انضم إلينا
اغلاق
كيف يمكن للعلم تفسير انتحار لعبة الحوت الأزرق؟

كيف يمكن للعلم تفسير انتحار لعبة الحوت الأزرق؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
      
في الساعات الأولى من صباح ربيعي هادئ بقرية بورنفيل، التابعة لمدينة برمنجهام بالمملكة المتحدة، كان كل من روبرت وتراسي مولاني يجهزان نفسيهما ليوم عمل جديد شاق ربما، أو ربما ممتع. بعد الانتهاء من إعداد طعام الإفطار طلبت ترايسي من روبرت أن يذهب ليوقظ ابنهما كي يبدأ في التجهز ليوم دراسي جديد، هنا جاءت المفاجأة المفجعة، حينما وجدت العائلة مراهقها البالغ من العمر خمسة عشر عاما قد شنق1 نفسه، لكن تلك لم تكن حادثة انتحار عادية.

      

لم ينتحر توم مولاني بسبب تحدي الحوت الأزرق، كان ذلك في العام 2010 قبل عدة أعوام من ظهور التحدي، لكن ما تسبب في انتحار مولاني، حسب تصريحات والديه والزملاء في المدرسة وقتها، كان تنمرا إلكترونيا تعرض له توم قبيل انتحاره، حيث كان كثيرا ما يتعرض للشتم، والتوبيخ اللاذع، والاتهامات الكاذبة، على حساباته في صفحات التواصل الاجتماعي، من قِبَل مجموعة من المتنمرين المجهولين، ما دفعه بعد فترة ليست بطويلة من التوتر والحزن إلى قتل نفسه بالانتحار.

   

مهمّات خاصة

لكن لفهم العلاقة بين ما حدث لتوم مولاني، وخبر قد انتشر قبل أيام عن انتحار شاب مصري2 الجنسية في الثامنة عشرة من عمره بسبب ما صرّحت عائلته أنه "لعبة الحوت الأزرق" نحتاج أن نبدأ بالقول إن "الحوت الأزرق" ليست "لعبة" بالمعنى المفهوم، أي إنها ليست تطبيقا على الهواتف الذكية أو برنامجا تقوم بتحميله على الحاسوب الخاص بك، إنما هو، كما يبدو حسب الكثير من التصريحات، "تحدٍّ" يوجد فقط ضمن مجموعات مغلقة من الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي، تحدٍّ نعرف أن من صممه، حسب ادعائه، كان الروسي فيليب بوديكين3 (Philipp Budeikin).

      

  

يتضمن التحدي مجموعة من المهمات4 يكلّف بها من قرر الخوض فيه، تبدأ من مهمات بسيطة كالاستيقاظ في موعد محدد، مشاهدة أفلام رعب بعينها، الاستماع لأغانٍ محددة، رسم شكل الحوت على الجلد بأداة قاطعة، إيذاء الجسم بطرق مختلفة، الانعزال عن الناس لمدة يوم كامل، ثم تتطور التحديات شيئا فشيئا في العنف حتى نصل إلى التحدي النهائي وهو أن يطلب مدير التحدي من الخاضع له أن ينتحر في موعد محدد بالقفز من أعلى المنزل مثلا، هنا يظهر أن فكرة التحدي ببساطة ترتبط بشخصين تجمعهما علاقة من نوع خاص.

   

الأول هو المسؤول عن التحدي، وهو ببساطة نموذج للمتصيد الإلكتروني5 والذي ترتبط صفاته النفسية، كما تشير دراسة أيرين باكل (Irene Buckel) من قسم علم النفس بجامعة مانيتوبا، كندا، بما نسميه الرباعي المظلم (Dark Tetrad)، ويعني ذلك وجود أربع صفات مضطربة بالشخص نفسه، هذه الصفات هي السادية (Sadism) (بنوعيها الصريح وغير المباشر)، والميكافيلية (Machiavellianism)، والاعتلال النفسي (Psychopathy)، والنرجسية (Narcissism).

   

السادية هي التلذذ بإيذاء الآخرين والتمتع بتخريب حياتهم دون أي شعور بالذنب، أما الميكافيلية فهي ترتبط بأشخاص يتعمّدون التلاعب بالآخرين واستغلالهم لتحقيق المصلحة الذاتية فقط دون أي اعتبارات أخرى، مع برود واضح وانفصال ساخر عن الأخلاق والذوق العام، أما الاعتلال النفسي فيشير بشكل عام إلى أفكار معادية للمجتمع، وتتميز تلك الشخصية بالاندفاع، والقسوة بالطبع، ثم أخيرا، النرجسي، هو شخص أناني ومتكبر، لديه شعور بالعَظَمة، وغير متعاطف مع الآخرين.

    

وضحايا محتملون

تتركز مهمة هذا المتصيد، كما يبدو، في إيجاد الضحية المناسبة، والذي غالبا ما يكون مراهقا سهل الانقياد متحفزا بالفعل لأداء تلك المهمات، هنا تبدأ المشكلة، حيث إن الراغب في الانضمام لذلك التحدي غالبا ما يكون قد تعرض لنكسة نفسية، أيا كانت صورتها، الاكتئاب مثلا، وتجهز لاستقبال هذا النوع من الممارسات الذي أخبره عنه صديق أو قرأ عنه عبر الإنترنت، وتكون المهمة الإضافية لهذا المسؤول عن التحدي هي، ربما، الحفر في منشورات الضحية وربما الإلقاء بأي برمجيات خبيثة في جهازه أثناء الحديث معه لتسجيل ما يمكن أن يستخدم فيما بعد للضغط على الضحية وابتزازه من أجل استكمال المهمات.

     

   

في تلك النقطة يتضح ما نحاول أن نشير إليه منذ بداية التقرير، إن ما نراه واضحا في ظاهرة الحوت الأزرق، حسب ما انتشر عنها من أخبار خلال السنتين السابقتين، هو أننا أمام نموذج صريح للتنمر الإلكتروني6 الذي كان قد تسبب بالفعل في حالات انتحار سابقة، كحالة توم مولاني، لكن هنا يجب أن نوضح أن هناك فارقا بين وجود هذا النوع من التنمر الإلكتروني ووجود حالات انتحار بسبب لعبة محددة تسمى الحوت الأزرق، ركز معنا هنا قليلا.

   

حيث إنه وعلى الرغم من وجود الكثير من الإشارات، فإننا لا نجد أي تصريحات من هيئات متخصصة تربط بين الحوت الأزرق وحالات الانتحار المشار إليها في السنتين السابقتين، حتّى إن بعض المؤسسات قد صرّحت7 أن الانتحار بسبب الحوت الأزرق هو خبر زائف انتشر بشكل مهول وتمت المبالغة في أثره لكسب أعداد ضخمة من المتابعين لبعض الصفحات الإخبارية، كذلك نحن لا نجد أي إحصاءات8 واضحة عن ارتفاع معدلات الانتحار بعد انتشار تلك الأخبار، لكن وجود متنمرين قد يستغلون المراهقين والشباب في سن صغيرة ويدفعون بهم للانتحار عبر الزج بهم من خلال استغلال حالاتهم النفسية السيئة أو ابتزازهم هو أمر ممكن بالطبع.

   

وما نود الإشارة إليه، في تلك المرحلة، هو أنه سواء وُجد ذلك التحدي بالصورة التي يتم الترويج بها له أم لا، وهو غالبا ليس كذلك، فإن المشكلة الرئيسية التي نفوّتها أثناء أحاديثنا المبهرجة في وسائل التواصل الاجتماعي حول "لعبة تسحر الأطفال وتدفعهم إلى الانتحار" هو حالة الطفل الذي يقرر بالأساس الخضوع للتصيد الإلكتروني ذي الطبيعة المشابهة، أيا كانت صورته، فهو يعبر عن نموذج نجده واضحا في نظرية اقترحها توماس جوينر، متخصص علم النفس الإكلينيكي من جامعة فلوريدا، قبل عدة سنوات حول دوافع الانتحار، تتكون تلك النظرية من ثلاث أفكار تنمّي نفسها في دماغ المُقدِم على الموت بالانتحار.

   

لكن.. ما المشكلة؟

في تقرير سابق بعنوان "كيف نفهم الانتحار؟"9 تحدثنا عن تلك النظرية بشكل أكثر تفصيلا، لكن للاختصار دعنا نقول إن الفكرة الأولى هي "أنا وحيد"، حيث يشعر الشخص بانعزال تام عن العالم من حوله، والثانية هي "أنا عبء"، وهو شعور الشخص بأنه حمل ثقيل على من هم حوله، غالبا ما تجتمع هاتان الفكرتان في الحالات القاسية من مرض الاكتئاب بشكل أكثر وضوحا، أما الفكرة الثالثة فهي فكرة "أنا غير خائف من الموت"، ويطورها الشخص الذي تعرض بالفعل لحالات سابقة من العنف الشديد. حينما تجتمع تلك الأفكار الثلاثة معا فنحن أمام شخص يمكن أن ينتحر بالفعل.

     

  

أضف إلى ذلك أن أحد أساب الانتحار المحتملة، والمتعلقة بانتشار الأخبار عن لعبة الحوت الأزرق، هو الانتحار بالتقليد (Copycat)، أو ما نسميه بتأثير ويرثر (Werther effect)، حيث تجد مثلا أنه خلال مدة زمنية محددة يُقدِم مجموعة من الطلبة بالمرحلة الثانوية على الانتحار بالطريقة نفسها، أو أن ترتفع المعدلات10 بقيمة 10% بعد انتحار ممثل شهير مثل روبين ويليامز في أغسطس/آب 2014، وما يحدث بالفعل هو أن انتشار تلك الموجات الواسعة من الأخبار حول الانتحار، أو حدوث حالات انتحار فعلية في وسط محدد (طلبة المرحلة الثانوية مثلا)، يتسبب في دفع المزيد من هؤلاء الذين يفكرون بالفعل في الانتحار إلى اتخاذ خطوتهم تأثرا بتلك الأخبار.

     

بل يمكن هنا أن نتحدث عن ظاهرة غاية في الغرابة، فمثلا بعد الانتشار الواسع لمسلسل11 "13 سببا" (Thirteen Reasons Why)، والذي يحكي عن فتاة انتحرت، لكنها قبل ذلك تركت صندوقا من الرسائل لصديقها تخبره بأسباب انتحارها، ارتفعت نسب البحث في محرك البحث جوجل عن جمل كـ "كيف أنتحر" بمعدل12 26% أكبر من الطبيعي، بالتأكيد لا يمكن استخدام ذلك كإشارة تجريبية واضحة إلى حالات انتحار حدثت بالفعل، لكنه إشارة إلى أن بعض الأشياء، مهما بدت خارج إطار التساؤل، قد تتسبب في انتشار ظاهرة كالانتحار.

   

عبدة الشيطان.. مرة أخرى؟!

لذلك فإن أسوأ ما حدث في حكاية "الحوت الأزرق" هو تلك الموجة الواسعة من الأخبار التي ملأت الإنترنت العالمي والعربي لتصور ذلك التحدي على أنه شيء سحري خاص ربما يرتبط بتنويم مغناطيسي، بل وربطه البعض بحالات اللبس والمس من الجن، وألمح البعض الآخر إلى موضوع عبادة الشيطان والطقوس المرتبطة بذلك، وكانت تلك حادثة شهيرة قد خلقت حالة واسعة من الجدل في تسعينيات القرن الفائت بمصر، وتم استخدام كل هذا فقط من أجل تحقيق انتشار واسع للخبر وصانعيه أو ربما يستخدم بعضها لأغراض سياسية.

      

   

وربما كان السبب في انتشار تلك الأخبار الفانتازية المصبوغة بجانب سحري عن اللعبة هو طبيعة الخطوات الخمسين المرعبة التي يقوم الخاضع لها بتنفيذها، كذلك خبر القبض على فيليب بوديكين (Philipp Budeikin)، الروسي ذي الأعوام الواحد والعشرين، والأساطير حول أسباب طرده من كلية علم النفس، وكونه كان طالب علم نفس بالأساس، بالإضافة إلى تصريح ينسب إليه يقول فيه إنه ابتكر اللعبة للتخلص من حثالة هذا العالم، فمن يخضع للعبة كتلك هو شخص ضعيف لا يجب أن يستمر في الحياة، لذلك سوف نتخلص منه، كل ذلك بجانب ما انتشر أن سبب تسميتها كذلك هو أن الحوت الأزرق ينتحر بإلقاء نفسه على الشاطئ تسبب في إعطاء طابع غرائبي للعبة.

   

المشكلة ليست إذن في "الحوت الأزرق"، سواء كانت ظاهرة حقيقية منتشرة بالقدر نفسه الذي تشير له أخبار وسائل التواصل أم لا، المشكلة أن التنمر الإلكتروني هو بالفعل ظاهرة واسعة الأثر لا نجد لها حلولا واضحة بعد، بل لا نستطيع إلى الآن استيضاح أسباب مؤكدة لاستمرار البعض في ممارسة هذا النوع من التنمر مع الآخرين، في النهاية فإن هناك وسيلة سهلة قد تساعد أطفالنا على تجنب ذلك كله، وهي متابعتهم والاهتمام بخلق جسر من التواصل معهم، سوف يحميهم ذلك من عدة مشكلات إلكترونية ممكنة، سواء كان مجرد تنمر بسيط في الفصل الدراسي، أو حالة أكثر شدة بابتزاز من قِبَل أحد المتنمرين الإلكترونيين. 

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار