اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/3 الساعة 17:25 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/18 هـ

انضم إلينا
الثقوب البيضاء.. هل اكتشف العلماء سرا جديدا في الكون؟

الثقوب البيضاء.. هل اكتشف العلماء سرا جديدا في الكون؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    

"ما مصير هذا الكون؟ ولماذا ظهر بالأساس؟!" يُعدّ هذا السؤال محوريا في العلم، حيث بدأ كفضول بشري قبل آلاف السنين حينما رفعنا رؤوسنا لنتأمل تلك النجوم البعيدة، ثم تطور ليصبح فلسفة، ثم علما، ليتفرع هذا العلم ليشكل ما نراه الآن وندرسه في كتب العلوم، ورغم أن الحقل العلمي ما زال سائرا في رحلته للبحث عن إجابات، فإن تلك الرحلة البديعة ساهمت باكتشافات غريبة تفوق جموح خيالاتنا. بدءا من نظريات أقرب إلى الصحة كالانفجار العظيم، وأجرام كالثقوب السوداء، إلى الأفكار الغارقة في فانتازيتها، لكنها ممكنة حسب المعادلات الرياضية، كالأكوان المتوازية، أو الثقوب البيضاء.

    

نعم، إنها كما سمعت، الثقوب البيضاء (White Holes)، لكن لفهم ما تعنيه هذه الأجرام ذات الاسم الغريب دعنا نبدأ بالتحدث قليلا عن الثقوب السوداء، فنحن نعرف أن أي نجم يقف ثابتا بين قوتين أساسيتين، الأولى هي قوة ضغط النجم على ذاته، فالنجوم ضخمة جدا، الشمس مثلا يمكن لها أن تتسع لأكثر من مليون أرض، كل تلك المادة تضغط بفعل الجاذبية على المركز، لكن ما لا يمنع أن ينهار النجم على ذاته هو الطاقة الناتجة من الاندماج النووي في نواة النجم.

    

أما القوة الثانية، فهي الهيدروجين، إذ هو غذاء النجوم، حيث تقوم النجوم بدمجه في المركز فيتحول إلى هيليوم، ثم تقوم بدمج الهيليوم فتستمر العناصر في الظهور مرورا بالكربون والهيدروجين ووصولا إلى الحديد، وكل منها ما هو إلا سابقه، وقد دُمج مع ذرات الهيدروجين، تلك الطاقة الناتجة من الاندماج النووي في مركز النجم هي ما يقاوم الجاذبية التي تضغطه للانهيار على نفسه، وطوال فترة وجوده ضمن نجوم التسلسل الرئيسي 1 (Main Sequence Star)، تلك النجوم التي لا تزال تحرق هيدروجينها من أجل الطاقة، يظل النجم، بشكل أو بآخر، ثابتا مستقرا، لكن، ما الذي يحدث حينما ينفد وقود النجم؟

       

  

هنا يبدأ هذا الاتزان في الاهتزاز شيئا فشيئا، لكن دعنا نتوقف قليلا ونتحدث عن الذرة، نحن نعرف أن أكبر من 99.9% من مساحة الذرة هو فراغ، فمثلا لو كنّا الآن في دار أوبرا ضخمة، وفي المنتصف على طاولة ما قمنا بوضع حبة رمل واعتبرنا أنها نواة الذرة، فسوف تكون الإلكترونات هي ذرات غبار خافتة صغيرة جدا تدور على جدران دار الأوبرا، وما بينهما هو فراغ، لكن حينما تفقد النجوم قدراتها على حرق الهيدروجين يتوقف الاندماج النووي وتكسب الجاذبية المعركة فتتقلص نواة النجم شيئا فشيئا حيث تنضغط ذراتها في تلك المساحات الفارغة منها، وتنطرد الأغلفة الخارجية للنجم في صورة سحب سديمية.

   

في تلك النقطة يتوقف مصير النجم على كتلته الأولية، فإن كان منذ البداية بكتلة الشمس أو حتى ثماني مرات كتلتها سوف يتوقف التقلص عند مرحلة ما، ويتبقى في المركز ما نسميه بقزم أبيض2 (White Dwarf)، وهو عبارة عن نجم ناتج من نواة النجم المنهار، أما إن كانت الكتلة الأولية للنجم أكبر من ثماني كتل شمسية فإن التقلص يستمر وصولا إلى مرحلة النجم النيتروني 3 (Neutron Star)، أو في بعض الأحيان يكون النجم ضخما للغاية بحيث لا يمكن للتقلص أن يتوقف بحكم قوى الجاذبية العارمة، فينهار النجم على ذاته تماما لنصل إلى الثقب الأسود.

 

نعرف أن أي جرم له جاذبية، ولكي تفلت من تلك الجاذبية يجب أن تمتلك سرعة أكبر من عجلة الجاذبية، على الأرض مثلا يجب أن يطير الصاروخ للأعلى بسرعة تتخطى 11 كيلومترا في الثانية كي يتخطاها، وكلما ازدادت كتلة الكوكب ازدادت السرعة المطلوبة، لكن هناك عامل آخر يؤثر على تلك الجاذبية بجانب كتلة الكوكب، إنه نصف قطره، في الحالة الطبيعية يتناسب نصف القطر مع الكتلة فنجد أنه كلما ازدادت الكتلة ارتفع القطر بالطبع.

 

ثقوب سوداء أبدية

لكن في حالة الثقوب السوداء يتقلص النجم وهو ما زال محافظا على كتلته، لأنه يحتوي على العدد نفسه من الذرات، ومع ذلك يتقلص نصف قطره، ما يرفع من جاذبيته، وبالتالي، حاجتنا إلى سرعات أكبر كي نهرب منها، لكن في مرحلة ما تتجاوز تلك السرعة التي نحتاجها4 سرعة الضوء نفسه، أكبر سرعة ممكنة في الكون، هنا نقول إنه لا يمكن لأي شيء أن يفلت من هذا الجرم، وهذا هو تعريف الثقب الأسود بشكل فيزيائي، الجرم الذي نحتاج لكي نفلت من جاذبيته أن نجري بأسرع من سرعة الضوء، لكن ما سرعة الضوء؟!

      

  

سرعة الضوء ليست، ببساطة، سرعة شعاع الضوء، لكنها سرعة السببية في الكون، بمعنى أن أي صلة بين حدثين في الكون يجب أن تتم بحد أقصى هو سرعة الضوء، لذلك فإن الثقوب السوداء هي، بشكل ما، مناطق خارج الكون الذي نعيش فيه، لأنها لا تمتلك أي فرصة للتواصل معنا، بمعنى آخر، نحن نعرف من النسبية العامة أن الأجرام ذات الجاذبية الكبيرة تتسبب في إبطاء الزمن، لنفترض مثلا أنك تركب ساعة كبيرة وتقترب الآن من ثقب أسود، بينما نحن، هنا، نراقبك بطريقة ما. من موقعنا سوف نلاحظ أن ساعتك تلك تتباطئ شيئا فشيئا حتى تقف تماما في اللحظة التي تصل فيها إلى الثقب الأسود وتدخله، هنا نحن لن نراك تدخل إليه (رغم أنك فعلت)، لكنك، بالنسبة لنا، سوف تتجمد على أفقه تماما وتقف.

 

بالتالي فإن كل أحداث هذا الكون، من وجهة نظر النسبية العامة، تحدث في هذا الكون وتبقى خارج الثقوب السوداء، وما يدخل إلى الثقب الأسود ينفصل عن كوننا بشكل ما، بل إن الثقب الأسود نفسه، ونقصد هنا المفردة5 (Singularity) ، تلك النقطة التي تقف بداخله وتمثل كتلة النجم المنهار، هي أيضا شيء منفصل، بمعنى آخر، حينما نتحدث بلغة الماضي والمستقبل، فإن الثقب الأسود هو مستقبل نجم ما، لكن حين تدخل إلى الثقب الأسود فإن الماضي والمستقبل يختلف قليلا.

 

حيث حينما نتأمل حلول كارل شفارتزشيلد، الفيزيائي الألماني، لنوع محدد من الثقوب السوداء ندعوه الثقب الأسود الأبدي6 (Eternal Black hole) ، نجد أنه بداخل الثقب الأسود تنعكس أقطاب العالم، فيصبح الزمن مكانا والمكان زمانا، أي يصبح المكان شيئا يمشي في اتجاه واحد فقط (ناحية المفردة)، أما الزمن، فهو على عكس عادته هنا خارج الثقوب السوداء، يمشي في كل الاتجاهات، بمعنى أنه في الثقب الأسود لا يمكن لك تغيير اتجاه مكانك (يمين، يسار، أعلى، للخلف إلخ) لكن فقط يمكن تغيير زمنك، ماض أو مستقبل، هنا حينما يحاول المسافر داخل الثقب الأسود أن يذهب إلى الماضي فسيجد أنه أيضا مفردة كتلك التي تركها في الماضي، أو تلك التي سيصطدم بها حينما يسافر في المستقبل، المفردة في كل زمان!

 

وثقوب بيضاء

بالتالي فإن العالم داخل الثقب الأسود منفصل ومغلق تماما عليك، لكن بعض التفسيرات الرياضية تقترح أن ذلك السفر بين مفردتين، في الماضي والمستقبل، لا يعني سفرا من المفردة نفسها وإليها، ولكنه يعني سفرا بين الثقب الأسود ونقيضه، الثقب الأبيض، ونقول "نقيضه" لأنه، بصورة رياضية حسابية فقط، يوجد الثقب الأبيض على العكس تماما من الثقب الأسود، وله الصفات نفسها لكن معكوسة، وكأن الثقب الأبيض هو ثقب أسود معكوس في الزمكان.

       

    

بمعنى أكثر وضوحا، نحن نعرف مثلا أن الثقب الأسود يسحب المادة ولا يُخرجها منه أبدا ما إن تتخطى حاجز أفق الحدث (Event Horizon). الثقب الأبيض، على العكس من ذلك، يطرد المادة منه ولا يمكن لأي مادة أبدا أن تتخطى حاجز أفق الحدث دخولا لا خروجا، لكن هناك عدة مشكلات تواجه تلك الفكرة الخاصة بوجود الثقب الأبيض، أولها هو أنه يحتاج إلى ثقب أسود أبدي لتكونه، وهذا مستحيل علميا، للوهلة الأولى، وثانيها هو أن الوجود المقترح له يفترض أنه لا توجد مادة لتسقط في الثقب الأسود بالأساس، وهذا أيضا غير ممكن ربما فالكون مليء بالمادة.

 

على الرغم من ذلك، ومن وجهة نظر أخرى، يبدأ كارلو روفييلي7، الفيزيائي الإيطالي الشهير، حجة جديدة لوجود الثقوب البيضاء، تستقي أساساتها من مشكلة المفردة الموجودة في الثقب الأسود، فنحن لا نعرف بالفعل ما المفردة، لكننا نعرف أن هناك ما ندعوه "مبدأ استبعاد باولي" (Pauli Exclusion Principal) الذي ينص على أنه لا يمكن لاثنين من الفيرميونات -جسيمات المادة كالكواركات والبروتونات والنيوترونات والإلكترونات...- أن يتخذا الحالة الكمومية نفسها، بالتالي، لا يمكن ضغط أي كمّية من المادة في مركز واحد بلا حجم، كذلك نعرف أن أقل طول ممكن لشيء ما في هذا الكون هو طول بلانك (Blank Length)، وهو يساوي 10-35 من المتر! تحت هذا المستوى لا يمكن للكون كما نعرفه أن يوجد، لا يوجد أي معنى لكلمات كموضع، أو حجم.

 

في الحقيقة لا تعطينا النسبية العامة تصورا عن المفردة، بل تنهار تماما في وجودها، بالتالي -في تلك النقطة يظهر روفييلي ورفاقه- نحتاج إلى فيزياء جديدة يمكن لها شرح هذ الحالة التي تتضمن شيئا صغيرا جدا (ميكانيكا الكم) وفي الوقت نفسه ذا كتلة كبيرة جدا (النسبية العامة)، هنا تظهر الجاذبية الكمومية الحلقية 8 (Loop Quantum Gravity)، والتي يعتبر روفييلي أحد روادها، وهي إحدى المحاولات القائمة للدمج بين النسبية والكوانتم والتي تقول إن الزمكان يتكون، بشكل أساسي وجوهري، من كيانات حلقية الشكل، ولها حجم محدد، بالتالي تمنع النجم المنهار على ذاته، مهما بلغ من ضخامة، من الوصول إلى النقطة "صفر حجم"، وبالتالي "كثافة لا نهائية"، ومع الوصول إلى تلك النقطة يتحول الجسم قبلها للخروج من ثقب أبيض ولا يصل إلى الحجم صفر أبدا.

 

أكبر أسرار الكون

تقترح9 فرضية روفييلي أن ذلك قد يحدث في قدر قليل للغاية من الزمن، لكنه بالنسبة لنا، هنا خارج أفق الحدث، سوف يبدو وكأنه يأخذ وقتا طويلا جدا بسبب تأثيرات النسبية العامة على الزمن كما تحدثنا منذ قليل، واقترحت بعض الأبحاث أن الثقوب السوداء والبيضاء متصلة ببعضها البعض، إما من خلال أكوان متوازية (ثقب أسود هنا يخرج لثقب أبيض في كون آخر)، وإما في الكون نفسه (ثقب أسود في نقطة ما من الزمكان يخرج ليصبح ثقبا أبيض في نقطة أخرى من الزمكان).

           

      

لكن روفييلي يمضي بفرضيته قليلا ليقترح أنها تقدم حلا لمشكلة نعرفها جميعا باسم مفارقة المعلومات (Information Paradox)، وتقول المفارقة، باختصار شديد في ثلاث خطوات، ويمكن لك لبعض التفصيل تأمل تقرير سابق للكاتب بعنوان "ما الذي قدمه ستيفن هوكينج للعلم؟"، إنه إذا كانت القاعدة الأساسية للكون هي أن المعلومات لا تفنى ولا تستحدث من عدم، أولا، وإذا كانت الثقوب السوداء، تلك التي تعتبر مكانا منفصلا عن الكون، تسحب بعض تلك المعلومات خارج الكون، ثانيا، وأن تلك الثقوب تتبخر تماما ولا تخرج أي معلومة منها، ثالثا، فإن هذا القانون القائل إن المعلومات لا تفنى ولا تستحدث قد تم خرقه.

 

هنا يقترح10 روفييلي أن الثقوب السوداء تتحول إلى بيضاء، بمعنى أنه على مدى عمر الثقب الأسود يتقلص حجمه شيئا فشيئا، لكنه يصل إلى مرحلة تفترض الجاذبية الكمومية الحلقية أنه لا يوجد ما هو أقل منها، عند تلك النقطة لا تفنى الثقوب السوداء ولكن تتحول إلى رفيقتها البيضاء، تلك التي تدفع بالمعلومات التي التهمتها الثقوب السوداء مرة أخرى إلى الكون، وبالتالي نصل إلى حل مفارقة المعلومات، الثقوب البيضاء تعيدها من جديد.

 

ويمد روفييلي الخطوط على استقامتها11 ليقول إن الثقوب السوداء قد تكون هي سر المادة المظلمة، تلك التي تمثل 25% من تركيب الكون، وخمسة من ستة أجزاء من المادة التي نعرفها، حيث نعرف إنه من الممكن جدا أن تكون هناك ثقوب سوداء بدائية (Primordial Black Holes) قد تكونت في اللحظات المبكرة من عمر الكون، بالتالي قبل التبخر النهائي لتلك الثقوب السوداء، والذي حدث سريعا بسبب حجمها الصغير، فقد تحولت إلى ثقوب بيضاء، هنا ستكون تلك الثقوب البيضاء هي المادة المظلمة، لكن لماذا يمكن أن تكون الثقوب البيضاء هي المادة المظلمة؟

 

أولا، لأنها صغيرة جدا، بحجم الجسيمات دون الذرية، وأصغر من الطول الموجي للضوء المرئي، رغم ذلك فهي ثقيلة جدا بثقل الثقوب السوداء التي ظهرت عنها، فمثلا ثقب بحجم حبة رمل سيكون بكتلة القمر، وثانيا لأنها لن تشع شيئا، لأن إشعاع الثقب الأسود يتم أثناء حدث تكونه فقط، بالتالي فنحن أمام شيء له كتلة كبيرة (يمكن إذن أن يكون له تأثير جذبوي)، ولا يمكن رؤيته، وهذا هو ما نعرفه عن المادة المضادة، أنها شيء نرى تأثيره جذبويا ولا نراه، بجانب ذلك لو اقترب أي جسيم من الثقب الأبيض لن يسحبه للداخل كالثقوب السوداء بل سيرتد عنه، بالتالي يمكن أن تكون أعداد ضخمة من تلك الثقوب البيضاء الدقيقة القادمة من الكون المبكر للغاية هي ما نظن أنه الآن "المادة المظلمة".

   

بالطبع لا نعرف الكثير عن الثقوب البيضاء بعد، كل ما تحدثنا عنه قبل قليل ما زال في إطار الفرضيات الرياضية، يعتقد البعض أنها مجرد خيال رياضي لا يمكن أن يتحقق، ويتصور البعض الآخر أن الكون نفسه ربما نشأ12 عن ثقب أبيض، وتدّعي مجموعة ثالثة أنه كانت هناك ثقوب بيضاء قبل الانفجار العظيم، في كل الأحوال علينا الانتظار حتى نتمكن من امتلاك أدوات ذات قدرات أكثر دقة يمكن لها أن تستكشف صحة كل هذا من عدمه تجريبيا، وإلى حين حدوث هذا سوف يستمر الفيزيائيون النظريون، بكل مكان بالعالم، في محاولاتهم للإجابة عن هذ السؤال الذي أدرجناه في أول حديثنا، كيف حدث كل هذا؟! ولماذا؟ 

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار