اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/27 الساعة 15:02 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/13 هـ

انضم إلينا
شبح النهاية.. كيف يسهم تراجع "التنوع الحيوي" في دمارنا؟

شبح النهاية.. كيف يسهم تراجع "التنوع الحيوي" في دمارنا؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

في أجواء تنخفض درجات الحرارة فيها تحت حاجز الصفر، لا يمكن أن نجد في الجزيرة النرويجية الشهيرة سبتسبرجن، تحديدا بالقرب من بلدة لونغياربيين في أرخبيل سفالبارد، والتي تقع فقط على بُعد نحو 1300 كيلومتر من القطب الشمالي، أي شيء غير لون الثلج الأبيض الناصع المنتشر في كافة الأجواء، رغم ذلك، وبالقرب من شاطئ طويل ممتد قد تلاحظ أن هذا المكان النائي يحتوي على مبنى واحد فقط، هنا قد تتذكر فورا حلقات "X-files" وتود أن تلعب دور فوكس مولدر للبحث إن كان هذا المبنى الغريب يحتوي على كائنات فضائية أم لا، لنقترب قليلا.

 

أنت الآن أمام بوابة المبنى الضخم، لكنك لست في أحد المخابئ السرية التي تقوم الاستخبارات الأميركية فيها بتشريح جثث الكائنات الفضائية، ولكنه، كما هو مكتوب أمامك على الجدار، قبو سفالبارد العالمي للبذور (1 Svalbard Global Seed Vault)، وهو بنك بذور تم بناؤه في هذا المكان تحديدا، فوق سطح البحر بمسافة تؤمن وجوده مرتفعا مهما ذاب جليد الأرض، في قلب الجبل بمنطقة بعيدة عن النشاطات التكتونية، مع درجات حرارة منخفضة، للحفاظ على بذور نباتات الكوكب (نحو المليون عيّنة إلى الآن منذ افتتاحه الرسمي في 2008)، وفي حال حدوث كارثة عالمية تهدد بمحو الحياة من على سطح الكوكب يمكن أن نلجأ إلى هذا البنك ونخرج البذور المدفونة فيه لنزرعها من جديد، لكن، ما الذي يمكن أن يدعونا إلى إنشاء بنك مرعب كهذا؟

 

حدود الخطر
لفهم ذلك دعنا من بنك البذور الآن، ولنتأمل معا نتائج دراستين، نشرتا2،3 فقط قبل أيام قليلة في الدورية الشهيرة "ساينس" (Science)، تقولان إنه مع حالة عدم الاستقرار السياسية الواسعة حول موضوعات التغير المناخي فإن الحديث عن حد معدلات ارتفاع درجات الحرارة العالمية عند 1.5 درجة فقط لم يعد ممكنا، حيث نتوقع أن الأرض قد تتجاوز بالفعل حد الدرجتين، لكن الارتفاع من درجة ونصف إلى درجتين، وإن بدا غير مؤثر بالنسبة للمواطن العادي الذي يشاهد الإعلانات الرمضانية والجدل القائم حولها، لكنه يعود بالأرض عدة ملايين من السنوات إلى الخلف.

 

هناك بالفعل عدة نتائج كارثية الأثر من وراء هذا الارتفاع، لكن أكثرها أثرا سيكون، كما تتوقع الدراسات، هو مضاعفة التأثير على التنوع الحيوي في كوكب الأرض، فبوصولنا إلى حاجز الثلاث درجات ستخسر 47% من الحشرات، و26% من الفقاريات، و16% من النباتات نطاقاتها الجغرافية، ما سيؤدي إلى انحسار واضح في درجات التنوع الحيوي بكوكب الأرض، والأسوأ من ذلك أن هذا الانحسار يتسبب في خفض تعقد النظم البيئية، بمعنى أن عددا أقل من الأنواع التي ستتجاوز التغيرات المناخية ستحل محل عدد أكبر الأنواع التي لن تتجاوز التغيرات المناخية -وبالتالي ستنقرض- في الأنظمة البيئية، ما يجعلها أنظمة أكثر بساطة، وبالتالي، هشاشة.

 

لكن في تلك النقطة ربما قد تتساءل عن سبب هذا الاهتمام الواضح بتلك الأشياء، ما الذي يعنيه التنوع الحيوي؟ نعم نحن نود الحفاظ على غذائنا من كارثة عالمية، لكن، لماذا نخزن كل تلك البذور في قبو سفالبارد العالمي وندفع ملايين الدولارات للحفاظ عليها؟ ألا نحتاج فقط إلى عدد قليل منها من أجل غذائنا؟ ما الذي يفيد حينما نحافظ على بذور نبات سام ما أو آخر يخرج في الغابات المطيرة بالكاميرون لا تلمسه يدا بشر ولا نقطع ثمراته على طعام الغداء؟ وما الذي يهم حينما تنقرض حشرة لا نعرفها في المستنقعات المحيطة بنهر الأمازون أو غابات تونجاس جنوبي ألاسكا؟

 

لفهم ذلك دعنا نبدأ بالتعرف إلى التنوع الحيوي (4 Biodiversity)، وهو ببساطة، وكما يظهر من الاصطلاح نفسه، يعني تنوع الحياة في بيئاتها بكوكب الأرض، ويُعتقد أن هناك نحو5 8.7 مليون كائن على هذا الكوكب، استطاع البشر التعرف إلى 10% منها فقط، تساهم كل تلك الكائنات في تسيير الحياة على سطح الأرض بحيث تكون ممكنة للكل معا، دعنا هنا نضرب مثالا بسيطا، بدون النباتات لن يكون هناك أكسجين، لذلك كلما قلت نسبة النباتات في الكوكب قلّت نسبة الأكسجين في غلافه الجوي.


 

التنوع سر الحياة
أما بدون النحل6 لن تكون هناك فواكه ولا حبوب، لأنه ينقل حبوب اللقاح في أقدامه من زهرة إلى زهرة، وهكذا فإنه مع بعض التأمل يمكن لك أن تخمن أن عددا كبيرا من الكائنات الحية يؤثر بشكل مباشر في حياتنا كبشر، لكن تخمينك سيكون دائما أقل من الحقيقة، لفهم ذلك خذ مثلا الشعاب المرجانية ومستنقعات المنغروف7 التي توفر حماية لا تقدر بثمن من الأعاصير وأمواج التسونامي لأولئك الذين يعيشون على السواحل، أما السلاحف الاستوائية والسعادين العنكبوتية، ورغم أنها ليس لها علاقة تذكر في الحفاظ على مناخ مستقر، لكن الأشجار الكثيفة ذات الخشب الصلب في الغابات، وهي الأكثر فعالية في إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، تعتمد على هذه الكائنات لنشر بذورها حينما تقطفها من الشجر لأكلها ثم الإلقاء ببقية الثمرة على الأرض.

 

الآن دعنا نتوسع في دوائرنا بشكل أكبر، قد يكون هناك كائن ما لا يرتبط مباشرة مع البشر في علاقة منفعة، لكن هذا الكائن قد يكون موجودا في دائرة آخر نتعمد عليه لتوفير ظروف بيئية مناسبة لحياتنا، ومع مد الخطوط على استقامتها سنجد، في النهاية، أن كل كائن على هذا الكوكب يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على كل كائن آخر، بالطبع لا تتساوى كل التأثيرات معا، فتوجد بعض الكائنات أكثر تأثيرا في حياتنا من أخرى، لكن الفكرة في النهاية هي أننا، جميعا، مرتبطون.

 

تخيل الحياة على كوكب الأرض كشبكة، شبكة ضخمة مهولة مشدودة بقوة ودقة يوجد كل كائن فيها عند نقطة من نقاطها، حينما ينقرض كائن ما فإن ذلك يُحدث فجوة في المكان الذي وُجد فيه، وهو ما يضعف الشبكة ويؤثر على كل الكائنات الأخرى فيها، فتضطر جميعها للتغير والتكيف مع الوضع الجديد، لكن قوة الشبكة، أي شبكة، تكمن في عدد نقاطها، خاصة النقاط القوية التي يؤثر فقدانها بشكل جذري على سلامة الشبكة وبقائها، كلما كانت النقاط أكثر، كانت الشبكة أقوى، وكلما كانت أقل، ازدادت هشاشتها وكانت فرصة فقدان نقاط جديدة أكبر من الفرص السابقة.

 

هذا هو ما نسميه بالتنوع الحيوي، كلما ازدادت درجات التنوع، سواء على مستوى الجينات داخل النوع نفسه، أو على مستوى الأنواع، أو على مستوى المنظومات البيئية، كانت الحياة على الأرض أكثر صلابة في مواجهة التغير، لكن ما يحدث الآن هو تهديد مباشر لقوة تلك الشبكة، دعنا في تلك النقطة نتعرف إلى دراسة8 أخرى تتحدث عن الكتلة الحيوية للبشر على كوكب الأرض، والتي ظهر أنها تمثل ما مقداره 0.01% فقط من كتلة كل الكائنات الحية مجتمعة، ويتم حساب ذلك عبر قياس كميات الكربون في المركبات الحيوية لكل كائن.

 

على حافة الانقراض
وتمثل الكتلة الحيوية لكل الحياة على الكوكب ما مقداره 550 جيجا طن من الكربون، منها 450 جيجا طن للنباتات فقط، تليها البكتيريا بقيمة 70 جيجا طن، أما البشر فيمثلون 0.06 جيجا طن فقط، لكن المثير للانتباه هنا هو تلك البيانات التي تشير، بدرجة من عدم اليقين، إلى أن وجود البشر، قبل 300 ألف سنة وإلى الآن، قلّص 85% من الكتلة الحيوية للثدييات على الكوكب، و50% من كتلة نباتاته الحيوية، وهذه نسب من الضخامة بحيث لا نراها إلا في حالات محددة نعرفها جميعا باسم "الانقراض"9.



 

يعيدنا ذلك قليلا إلى الوراء، حيث كانت دراسة مهمة10 صدرت في الدورية الشهيرة "PNAS" يوليو/تموز الفائت قد أثارت الانتباه عالميا لعدة كوارث تحدث حاليا بينما لا نلقي لها بالا، لأنه حينما نتحدث إعلاميا عن الحيوانات التي تنقرض فنحن نتجاهل تلك التي تنخفض أعدادها بمعدلات غير مسبوقة، فبينما انقرض بالفعل 200 نوع من الفقاريات في المئة عام السابقة فقط، لكن من بين أكثر من 27 ألف نوع من البرمائيات، والثدييات، والزواحف، انخفضت أعداد 50% في أماكن انتشارها بصورة لافتة للنظر.

 

فمثلا، مع متابعة دقيقة لأكثر من 177 نوعا من الثدييات وجدت الدراسة انخفاضا ملحوظا في 40% منها، أما بالنسبة إلى الأسود الأفريقية فقد انخفضت أعدادها بنسبة 40% فقط في السنوات العشرين الفائتة، بينما أصبح عدد الأسود في غرب أفريقيا هو فقط أربعمئة أسد، وبينما نعرف أيضا أنه في يوم ما كانت تلك الأنواع من الأسود تجوب معظم أفريقيا وجنوب أوروبا وصولا إلى الهند، وما يثير الرعب هو أن معدلات انقراض تلك الأنواع ارتفع بقيمة 100 مرة عن الطبيعي خلال القرن الفائت، ويعني ذلك أنه ربما قد انقرضت أنواع من الكائنات الحية لم نعرف بعد بوجودها!

 

كتاب الحياة
والمشكلة الرئيسية هنا هي أن التنوع الحيوي في الكرة الأرضية، تلك الشبكة البيئية الضخمة المتماسكة عبر ملايين السنين من التطور، كانت دائما سلاحنا الأول11 في مواجهة التغيرات المناخية، لكن مع هذا الانخفاض الواضح، والمؤكد12 عبر عدد كبير من الدراسات والتقارير الدولية، في التنوع الحيوي، فقد أصبحت البشرية بلا درع يحميها في مواجهة هذا الخطر الجديد، في تلك النقطة يحين موعد سؤالنا الرئيس: هل تخوض الأرض انقراضها السادس إذن؟!



 

يشير عدد لا بأس به من الباحثين إلى أن ذلك يحدث بالفعل، نعرف أن تلك الانقراضات الواسعة التي شهدتها الأرض من قبل قد تحدث ضمن فترات زمنية كبيرة جدا، وبالتالي فإن تلك النسب التي تعطيها التجارب لنا، مع توزيع احتمالاتها على عدد ضخم من السنوات الفائتة والقادمة، ومقارنتها بالأعداد المتوقعة في الماضي للكائنات نفسها، تؤكد أن شيئا ما غاية في الخطورة يحدث بالفعل، وأن حدوثه يتسارع ولا يقف عند معدل ثابت، وتؤكد كذلك أن نشاط البشر له دور فعال في إحداث هذا الأثر، سواء كان ذلك تأثرا بالتغير المناخي أو أفعال البشر الأخرى كقطع الغابات (عدد ضخم من النباتات) وإحلال الأراضي الزراعية (نبات واحد) مكانها، أو تقديم حيوانات ونباتات جديدة إلى بيئات جديدة، أو عبر تلويث البيئة، إلخ.

 

نظن، نحن البشر، أننا متميزون عن هذ العالم، متعالون عنه، نعيش في مكان منفصل وحدنا بلا أي ارتباط مع تلك الذبابة هنا أو تلك النحلة هناك أو خلية بكتيرية تسبح الآن في إحدى بحيرات وسط أفريقيا، لكن ذلك غير صحيح، فكل شيء في هذا الكوكب مرتبط بكل شيء آخر، حينما نتسبب في انقراض كائنات حية أخرى، نعرف بعضها ولا نعرف البعض الآخر الأكثر عددا، فنحن هنا نحرق كتاب الحياة، نهدر قدر معلومات لا يقدر بثمن حافظت عليه تلك الكائنات خلال تطورها وتكيفها عبر ملايين السنين، فيتسبب ذلك في إضعاف الشبكة التي نمثل جزءا طفيفا منها، وبالتالي إضعاف فرص بقائنا، ياللخسارة!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار