك أمام كم من المعرفة لم يكن من المتصور أن تجده مجانا أبدا، في تلك النقطة تظهر قوة ويكيبيديا كمصدر مفتوح، يقدم خدماته بشكل مجاني، في فترة من تاريخ العالم أصبح كل شيء خلالها غير مجاني، بل ويمكن لنا مد الخط على استقامته للقول إن نجاح ويكيبيديا كمصدر للتعلم بالأساس، وانتشارها السريع والقوي، هو ما ألهم منصات المساقات التعليمية التي ظهرت واحدة بعد الأخرى خلال السنوات القليلة السابقة، فأصبح التعلم، وحده، أكثر مجانية من ذي قبل، على عكس خط سير الأمور في هذا الكوكب.

 

في المرة القادمة إذن، حينما تزور ويكيبيديا، توقع أن ترى محتوى أكثر رصانة مما كنت تظن، لكنه كذلك أكثر دعوة للقلق في الموضوعات الجدلية، خاصة المتعلقة بالشخصيات، أو الموضوعات التي تمتلك بُعدا سياسيا أو دينيا، لكن في النهاية فإن أفضل ما في ويكيبيديا، بالنسبة للقارئ العام، أو الباحث عن معلومات بعينها من أجل كتابة بحث مدرسي، تقرير علمي، أو عمل سكريبت لفيديو معرفي، وهنا نقصد -للأسف- النسخة الإنجليزية فقط، هو نقطتان:

    

  

أولهما هو قدرتها على تقديم مداخل قوية في موضوعات عدة يمكن من خلالها أن تتعرف على الشكل العام (Overview) لهذا الموضوع، ثم بعد ذلك تقوم بتفريع بحثك عن تلك الموضوعات الجانبية بشكل أكثر خصوصية، ويكيبيديا إذن تعطيك الشجرة وفروعها، ويمكن لك أن تتبع الفروع كما تحب، والثاني هو مصادرها، تحتوي مقالات الموسوعة على كم مهول وممتع من المصادر والتي يمكن أن تفتح لك، بينما تستعرض موضوعا ما، أبوابا عدة للتعرف بشكل أكثر عمقا على هذا الموضوع. ولأغراض التعلم، يمكن القول إن ويكيبيديا، إلى الآن، هي أفضل مصدر ممكن.

 

يدعونا ذلك في الحقيقة إلى بعض التأمل، فعلى الرغم من أن هناك احتمالا واسعا أن يقوم أحدهم بتخريب كل ذلك المصدر الضخم للمعرفة، فإن ذلك لا يحدث، تزداد الموسوعة قوة يوما بعد يوم، وتزداد انتشارا، يرتفع عدد موضوعاتها وعدد محرريها، تزداد دقة المصادر وقوتها وعمقها، إننا هنا أمام نموذج لقوة الحشد (Crowed)، حيث يتفاعل مجموعة ضخمة من البشر، كلٌ بغرضه وقدراته الخاصة، لصنع شيء عظيم رائع أكبر في قدراته من قوة المجموع، وهو شيء لا نراه إلا في عوالم النمل والنحل عالية التنظيم، نحن إذن أمام دليل على أنه يمكن للبشر أن يكونوا أكثر حكمة، كذلك فإننا أمام عالم جديد غاية في الجرأة، أمام مستقبل مفتوح، واحتمالات باتساع المجرة، لذلك؛ دعني هنا أقتبس من فيلسوفي المفضل "كارل بوبر"، فواجبنا هو أن نظل متفائلين.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار