اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/15 الساعة 17:23 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/1 هـ

انضم إلينا
علوم مزيفة.. هل تمني شيء يعجل بحدوثه؟

علوم مزيفة.. هل تمني شيء يعجل بحدوثه؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     

يمر العالم بفترة متشككة من تاريخه، يفقد الناس الثقة في الأنظمة السياسية والاقتصادية التي لا تقدم حلولا فعالة لمشكلاتهم، ويمل المرضى من تجريب عشرات العلاجات الجديدة للسرطان والاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب دون نتائج، فيفقدون الثقة في هذا النمط العلمي الذي يأخذ الكثير جدا من الوقت للإتيان ببعض النتائج، ويبدأ البعض منهم في البحث عن حلول بديلة تريح أوجاعهم، هنا تظهر علوم الطاقة، وقانون الجذب، وكل الصور الأخرى للتنمية البشرية المعاصرة، لتقدم تلك الحلول السهلة بادعاءات ذات شكل علمي، مقدمة نفسها على أنها "العلم البديل".

    

لا نعرف، في الحقيقة، تاريخا محددا لبدايات هذا النمط المعاصر من التنمية البشرية، لكن يمكن القول إن كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" لديل كارنيجي الصادر في الأربعينيات من القرن الفائت كان نقطة تحول أساسية في تاريخ هذا النوع من تقديم "الراحة"، والذي بدأ، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، في صورة كتب، وربما محاضرات، تخفف عن الناس وطأة الحياة، وتدفعهم إلى تأمل ذواتهم بدرجة أكبر، ما قد يتسبب في اكتشافهم للمشكلات التي يواجهونها حقا، ويبدؤون في التعامل معها بدرجات من الهدوء، وما زال هذا الكتاب إلى الآن واحدا من أكثر الكتب مبيعا.

  

تاريخ موجز للعلم الزائف

بمرور الوقت، وارتفاع إقبال الناس على هذا النمط من "التنمية البشرية"، ظهرت موضوعات جديدة ضمن نطاقاتها، فبعد أن كان الحديث الأساسي ذا علاقة بكيفية تجنب القلق، وكيفية رؤية الأمور من منظور آخر لتعديل أفكارنا عن ذواتنا والعالم، وجرعات التحفيز بالحديث عن تجارب بعض الناجحين مثلا، تدخّل البعض، في نقلة نوعية تماما، ليضع ما يشبه "القوانين" الجديدة للتنمية البشرية التي أصبحت، عبر تلك القوانين، شبيهة بالعلم، أي إنها لم تعد فقط تحفز الناس بكتاب أو محاضرة عن تجربة شخصية ما، ولكن بدأ روّادها في وضع آليات علاجية، وتقنيات تأملية، و-في المقابل- وضع ادعاءات بقدرة تلك الآليات والتقنيات على علاج أمراض بعينها، بجرعات محددة من تمارين يعلّمها المدرب لك.

  

  

هنا نحتاج إلى التوقف قليلا والقول، باختصار وبساطة، قبل الخوض في موضوعنا، إنه من وجهة نظر علمية، فإن تلك التقنيات والآليات والقوانين هي علوم زائفة1 (Pseudoscience) لا تمت للعلم بصلة ولكنها فقط تتخذ، ظاهريا، شكل الكتابة أو الأداء العلمي، بمعنى أن علوم الطاقة، والبيوجيومتري، والبرمجة اللغوية العصبية، وقانون الجذب من كتاب السر، والطب البديل، إلخ، هي ممارسات غير علمية لم تقف ثابتة أبدا أمام الاختبارات العلمية التي تميزها عدة صفات، منها أن تكون قابلة للتكذيب عبر التجارب، وأن نتمكن من تكرار تلك التجارب للحصول على نتائج متشابهة.

   

لكن، دعنا الآن نضع كل ذلك الحديث عن الفارق بين ما هو علمي وما هو غير علمي جانبا ونتساءل قليلا عن جذور تلك القفزة الأخيرة التي طالت هذا المشروع المعاصر، بمعنى آخر، دعنا نتساءل ببساطة: هل تتخطى علاقة تلك التقنيات بالعلم حاجز حاجتها دعما معرفيا إلى ما هو أعمق من ذلك؟ أو دعنا نعيد صياغة سؤالنا بصورة أخرى: هل ظهرت تلك التقنيات للمرة الأولى في اللحظة التي استدعت وجودها قبل، قُل، أربعين إلى ستين سنة، بعالم التنمية البشرية؟

  

لا، للوهلة الأولى يظن البعض أن تلك التقنيات الأخيرة هي امتداد طبيعي لعالم التنمية البشرية الذي يتوسع يوما عن يوم لربط ذاته بعلم النفس أو الفيزياء النظرية (الكوانتم خاصة) فيصبح صناعة بقيمة مليارات الدولارات تجتذب الملايين من البشر، لكن ذلك ليس صحيحا، فتلك الادعاءات لها بالأساس جذور أخرى أكثر عمقا خارج إطار العلم أو عالم التنمية البشرية نفسه، إنها جذور دينية ضاربة في تاريح عدة حركات فلسفية دينية انتشرت قبل عدة قرون، واتخذت من تلك المبادئ نفسها طقوسا وعبادات ثم جرى استيرادها لعالم التنمية البشرية المعاصر بصورة أكثر التصاقا بالعلم.

  

لنأخذ مثلا كتاب2 "السر" الصادر في عام 2006 كتفريغ لوثائقي يحمل الاسم نفسه من تأليف روندا بايرن والذي لاقى رواجا شديد الاتساع في العالم كله، يتحدث الكتاب عمّا نسميه بقانون الجذب (Law of Attraction)، والقائل إن الأشياء المتشابهة تتجاذب، فإذا أردت الصحة، والمال، والزواج السعيد، كل ما يجب عليك فعله هو التركيز على تلك الأشياء والتفكير بشكل موجب ناحيتها وسوف تأتي لك طائعة، لكن دعنا نقارن بين تلك الفكرة وأخرى لحركة دينية تُدعى "الفكر الجديد" 3(New Thought) نشأت في الولايات المتحدة الأميركية في القرن التاسع عشر.

     

    

دين معاصر!

حيث كان فانياس كويمبي4 (Phineas Quimby)، الذي استقت منه تلك الحركة تعاليمها، مصابا بداء الدرن، ولم تتمكن أي من العلاجات التي خضع لها أن تنقذه، فقرر التوقف عنها وتجريب شيء آخر مختلف نجح بالفعل في تخفيف ألمه، وهو الركض بحصانه وتأمل الطبيعة، تسبب ذلك، كما ادّعى، في أن شُفِيَ كويمبي تماما من مرضه، دعا هذا الحدث الجلل كويمبي إلى تكوين أفكار متعلقة بالشفاء الذاتي، وقدرة العقل على توجيه الجسد للتخلص من مشكلاته أيا كانت، فيقول5: "والمشكلة بالأساس في العقل، لأن الجسد هو فقط البيت الذي يسكن فيه العقل، لذلك إذا خُدع عقلك من قِبَل بعض الأعداء غير المرئيين باعتقاد ما، فقد وضعت هذا الاعتقاد بجسدك في شكل مرض، سواء بعلمك أو بدون علمك. لكن بواسطة نظريتي أتعامل مع عدوك، وأعيد لك صحتك وسعادتك".

  

كانت تلك هي جذور ما نسميه بـ "قانون الجذب"، والذي اتخذ ذلك الاصطلاح "قانون الجذب" بحلول القرن السادس عشر، ثم ضمته، وروجت له، حركة الفكر الجديد كجزء من معتقداتها بحلول القرن الثامن عشر وعممته ليشمل كل شيء بداية من الصحة إلى الزواج والمال والوظيفة الجيدة والأطفال إلخ، إن قانون الجذب، بهذا الاصطلاح الذي نعرفه، هو جزء رئيس من معتقدات أصحاب تلك الحركة الدينية، فكانت أشهر التعاليم الخاصة بالحركة هي أن "للمرض مصدرا عقليا"، وأن "التفكير الصائب له تأثير علاجي"، مع مجموعة قناعات أخرى.

 

بعد ذلك بدأ الترويج للقانون في القرن العشرين عبر عدة كتب لم تكن ذات طابع ديني، منها مثلا الكتاب الشهير "فكر تصبح غنيا" الذي، إلى الآن، لا يزال يلقى الكثير من الرواج، وتطور ذلك شيئا فشيئا وصولا إلى القفزة الأخيرة، وهي كتاب "السر" في عام 2006، وما تلاه من انتشار للكتاب والقانون نفسه وإدماجه في معظم مساقات التنمية البشرية خاصة تلك التي ترتبط بالتأمل وعلوم الطاقة، نحن إذن أمام معتقد ديني بالأساس.

 

أضف إلى ذلك أن تحركات فلسفية دينية كـ "الفكر الجديد" و"العصر الجديد" 6(New Age) هي حركات باطنية غربية 7(Western esotericism)، والتي هي تيار فكري يعتقد أتباعه أن هناك علوما أو أسرارا خفية (باطنة) تختص بها النخبة من العلماء والمفكرين الذين يتلقون علمهم ذلك بالحدس والكشوف الشخصية وليس الوحي، ونجد لهذا التيار انتشارا داخل الكثير من الأديان والثقافات، وهو -ببساطة- الفكرة الأساسية التي تعتمد عليها أفكار كقانون الجذب أو علوم الطاقة، خاصة حينما تتحدث جميعها عن أن تلك كانت "أسرارا قديمة" يعرفها فقط عدد قليل جدا من الناس وطالما انتقلت بينهم، عبر التاريخ، في سرية تامة كأنها كنوز.

   

   

أما علوم الطاقة8، أو طاقة الحياة، أو كل تلك الادعاءات التي تقع تحت الفكرة القائلة إن هناك طاقة للمكان ولهندسته وطاقة للجسد أو للحياة، وأن تلك الطاقة يمكن استخدامها للشفاء، فهي أيضا إحدى القناعات التي طالما روج لها أتباع تحركات دينية باطنية كالفكر الجديد والعصر الجديد وغيرها، لكن حركة العصر الجديد تحديدا حاولت ضم العلم إلى سياقها بصورة أكثر عمقا، بمعنى آخر، تحاول تلك الحركة خلق نظرية شاملة موحدة للعالم تدمج بين الجانب الروحاني والجانب العلمي، دعنا نتأمل تلك النقطة الأخيرة قليلا.

 

كيف حصلت التنمية البشرية على فكرتها الذهبية؟

تقف أفكار تلك الحركة تجاه العلم على عدة9 جوانب تجد جميعها رواجا حاليا في عالم التنمية البشرية، فمثلا تعتمد الحركة البحث خلف تفسيرات بديلة للعلوم السائدة، سواء بمناقشة التقاربات بين بعض العلوم النظرية كميكانيكا الكم والميتافيزيقا الخاصة بالتصوف الشرقي (العلاج الكمّي Quantum Healing) أو بإلقاء جانب روحاني على بعض الهياكل النظرية في علوم البيئة كفرضية جايا (Gaia) التي تفترض أن الأجزاء الحية وغير الحية من الأرض تبدو كنظام واحد معقد متفاعل مع بعضه البعض بحيث يمكن أن نفكر فيه على أنه كائن واحد.

 

لكن الأكثر دفعا إلى الانتباه هنا هو الآليات10 التي عبّرت بها تلك الحركة، على يد أتباعها، عن قناعاتهم في هذا الاتجاه، حيث تعمدت الحركة الإشارة إلى أي منهجية أو نظرية خاصة بها على أنها علم، أو أنها ذات طابع أو آليات علمية، على سبيل المثال، استخدام اصطلاحات كالتأمل العلمي (scientific Meditation)، أو العلاج العلمي (Scientific Therapy)، وعلم العقل (Mental Science)، وعلم اليوغا (Yoga Science)، وهكذا دواليك، كطريقة ملتوية ربما للاستيلاء على سحر واحترام العلم.

     

  

أضف إلى ذلك أن إحدى العلامات المميزة11 لحركة العصر الجديد الدينية هي وصف بعض المناهج العلاجية أو التأملية الخاصة بها على أساس التشبيهات والاستعارات المستمدة من العلوم التجريبيةة والنظريات العلمية والتكنولوجيا، بداية من الإشارة إلى أساليب شفاء معينة لا علاقة لها بفيزياء الكم على أنها "الشفاء الكمي"، وصولا إلى الحديث عن "الكون الهولوجرامي"، وهو فرضية علمية، واستخدام تلك الفرضية -بلغة العلم- للحديث عن إله موجود في كل مكان، أو كائنات متصلة ببعضها البعض، أو غيرها من الادعاءات. بمعنى آخر، نحن أمام حالة استخدام "علمي اللغة" للإشارة إلى المعتقدات والممارسات الدينية التي هي بالأساس "بعيدة كل البعد عن العلم".

  

كانت تلك النقطة الأخيرة هي ما احتاجته التنمية البشرية المعاصرة للانتقال الثوري، في السنوات العشرين أو الثلاثين الأخيرة، من أحاديث التحفيز والدعوة لحياة أكثر هدوءا إلى كل تلك "التقنيات" الحديثة التي تتخذ لغة علمية لكنها بالأساس قناعات دينية لحركات باطنية غربية عاشت على مدى عدة قرون وتمظهرت أخيرا في هذا الشكل التجاري العلمي الحديث، بعد ظهورها في الولايات المتحدة لاقت كل تلك الادعاءات قبولا في كل دول العالم تقريبا، وانتشرت كالنار في الهشيم، وتحولت من كتب ومحاضرات إلى مساقات علاجية وتدريبات وعيادات تستقبل المرضى من كل حدب وصوب.

 

رجل دين بزي باهظ الثمن!

مدرب التنمية البشرية هو إذن، بشكل أو بآخر، كان يعرف ذلك أو لا، رجل دين معاصر يقف ليبشر بتعاليم تلك الديانة المعاصرة التي تنادي بالهدوء والتأمل عبر تمارين ما، تعاليم تقول إن للإنسان طاقة عقلية قادرة على تخطي حواجز الزمان والمكان والتحكم في أشياء وأحداث وأشخاص آخرين فقط عبر "الإيمان" بذلك، تعاليم تقول للواحد منّا "اطمئن، ما تتمناه بشدة سوف تحصل عليه"، ووجدت تلك القناعات في الأديان السماوية إشارات مشابهة تحث على حسن الظن بالله والتيقن من إجابته للدعاء، هنا أخذ مدربو التنمية البشرية هذه الجوانب من النصوص الدينية، وأدمجوها على طريقة حركة العصر الجديد بالعلم، وقدموها على أنها صورة حديثة من الدين الخاص بهم، رغم أن إحدى أشهر الجمل -مثلا- في وثائقي "السر" تتعارض تماما مع معتقداتهم، حيث يقول أحد المدربين ببساطة: "أنت الكون، أنت الله" في الربع الأخير منه.

      

   

لذلك ستجد أن مدرب التنمية البشرية، خاصة "متخصصي" الطاقة، في الوطن العربي على سبيل المثال، غالبا ما سيلتصق بآيات القرآن، ويتخطى الأمر -في بعض الأحيان- الاستخدام البسيط للنص ويتم تأويله -بطريقة تشبه آليات العلم التجريبي- إلى ما هو أكثر تعقيدا من ذلك، كالادعاء أن هناك قدرات شفائية لأسماء الله الحسنى، أو لآيات بعينها، هذا النمط كان واضحا وناجحا من قبل في الحركات الباطنية الغربية، وها هو ينجح من جديد.

   

ودعنا، قبل نهاية حديثنا، نوضح أننا لا نحاول هنا أن نُفنّد تلك القناعات كمعتقدات دينية فنثبت خطأها أو صوابها، لكل شخص الحق في اعتناق ما يرى أنه صحيح من الأفكار الدينية. في القرآن الكريم، مثلا، كما قلنا منذ قليل، نجد حثا دائما للإنسان أن يُحسن الظن بالله ويدعوه وهو موقن بالإجابة، لكن المشكلة التي نود التنبه لها هو أن ربط تلك القناعات بالعلم بصناعة التحفيز وتجارة مساقات الطاقة كان سبب المشكلات في الأساس، حيث لا يمكن التعامل مع نصوص أو أفكار دينية، أيا كانت الديانة، على أنها ادعاءات تجريبية علمية.

 

في كل الأحوال يمكن بسهولة أن نتفهم مدى قوة ورواج موضوعات تدمج بين هذا الثلاثي (الدين، العلم، التحفيز)، خاصة في فترة من تاريخنا أصبحنا نتشكك خلالها في كل شيء، ضربنا اليأس فبتنا نبحث عن أقصر الطرق للنجاح دون بذل جهد، وأسرعها للشفاء دون الحاجة إلى أدوية نفسية أو علاج كيميائي، إن لم يتمكن ذلك من إخراج خمسمئة دولار من جيبك، ثمنا للمساق، للحصول على الخلاص الأبدي من كل مشكلاتك، بداية من الاكتئاب حتّى الحصول على حياة تشبه في مقوماتها العامة، والخاصة، حياة تاجر السلاح الشهير "دان بلزيريان"، فمن الذي سيفعل؟!

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار