اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/8 الساعة 18:15 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/23 هـ

انضم إلينا
تحيز وعنصرية.. هل حان وقت استبدال جائزة نوبل؟

تحيز وعنصرية.. هل حان وقت استبدال جائزة نوبل؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     
اشتعلت، قبل أيام قليلة1، أجواء التواصل الاجتماعي في العالم كله بسبب خبر حجب جائزة نوبل للآداب في العام الجاري 2018، وإعلانها مع جائزة عام 2019، على أثر فضيحة كبرى تضمنت مزاعم إساءة استخدام النفوذ من أجل إجبار نساء على القبول بممارسة الجنس، بجانب تسريب لأسماء الفائزين بجائزة نوبل قبل الإعلان الرسمي عنها، من قِبَل "جون كلود أرنو" المصور وأحد أشهر رجال الثقافة في الأوساط السويدية والمتزوج من الشاعرة والكاتبة المسرحية كاترينا فروستنسن، العضوة بالأكاديمية.

     

كانت تلك الأحداث قد تفاقمت بقوة وسرعة شديدتين حينما أعلنت ولية عهد السويد، الملكة فيكتوريا، ضمن مجموعة من 18 سيدة، مع تقديم بعض الدلائل والشهادات، ضمن حملة "أنا أيضا" (Me Too)، عن تحرشات أرنو، مما أدى إلى فوضى عارمة وحملة استقالات في أعضاء مجلس الأكاديمية السويدية والتي وصلت صعودا إلى الأمين العام الدائم للأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، سارة دانيوس. حجب الجائزة نفسه يدلل على مدى فداحة الكارثة، حيث إنه من النادر جدا أن يتم إلغاء أو تأجيل منح جوائز نوبل، لم يحدث ذلك إلا مرة واحدة فقط سنة 1943 في ذروة الحرب العالمية الثانية.

 

وعلى الرغم من أن تلك هي الفضيحة الأقوى التي تلقتها سمعة الجائزة، وبالتالي مصداقيتها، لكن نوبل كانت دائما التكريم الأكثر تسببا في الجدل على مستوى العالم، بالطبع يمكن أن نتفق قليلا حول إشكالية الدلالات السياسية والاجتماعية لجوائز نوبل في السلام، وفي الكثير من الأحيان "الآداب"، وبالتالي وجود الكثير من الجدل حول اختيار هذا الشخص بدلا من ذاك للفوز بالجائزة، وضغط جماعات بعينها لتوجيه الجائزة إلى اتجاهات تخدم مصالحها السياسية والاقتصادية، لكن نوبل في العلوم كانت، حسب تصور الكثيرين، أكثر ابتعادا عن تلك النوعيات من حالات الجدل، أليس كذلك؟!

     

نوبل تحت المجهر

نعم، للأسف، ليس كذلك، في الحقيقة نحن نتصور ذلك لأننا لا نُدرك بعد مدى عمق المشكلات التي تواجه جائزة نوبل، ولفهم الأمر دعنا نبدأ من ماري كوري، التي كان لها دور واضح وقوي في اكتشاف الظاهرة الإشعاعية، رغم ذلك حيث كانت الترشيحات2 الخاصة بالجائزة سنة 1903 لبيير كوري -زوجها- مع أنطوان هينري بيركريل، بينما لم يذكر أحد دور ماري في خطاب الترشيح، وكان كل من وقّعوا على خطاب الترشيح يعرفون دور كوري في الفيزياء الخاصة بالنشاط الإشعاعي، بل إن أحد الموقّعين هو نفسه جابرييل ليبمان الذي قرأ أحد مقالاتها على جمعية العلوم، لكن رغم ذلك كان فقط يعتقد أنها "طالبة شابة فقيرة"، ولم تتراجع لجنة نوبل إلا حينما تدخّل عالم رياضيات مشهور يُدعى جوستا ميتاج ليفلر بالضغط على لجنة الترشيحات وأخبر بيير -زوجها- بالموقف فرفض ذلك وقال إنه لن يستلم الجائزة إلا بوجود ماري، ورغم ذلك لم تحصل ماري إلا على رُبع الجائزة فقط.

     

    

وكانت إحدى أهم حالات الجدل الحديثة المتعلقة بمشكلة جائزة نوبل مع النساء ذات علاقة بالفيزيائية الفلكية البريطانية جوسلين بيل بورنيل3 التي كانت باحثة دكتوراه في جامعة كامبريدج حينما اكتشفت، لأول مرة، نوعا من النجوم النيوترونية النابضة راديويا، سميت بعد ذلك البلسارات (Pulsars)، ثم استشارت مشرف البحث الخاص بها أنتوني هيويش، وتم تأكيد الاكتشاف فيما بعد ونشره في بحث مشترك، لكن في سنة 1974 حصل هيويش مع رفيقه مارتين رايل على نوبل في الفيزياء عن اكتشافهما للبلسارات مما أثار حالة من الجدل في الوسط العلمي حول أحقية بورنيل بالمشاركة في الجائزة.

 

أثارت أحداث غير مبررة كتلك التساؤل حول ما إن كانت لجنة الجائزة تتحيز ضد المرأة أم لا، خاصة ونحن نعرف أنه من بين 207 شخصية حصلت على جوائز نوبل في الفيزياء، مثلا، هناك امرأتان فقط، لكن الجدل حول ما إن كانت هناك أشياء أخرى، بجانب قوة الاكتشاف العلمي وأصالته، تتدخل لإعطائها لشخص دون آخر كان قد اتخذ، ربما، منحى أكثر عمقا من تلك التحيزات حينما حصل هارالد تسور هاوزن على نصف جائزة نوبل للطب والفيسيولوجيا في عام 2008 عن اكتشافه لفيروس الورم الحليمي البشري (HPV) المسبب لسرطان عنق الرحم وساعد بذلك على تطوير أمصال مضادة للفيروس.

 

حيث إن المشكلة التي ظهرت بعد ذلك هي أنه قد ظهرت إشارات4 لارتباط بين شركة الأدوية متعددة الجنسيات الشهيرة "أسترا زينكا" (Astra Zeneca)، التي تصنع تلك الأمصال الخاصة بالمرض، واثنين من لجنة الترشيحات النهائية الخاصة بنوبل ممن رشحوا هازون للجائزة، ليس ذلك فقط، بل وفتحت تلك المشكلات تحقيقات من قِبَل البوليس السويدي وأخرى من قِبَل لجنة نوبل حول مدى ارتباط ذلك بفوز هازون بالجائزة، خاصة وأن مجموعة من أفراد لجنة الترشيحات قد اعترفوا بالحصول على رحلات مجانية للصين بزعم التعريف بجائزة نوبل وكيفية اختيار المرشحين.

     

   

من يحصل على الجائزة؟!

لطالما كان التساؤل الخاص بأحقية حصول شخص بعينه دون آخر، أو مشاركة شخص ما في الجائزة مع آخرين، هو الجدل الأكثر شعبية في نوبل للعلوم، فمثلا أثار حصول كل من سامو شيمومورا ومارتن تشالفي وروجر تسيان على جائزة نوبل في الكيمياء5 لعام 2008 عن اكتشافهم للبروتينات الفلورية الخضراء (GFP) وتنميتها الجدل حول أحقية دوجلاس براشر، الذي كان أول من استنسخ جين هذا البروتين، في أن يشارك بالجائزة، كذلك أثير جدل مشابه6 بعد حصول كل من شوجي ناكامورا، هيروشي أمانو، إيسامو أكاساكي على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2014 عن مساهماتهم في اختراع الصمام الثنائي الباعث للضوء "LED" الفعال والذي يساهم بقوة في الحفاظ على الطاقة وإهمال دور شخصيات مهمة عملت لسنوات بالقدر نفسه على تطوير هذا النظام كـ نيك هولونياك وأوليج لوسيف.

 

لكن المشكلة الأخيرة تفتح بدورها الباب لمشكلة أكبر، فنحن نعرف أن جائزة نوبل في العلوم، على عكس نوبل في السلام، لا تعطى لمؤسسات، ولكن فقط للأشخاص بحد أقصى "ثلاثة"، الآن دعنا مثلا نتأمل أحدث حالات الجدل التي طالت جائزة نوبل، والتي تتعلق بحصول الثلاثي كيب ثورون، وراينر وايس، وباري باريش على الجائزة في الفيزياء للعام الفائت 2017 عن تطويرهم لنوع جديد من التلسكوبات "LIGO" يمكن له التقاط الموجات الجذبوية بدقة شديدة، لكن المشكلة7 هنا هي أن هذا الثلاثي ليس هو فقط من طور تلك الأداة، في آخر الورقة البحثية الخاصة بالابتكار هناك ثلاث صفحات كاملة تضم الأشخاص الذين ساهموا، كلٌّ حسب تخصصه، في الوصول إلى تلك الموجات الجذبوية.

 

قد يبدو للبعض أن لجنة نوبل تنفذ، فقط، ما أراده ألفريد نوبل في وصيته الخاصة بالجائزة، لكن ذلك ليس صحيحا، لقد طلب نوبل إعطاء الجائزة لشخص واحد ثم عدلت اللجنة ذلك ليصبح ثلاثة أشخاص، والسؤال هنا هو ببساطة: لماذا لا تخطو8 لجنة نوبل خطوة أخرى إلى الأمام وتقوم بإدراك المؤسسات العلمية كأحد الاحتمالات للتكريم؟ نحن نعيش في عصر لم يعد ممكنا النجاح العلمي فيه، أو تحقيق إنجازات عظيمة، إلا عبر درجات من التعاون بين عدد كبير من الأفراد، لهذا السبب اهتم كيب ثورون، بعد إعلان فوزه بالجائزة، بتوضيح أننا "نعيش في حقبة تأتي الاكتشافات العظيمة فيها بسبب تعاونات كبيرة، بمساهمة عدد كبير من الأفراد".

      

ألفريد نوبل (مواقع التواصل)

      

الحاجة إلى نوبل جديدة

تتغير طبيعة الممارسات العلمية وتنتقل يوما بعد يوم نحو المؤسسات والتعاون بين الأفراد بينما لا تزال نوبل تقف عند الأشخاص، في الحقيقة تتسبب أفكار كتلك في إلهاء الباحث عن الهدف الرئيس للعلم، بمعنى أنه إن كان الباحثون الصغار متيقنين أن مساهماتهم في صنع الأفكار العظيمة ستتسبب في حصولهم على الجوائز فإن ذلك سيساعدهم بشكل أكبر على الاستمرار في البحث، لكن حينما يعرفون أن مساهماتهم ستضيع بحكم أن ثلاثة فقط من الفريق سيحصلون على الجائزة فإن ذلك يثبط من حماستهم، أو سيرفع من رغباتهم في الوصول إلى المناصب العليا سريعا عبر العلاقات على حساب بذل الجهد لإنجاز المهمة العلمية.

 

من جانب آخر فإن ذلك يضع الوسط العلمي في مشكلات جديدة كانت قبل ذلك أقل أثرا على ساكنيه من العلماء، على سبيل المثال، يتصور البعض أننا أكثر قربا، حاليا، من جائزة نوبل تتعلق بتكنولوجيا التحرير الجيني الأشهر "CRISPER"، التي تسببت في تحولات واسعة النطاق في البيولوجيا ومن المتوقع أن يكون لها دور أكبر مستقبلا في تحويل الكيفية التي نتعامل بها مع كل شيء تقريبا من المرض وحتّى الرفاهية، لكن: من سيحصل على الجائزة؟ أي ثلاثة من هذا الفريق الضخم الذي ساهم في هذا الاكتشاف؟

 

وكان إريك ستيفن لاندر9، قبل عدة أعوام، قد قام بنشر مقال في المجلة الشهيرة "سيل" (Cell) بعنوان "أبطال كريسبر" ليعدد فيه أبطال هذا الاكتشاف، لكن البعض ظن أن تلك هي ضربة استباقية لتوجيه لجنة ترشيحات نوبل ناحية ثلاثة منهم، لذلك قامت مكتشفة أخرى مشاركة بإعداد نسخة بالعنوان نفسه لكنها تحكي عنه من وجهة نظرها بترجيح شخصيات أخرى دون غيرها، نحن هنا، ببساطة، أمام حالة شجار، لا علاقة للعلم بها، حول "من سوف يحصل على الجائزة؟" فقط، وبالطبع لا تتماشى10 هذه المشاجرة مع مبادئ العلم، أو قُل "ما نظن أنها مبادئ الممارسة العلمية"، والتي من المفترض أن تعزز روح الزمالة والتعاون.

     

    

لهذه الأسباب فإن حاجتنا إلى التساؤل عن مستقبل جائزة نوبل مطروحة على طاولة النقاش، خاصة حينما نتعرف إلى بعض المشكلات الأخرى المتعلقة بمدى المصداقية والوثوقية التي تعطيها الجائزة للحاصلين عليها، حيث نعرف أن الحصول على الجائزة لا يقدر بثمن، الأمر لا يساوي فقط ميدالية ذهبية كبيرة ونحو مليون دولار، لكن قدر الشهرة الذي تتسبب فيه الجائزة يكون شاهقا، فينتقل الشخص من مجرد عالِم مرموق في وسطه إلى شخصية عالمية شهيرة ذات تأثيرات سياسية واجتماعية مفرطة القوة، مع مِنح مهولة وعروض من كل الجامعات، وصفحات حرة للكتابة في أرقى المجلات.

   

مرض نوبل!

لكن تلك الهالة من الشهرة المفاجئة والعارمة تتسبب في مشكلتين، الأولى تتعلق بالحاصل على نوبل نفسه، والذي، في بعض الأحيان، بتعبير11 بول نيرس الحاصل على نوبل في الطب لعام 2001، يعتقد بأنه شخص كامل، خبير في كل شيء تقريبا، يعتقد أنه سيكون مستعدا للتعبير عن آراء حول معظم القضايا بثقة كبيرة، من علوم المناخ حتّى قضايا الطاقة ومشكلات اللاجئين السوريين، محميا بالسلطة التي تمنحها له جائزة نوبل، يسمي نيرس ذلك بـ "مرض نوبل"12 (Nobelitis)، وينصح الحاصلين على نوبل بالحذر من الإصابة به.

 

أما الثانية فتتعلق بالجمهور العام، والذي، بسبب تلك الشهرة العارمة والشعور الغامر بقوة الجائزة ومدى تميز، وخبرة، وذكاء الحاصلين عليها، سيصدق بالفعل آراء الحاصلين على جوائز نوبل في كل شيء تقريبا، بداية من تخصصاتهم، مرورا بالسياسة، إلى الاقتصاد، وحتّى التنجيم. نعم، إنها كما سمعت، التنجيم، لقد كان كاري موليس، الحاصل على نوبل في الكيمياء سنة 1993 عن اكتشافه لتفاعل البوليميراز المتسلسل، مؤيدا قويا13 لصحة التنجيم وقدراته في الحديث عن مصائرنا عبر أماكن النجوم لحظات ميلادنا!

     

   

أما لينوس باولينج، الحاصل على نوبل في الكيمياء لعام 1954، فقد بدأ، قرابة نهاية حياته المهنية، في الإلقاء بمزاعم تتضمن قدرات علاجية عالية لجرعات الفيتامين سي الكبيرة تجاه السرطان، ليس ذلك فقط، بل تسبب14 في رفع قيم استهلاك المجتمع الأميركي للفيتامين سي بصورة كبيرة حينما صرح في أحد كتبه أنه يعالج نزلات البرد بفاعلية، وقال في لقاء تلفزيوني، في التسعينيات، إن استهلاك هذا الفيتامين بجرعات كبيرة (3000 جرام) يطيل عمر الشخص حتّى 25 سنة إضافية، كمواطنين عاديين لن نصدق تصريحات كتلك من شخص عادي يظهر في برنامج مسائي مسلٍّ، لكنّ حاصلا على نوبل سوف يجعلنا نهرع إلى الصيدليات لشراء كل كميات الفيتامين الممكنة، إنها نصيحة حاصل على نوبل في الكيمياء، و25 سنة إضافية ليست لعبة يا صديقي، أليس كذلك؟!

 

يُقال15 إن ريتشارد فاينمن، الحاصل على نوبل في الفيزياء، قد سُئل ذات مرة عن الشخص الذي يود إرجاعه من الموت إلى الحياة والحديث معه، فقال: "أبي، سوف أقول له إني حصلت على نوبل"، لا شك أن نوبل بالفعل هي تكريم عظيم جدا، لكنه -ككل شيء في هذا العالم- ليس مثاليا، ولا يصح أن يكون، في حد ذاته، هدفا، أو سببا للصراع، أو حتّى آلية للفصل بين ما هو عظيم وما هو غير عظيم، وإن كانت نوبل قد تسببت في كل هذا على مدى تاريخها، فإنه من الجائز أن يتساءل الوسط العلمي عن كيفية حل تلك المشكلات، سواء بتعديلات في شكل الجائزة في العلوم، أو -ربما- باستبدالها بأخرى لا تعطي هذا القدر من الجدل المصحوب بشهرة أفلام شركة مارفيل.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار