اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/19 الساعة 16:32 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/5 هـ

انضم إلينا
لأصدقائنا بالأرض المسطحة.. لماذا يظهر القمر مقلوبا في نيوزيلاندا؟

لأصدقائنا بالأرض المسطحة.. لماذا يظهر القمر مقلوبا في نيوزيلاندا؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     
يمكن، في هذا العالم، أن تكون هناك أشياء غاية في الغرابة رغم كونها بديهية، خذ مثلا تلك الفكرة التي تعلمناها في مادة العلوم بالمدرسة الإعدادية، والتي تقول إن سبب تعاقب الفصول الأربعة ليس -كما كنّا نظن- ابتعاد أو اقتراب الأرض أثناء مدارها السنوي حول الشمس، ولكنه ميل الأرض على محورها بزاوية قدرها 23.4 درجة، ما يجعلها مائلة ناحية الشمس في بعض الأحيان (يتسبب ذلك في حدوث الصيف) ومبتعدة عنها في أحيان أخرى (يتسبب ذلك في حدوث الشتاء).

 

أصبحت هذه، شيئا فشيئا، معلومة بديهية1 نرددها كلما أخطأ أحدهم أمامنا وقال إن فصل الصيف يحدث بسبب اقتراب الأرض من الشمس أثناء دورانها، بل ويمكن أن نضيف أنه -في الحقيقة- تكون الأرض أقرب ما يكون إلى الشمس في فصل الشتاء، لكن المشكلة التي نقع فيها هنا هي أنه رغم معرفتنا بتلك المعلومة، فنحن لا ندرك بسهولة ما يعنيه ذلك بالنسبة لسكان النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، لنقل مثلا إنك سافرت في رحلة عمل إلى مدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا في شهر يوليو/تموز القادم.

   

  

هنا، في نصف الكرة الأرضية الشمالي، نختبر الصيف في يوليو/تموز، لذلك قد تخطئ وتأخذ معك ملابس صيفية في الرحلة، ظنا منك أن العالم كله يعيش في الصيف حاليا، لكن في جنوب أفريقيا يكون فصل الشتاء بشهر يوليو/تموز، لأن اقتراب نصف الكرة الأرضية الشمالي من الشمس يعني ابتعاد نصفها الجنوبي، وهكذا ينعكس كل شيء تقريبا في النصف الجنوبي للكرة الأرضية، هم الآن يتجهزون للبرد القارس بينما نتجهز للذهاب إلى الشواطئ، ليلة رأس السنة هناك ستأتي في قلب الصيف، والعيدان القادمان (الكبير والصغير) للعام 2018 هما، بالنسبة لسكان جنوب العالم من المسلمين، عيدا شتاء هذا العام.

 

من كيب تاون إلى سيدني

يستعجب البعض حينما يسمع بتلك المعلومة للمرة الأولى، رغم أنه كان يعرف بالفعل عن سبب تعاقب الفصول وعن ميل الأرض، لكن الفكرة هي أننا، نحن البشر، قادرون دائما على تعميم الأشياء الثابتة من حولنا في هذا العالم على أنها طبيعية وتسري على كل شيء، إن جاءت ليلة رأس السنة ونحن نرتدي الملابس الثقيلة كل عام منذ طفولتنا، فهي إذن كذلك في كل مكان بالعالم، لكن، هل يحتوي جنوب العالم على أعاجيب بديهية إضافية أخرى؟

  

الآن دعنا من الطقس، تجهّز لرحلة عمل جديدة إلى مدينة سيدني بأستراليا، حيث إن فرع شركتك الرئيسي هناك ينوي بيع 40% من الأسهم لشركة منافسة وقد طلبوا أن تحضر تلك الجلسة النهائية لإتمام الصفقة لأنك أحد أبرع محللي البيانات في الشركة، في الليلة الأولى لك بالفندق، وبعد يوم سفر طويل جدا، سوف تخرج إلى الشُرفة وتتأمل الطبيعة من حولك وربما تنظر إلى القمر، لكنك تلاحظ أن هناك شيئا غريبا، حيث يبدو القمر مختلفا عن طبيعته، هذا الوجه الحزين الشهير يبدو كأنه، بشكل ما، مقلوب، ما الذي يحدث هنا؟ هل كان ذلك بسبب الدوران نتيجة السفر طوال النهار؟!

 

لا، في الحقيقة، لكن لفهم ما يحدث تخيل أننا طلبنا مهمة خاصة من صديقين، وهي أن يذهب كل منهما إلى أحد أقطاب كوكب الأرض، نحن نعرف أن الأرض كروية لذلك ما إن يصل كلٌّ منهما إلى غايته حتى يصبح، بالنسبة للآخر، مقلوبا تماما، لكن كل منهما سيظن أنه في أعلى نقطة، وتحته يقف كل الكوكب، يحدث ذلك فقط لأن كوكب الأرض ضخم للغاية بحيث لا نتمكن من إدراك شكله، فنظن أننا دائما ننظر إلى أعلى حينما ننظر إلى السماء وإلى الأسفل حينما ننظر تحت أقدامنا، لكن، لنتوقف هنا قليلا، أين يقع القمر من تلك الحكاية؟

   

  

قمر معكوس في كل شيء!

القمر يدور حول الأرض، تقريبا في المستوى نفسه الذي تدور فيه حول الشمس، يعني ذلك أنه بالنسبة إلى شخص قريب من القطب الشمالي، وآخر قريب من القطب الجنوبي، يرفعان رأسيهما إلى السماء، فإن القمر سيبدو مائلا قليلا إلى الأسفل عند الأفق لكنه سوف يختلف بالنسبة إلى كل منهما، فتلك التضاريس القمرية الموجودة في منطقة ما من القمر، لنقل إنها المنطقة (X) والتي تقع في أحد جانبيه، ستظهر بالأسفل2 لشخص في القطب الشمالي، وبالأعلى لشخص في القطب الجنوبي، وذلك لأن القمر يأخذ الشكل نفسه بالنسبة إلى الأرض، ولكن كل الفكرة هنا هي أنك فقط ترى أن الأرض تقع أسفلك والسماء أعلاك، أما بالنسبة إلى طبيعة الكوكب فذلك غير حقيقي، هو فقط منظورك أنت، لذلك ستجد أنه، في كل مكان على الكوكب، وعلى كل خط عرض، سيتغير منظور القمر للناس، بينما كل منهم يرفع رأسه إلى السماء التي توجد "بالأعلى" بالنسبة إليه.

    

إلى اليسار: القمر من إنجلترا، إلى اليمين: القمر من أستراليا

   

لنأخذ مثلا أحد التضاريس المهمة في سطح القمر، نسميها3 "تايخو" (Tycho)، وهي فوهة قمرية حديثة نسبيا، عمرها فقط 108 مليون سنة، سببها اصطدام قوي بالقمر، قُطْر تلك الفوهة هو 87 كيلومترا تقريبا، أما تلك الأشعة التي تخرج منها لتجعلها تشبه نجم البحر، فطول الواحد منها قد يصل إلى 1600 كيلومتر، تعتبر تايخو إحدى مزايا وجه القمر المألوف حيث تظهر كأنها نجمة عملاقة مرسومة على القمر، مع بعض التقريب بكاميرا عادية يمكن أن تراها، هنا في الوطن العربي تظهر للأسفل، يمكن أن تسأل صديقا لك، في أي الدول الجنوبية كأستراليا أو نيوزيلاندا، أن يلتقط صورة للقمر بالكاميرا الخاصة به لترى أين تقع تايخو، ومع كل خط عرض مختلف سوف يبدو موقع الفوهة مختلفا بالنسبة للمصور، لتكون مرة بالأسفل، أو بالوسط، أو بالأعلى.

 

ليس ذلك فقط، بل أيضا تنقلب أطوار القمر4 في نصف الكرة الأرضية الجنوبي عن الشمالي، على سبيل المثال، هنا في الوطن العربي، يبدأ الهلال متخذا شكل حرف "C" معكوس، ثم ينمو شيئا فشيئا حتى يصل إلى التربيع الأول الذي يشبه حرف "D" ثم يستكمل رحلته إلى البدر، بعد ذلك إلى التربيع الثاني الذي يشبه حرف "D" معكوس، ثم إلى الهلال الأخير للشهر الهجري والذي يشبه حرف "C" عادي، لكن في أستراليا، مثلا، سوف يحدث العكس تماما، يبدأ القمر بهلال يتخذ شكل حرف "C" عادي، وينتهي كـ "C" معكوس.

    

   

ونجوم معكوسة!

وبجانب القمر المقلوب فإن كل شيء في سماء الليل يبدو لسكان جنوب الكرة الأرضية مقلوبا، لكن لفهم ذلك دعنا نخرج إلى سماء الليل الآن وننظر إلى شكلها5، حيث تظهر كأنها قبّة ضخمة نعيش بداخلها، تظهر السماء بهذا الشكل لأن النجوم بعيدة جدا جدا عنّا فلا نستطيع التعرف على أيها أقرب إلينا وأيها أبعد، يشبه الأمر أن تقف بعيدا عن لاعبين في ملعب كرة قدم فلا تستطيع تمييز أي من اللاعبين أقرب إليك من الآخر، أما في العصر الحديث فقد مكّنتنا أنواع التلسكوبات المختلفة من فهم و دراسة تلك الحركات.

   

   

لكن النجوم تملأ كل الفضاء، من منظور مختلف سوف نرى الأرض كأنها تقف داخل كرة توجد بها النجوم من كل جانب، نسميها الكرة السماوية (Celestial Sphere)، لكن ذلك يعني أن الشخص الذي يسكن في القطب الشمالي لن يرى مجموعة النجوم التي يراها من يسكن في جنوب أفريقيا مثلا، وكلما اختلف موقعك على الأرض -بشكل له علاقة بدوائر العرض وليس خطوط الطول- يمكن لك أن ترى نجوما لا يراها الآخرون.

 

لذلك فإن شكل السماء سيختلف تماما فوق مدينة سيدني أو مدينة كيب تاون عما نشاهده هنا في الوطن العربي، بالطبع ستوجد بعض المجموعات من النجوم التي يمكن لنا أن نشاهدها معا، لكن هناك نجوم أخرى لن نتمكن من رؤيتها مثل مجموعة نجوم تدعى الصليب الجنوبي، أو الذبابة، في حين لن يتمكن الساكن في هذه المناطق الجنوبية من رؤية علامات مميزة كالنجم القطبي مثلا وكوكبة الدب الأصغر التابع لها.

   

ليس ذلك فقط، ولكن سكان نصف كوكب الأرض الجنوبي سوف يرون مجموعات النجوم -تلك التي يمكن أن نراها معا- مقلوبة أيضا، بمعنى أنك، في أثناء رحلتك إلى أستراليا، سوف ترى كوكبة الجبار (Orion)6، وهي مجموعة نجوم في السماء تشبه شكل مقاتل يحمل سيفا وهرّاوة، بشكل مقلوب عن ذلك الذي كنت تراه حينما كنت في مصر مثلا، وهكذا بالنسبة إلى بقية الكوكبات، وأنت تراها مقلوبة للسبب نفسه الذي ترى به القمر مقلوبا في سيدني أثناء رحلتك لبيع أسهم الشركة.

 

لا داعي للقلق إذن، ليس ذلك من تأثير دوران المسافة الطويلة التي قطعتها لكي تصل من القاهرة إلى سيدني، ولكن فقط لأن الأرض كروية. هناك، في الحقيقة، عدد كبير من الدلائل على كروية الأرض بحيث لا نحتاج إلى أن نطير بصاروخ ونرصدها هناك بالأعلى، ولكن المشكلة ليست بالأساس في الدلائل على كروية الأرض، بل في أن البعض يؤمن فقط بنظرية المؤامرة7، يؤمن أن هناك مجموعة من الأشرار تسكن في وكالة ناسا وتود أن تقنعنا بأن الأرض كذلك لتحقيق مخطط شيطاني ما.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار