اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/29 الساعة 09:19 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/15 هـ

انضم إلينا
الانفجار ليس البداية.. دراسة تكشف كونا آخر معاكس لكوننا

الانفجار ليس البداية.. دراسة تكشف كونا آخر معاكس لكوننا

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
ما الذي وُجد قبل الزمن؟ قبل المكان؟ قبل الكون؟ لا بد أن تلك الأسئلة قد جالت في خاطرك في مرحلة ما، خاصة عندما تعرّفت إلى ما نسمّيه بالانفجار العظيم (Big Bang) الذي يمثل كل شيء نعرفه، نحن، والأشخاص الآخرون، والأشياء من حولنا، الكواكب والأقمار والمجرات، بل وحتّى الفراغ نفسه الذي اتخذ اسما طالما تسبب في الحيرة وهو "الزمكان" (Space-Time). لكنك، رغم ذلك كله، ما زلت لا تقبل بتلك الفكرة، ما زلت تسأل عما كان "قبل" ذلك كله، أليس كذلك؟!

   

يقول ستيفن هوكينغ في محاضرة شهيرة1 إنه "طالما لم تمتلك الأحداث التي سبقت الانفجار الكبير أي عواقب يمكن ملاحظتها بعد الانفجار العظيم، فإن ذلك يسمح للمرء أن يبتعد عن هذه الفكرة ويقول إن الزمن نفسه قد بدأ في الانفجار العظيم. الأحداث قبل الانفجار العظيم، ببساطة، لا يمكن تعريفها، لأنه لا يمكن لأحد قياس ما حدث خلالها"، رغم ذلك فإنه يمكن القول إن هناك مجموعة من الأسباب التي تدفعنا إلى الحديث عن إمكانية وجود "أحداث" قبل الانفجار الكبير.

  

ما الزمكان؟!

لكن قبل الولوج للحديث عن تلك الفكرة الجديدة دعنا نبدأ بتعلم بعض الشيء عما تعنيه اصطلاحات كالانفجار العظيم أو الزمكان، يبدأ ذلك كله مع نسبية أينشتاين التي تعلمنا أن تلك المفاهيم المطلقة التي نسميها "الزمان" و"المكان" ليست، في الحقيقة، مطلقة. فمثلا، نحن نعرف أنه كلما تحركت بسرعة أكبر انكمشت المسافة في اتجاه حركتك وتباطأ الزمن، فإن كنت تتحرك بنصف سرعة الضوء ناحية نجم ما فإن المسافة التي ستقطعها إلى أن تصل إليه ستكون أقل من تلك التي نقيسها هنا على الأرض، أما ساعتك فسوف تعد الثواني والدقائق بشكل طبيعي، لكن إن تمكّنا هنا على الأرض من رؤيتها فسوف نجد أن عقاربها تدور ببطء، الزمن بالنسبة إليك أثناء السفر سيكون طبيعيا لكنه مقارنة بزمننا هنا -نحن الواقفون على الأرض- سيمشي ببطء، فتعود إلينا أصغر سنا.

     

      

من هنا نشأت تلك المفارقة الشهيرة التي نسميها "مفارقة التوءم"2 (Twins Paradox) التي تقول إن توءما يبقى أحدهما هنا ويسافر الآخر بسرعة كبيرة لن يكونا في العمر نفسه حينما يعود الآخر، العائد سيكون أصغر سنا، أضف إلى ذلك أن النسبية العامة تعلمنا أن الزمن لا يتمدد فقط حينما نسافر بسرعات كبيرة ولكن أيضا حينما نوجد في مجال جذبي قوي، كلما -مثلا- اقتربت من نجم ضخم أو، ما هو أكثر تأثيرا، ثقب أسود، مر الزمن عليك ببطء، هنا يمكن أن نتفهم ما يعنيه "الزمكان" بشكل أكثر وضوحا.

    

حيث يخطئ البعض في فهم النظرية النسبية حينما يتصور أن الزمكان هو النسيج الذي يتكون من ثلاثة أبعاد مكانية وبُعد زمني، بمعنى أنه يقوم بفصل الزمن عن الثلاثة السابقين له وكأنه شيء لا علاقة له بالأبعاد، لكن ذلك غير صحيح، فكما تعلمنا منذ قليل، أينما يتأثر المكان، عبر وجود كتلة تتسبب في انحنائه، يتأثر الزمن أيضا، وكأنهما نسيج واحد متلاحم، لكن هذا النسيج يوجد واضحا فقط في أبعاد أعلى من تلك التي يمكن أن نعيش فيها أو ندركها، إنه نسيج الكون كله، لو كنت كائنا عابرا للأبعاد لأدركت وجود الزمن كبُعد رابع، لنتأمل تلك النقطة قليلا.

    

الكون كقطعة كيك

إذا كان الكون هو فضاء رباعي البُعد3، يجعل ذلك من الزمن والمكان الشيء نفسه، فكما نتعامل مع المكان على أنه موجود هناك إلى اليمين وإلى اليسار وأمامك وخلفك، وكما نتعامل مع الكون على أنه -كاملا- موجود بفضائه الواسع، فالزمن هو الآخر -كاملا- موجود هناك، لكنه خارج إدراكنا، لكي نفهم ذلك دعنا نتصور تاريخ الكون كاملا من لحظة الانفجار الكبير إلى الآن كقطعة كيك ضخمة، كل شريحة نقطعها من هذه القطعة تمثل الكون كله في لحظة محددة، لكنها لحظة محددة بالنسبة لراصد محدد وهو "نحن الآن".

      

      

بالتالي فإن تطور الكون لم يكن فقط تطورا في المكان، بل تطورا في الزمكان رباعي البُعد، بالتالي فإن حديثا عن "قبل الكون" أو "خارج الكون" لا معنى له، لأننا نستخدم فيه لغة تتحدث عن مكان وزمن، وكلاهما في الكون فقط، لكن -دعنا الآن نضيف قطعة جديدة إلى الأحجية- ما نعرفه حينما نتأمل ماضي الكون، أقصد حينما نرصد تلك المجرات التي تقع على مسافات غاية في البُعد، ما يعني أن ضوءها قد انطلق منها في مرحلة مبكرة من عمر الكون، نجد أنها أكثر اقترابا وأقل تطورا، أضف إلى ذلك عدة دلائل أخرى تضم التوسع الكوني وإشارات إشعاع الخلفية الميكرونية، لنصل في النهاية إلى أن هذا الكون، بزمكانه رباعي البُعد، كان أصغر في الحجم (نستخدم تلك الكلمة لأغراض التبسيط هنا).

  

جميل جدا، ما تعنيه تفسيرات النسبية إذن، من خلال نظرية الانفجار العظيم، هو أن الكون ككل، بزمانه ومكانه، قد بدأ من تلك النقطة التي نسميها مفردة الانفجار العظيم، وفي ستينيات القرن العشرين برهن كل من ستيفن هوكينغ وروجر بنروز على صحة تلك الفكرة، والتي أظهرت أن نموذج أينشتاين، حينما نطبقه على حال الكون المبكر، يصل دائما إلى نقطة في الماضي لا يمكن أن يستمر فيها بالسير إلى الوراء أكثر من ذلك. هذه النقطة هي ما اعتبره معظم الفيزيائيين بداية الزمن والمكان، بداية كل شيء نعرفه.

 

رغم ذلك تظهر مشكلة جديدة حينما نحاول تفسير لحظة الانفجار العظيم نفسها من خلال تلك النماذج، فكل ما نعرف لا يمكن أن يكون قبل نقطة نسميها بزمن بلانك، وهو الزمن المطلوب لقطع أصغر مسافة في الكون، إنه ما نسميه بطول بلانك، تحت تلك المسافة لا يمكن للكون كما نعرفه أن يوجد، فكما أن سرعة الضوء هي الحد الأقصى للسرعة، فإن طول بلانك هو الحد الأدنى للطول، هنا نحن في حاجه إلى أن نعيد النظر فيما نعرفه عن الكون، فهذا الذي يمتد ناعما كقطعة حرير لا يظهر كذلك كلما اقتربنا من نسيجه بدرجة أكبر، بل هو أقرب إلى قطع متجاورة لها حد أدنى من الطول.

  

مشكلة الأفق

بالتالي فإن كل ما يمكن أن نثق بعض الثقة في الحديث عنه هو الكون فقط بعد اللحظات الأولى، والغاية في الضآلة، من تاريخه، قبل ذلك الزمن تنهار النظرية النسبية، وتنهار ميكانيكا الكم، ويظهر عدد كبير من اللانهايات في نموذجنا الرياضي بحيث نتوقف تماما عن العمل، هنا ينفتح المجال لكل تلك الفرضيات الجديدة، بما يتضمنه ذلك من نماذج نظريات الأوتار، أو الجاذبية الكمومية الحلقية، والتي تحاول أن تدمج كلا من النسبية بالكوانتم من أجل الوصول إلى نظرية تفسر كل شيء.



بجانب مشكلة المفردة الأولى فهناك كذلك مجموعة4 أخرى من الأسئلة المطروحة حول ما نسميه بمشكلة الأفق (Horizon Problem)، والتي تقول، بتبسيط لا يعطيها حقها، إنه في وقت مبكر للغاية من تاريخ الكون كانت سرعة التمدد الكوني أكبر من سرعة الضوء، ما يعني أن هناك جسيمات أوّلية، تلك التي ظهرت بعد الانفجار العظيم، لم تلتق ببعضها البعض أبدا، فكما نعرف، سرعة الضوء ليست عن الضوء بقدر ما هي سرعة السببية في الكون، بمعنى أن أي صلة بين حدثين في الكون يجب أن تتم بحد أقصى هو سرعة الضوء، لفهم ذلك تخيل أن لدينا كوب ماء ساخن وآخر باردا قمنا بإبعادهما عن بعضهما البعض فور تكونهما، هنا سيظل أحدهما باردا والآخر ساخنا لفترة.

 

لكن حينما نتركهما بعض الوقت ملتصقين، ثم ننقلهما إلى اليمين واليسار، فإن كلا منهما سيكون بدرجة الحرارة نفسها تقريبا، هنا تظهر مشكلة الأفق، من المفترض للجسيمات التي انفصلت سريعا في بداية الكون أن تختلف في صفاتها عن بعضها البعض، لكننا لا نرى ذلك، لكن فقط نرى الشيء نفسه كلما نظرنا إلى كل اتجاه في الكون، فحينما نرصد إشعاع الخلفية الميكروي نجد أنه متجانس في كل الاتجاهات، هنا يظهر السؤال الرئيسي: ما الذي جعل مناطق من الكون لم تتصل ببعضها البعض أبدا متجانسة بهذا الشكل؟

 

هنا يظهر طريقان5، يحاول كل منهما الإجابة عن هذا السؤال، الأول له علاقة بفيزياء ما بعد الانفجار العظيم، تلك التي تقول إن شيئا ما حدث له علاقة باللحظات الأولى من عمر الكون، وتسبب في حدوث هذا الاتصال المستحيل، سواء كان لذلك علاقة بالفضاء نفسه، أو بسرعة الضوء التي ربما كانت أكبر وقتها، أما الطريق الآخر فيقول إنه، كما يبدو، فإن الانفجار العظيم لم يكن بداية الزمن، بل امتلكت تلك الجسيمات، بشكل ما، وقتا قبل الانفجار العظيم لتختلط ببعضها البعض، ثم جاء الانفجار العظيم.

  

كون في المرآة!
في تلك النقطة، يمكن لنا مثلا تأمل دراسة أخيرة6 نُشرت فقط قبل أسابيع قليلة في الدورية المعروفة "Physics Letters B"، لباحثين من جامعة أوكسفورد تقول إن الانفجار العظيم لم يكن، بالصورة التي نتخيلها، نقطة البداية لكل من الزمن والمكان، لكنه، بتعبير باحثي الدراسة في نشرة الجامعة، كان اللحظة التي تغير فيها توجه الفضاء، لكن الجديد في هذا النموذج هو أنه لا يطرح فرضية توجب إلغاء كل تصورات النسبية العامة وإحلالها بفرضياته، كما تحاول الأوتار أو الجاذبية الكمومية الحلقية أن تفعل.

     

   

بمعنى أن هذا الفرض الجديد لا يتجنب7 الانفجار العظيم، بل يواصل حلوله مباشرة من خلال الانفجار العظيم إلى ما حدث قبله، بالتالي لا يقدم أي مبادئ جديدة، ولا يقدم أي تعديلات على نظرية أينشتاين للنسبية العامة، لكن رغم ذلك، وإن كانت النتائج التي توصل إليها لا تعارض حدوث الانفجار العظيم، لكنها تتخذ موقفا من اعتباره بداية الزمن، من تلك الوجهة فالانفجار هو فقط النقطة التي انعكس فيها توجه الكون، بمعنى آخر، في الجانب الآخر من الانفجار العظيم يوجد زمكان مشابه لذلك الذي نعيش فيه لكنه عكسه في كل شيء.

 

فمثلا، الزمن في هذا الجانب الآخر سوف يظهر، بالنسبة إلينا، كأنه يجري إلى الخلف وليس إلى الأمام، كذلك الإنتروبيا، عدم الانتظام في الكون، فهي بالنسبة إلينا تقل ولا تزيد، كل شيء في هذا الجانب الآخر معكوس كأنه صورة في المرآة، لكنه ليس معكوسا بالنسبة إلى هذا الجانب الآخر نفسه، بل سيعتبر هذا الجانب الآخر جانبنا صورة معكوسة منه أيضا، بمعنى آخر، سوف يلتقي كل منهما عند لحظة الانفجار العظيم، فيتصور كل من الجانبين أن الآخر حدث بعد ماضيه.  

 

بالطبع سوف تدعوك تصورات كتلك، سواء في تلك الدراسة أو تصورات أخرى لنظرية الأوتار عن أن الانفجار العظيم هو فقط عملية تلامس بين برانين، أو تصورات الجاذبية الكمية الحلقية عن الثقوب البيضاء، للتعجب، والشعور أن هناك جانبا فانتازيا في الحكاية، لكن الفكرة هنا، هي أنه على الرغم من كون تلك افتراضات رياضية بحتة لا يتصور الكثيرون أنه يمكن أن تنطبق على أرض الواقع، لكنها محاولات مبنية على فيزياء أخرى رصينة نجحت بدورها في تفسير الكثير من الظواهر الطبيعية.

 

في النهاية، فإن القول إن الانفجار العظيم هو بداية الزمن أصبح، بشكل ما، موضع تأمل وتساؤل، وهذه هي طبيعة الأشياء في العلم، فمع كل محاولة جديدة لتفكيك فكرة سابقة نالت من الثبات ما يكفي تواجه الأفكار الجديدة بعض المقاومة، لكنها شيئا فشيئا، خاصة حينما نطور أدوات جديدة يمكن من خلالها أن نختبر تلك الأفكار تجريبيا، تكتسب أرضا، وتظهر إلى النور، لتعطينا فكرة جديدة تماما عما يمكن أن نتصوره عن أصل هذا الكون، فكرة ما زالت تسأل هي الأخرى: ما الذي وُجد قبل الزمن؟ قبل المكان؟ قبل الكون؟

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار