اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/28 الساعة 12:47 (مكة المكرمة) الموافق 1439/10/15 هـ

انضم إلينا
ما الذي سيحدث حينما يصبح "البانجو" قانونيا؟

ما الذي سيحدث حينما يصبح "البانجو" قانونيا؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع


انفجر العالم، خلال العقدين السابقين، بجدل واسع حول تقنين الماريجوانا (نبات القنب) في بعض الدول1، فنحن الآن نعرف أن دولا كأستراليا، وكندا، وتشيلي، وبعض الولايات في أميركا قد قللت من درجات حظر الماريجوانا في قوانينها، من جهة أخرى لا تزال دول أخرى كاليابان، وفرنسا، والدول العربية، تحظر استخدام ذلك النبات لأي غرض، وفي أثناء ذلك كله نشأت -بالطبع- حالات من التطرف تجاه الجانبين، فما بين من يبالغ في الترويج للمشكلات الخاصة بهذا النبات، ومن يبالغ في الترويج لمزاياه، نشأت الكثير من الشائعات حول الماريجوانا، وأضرارها، أو فوائدها.

     

لكن قبل أن نبدأ في الحديث عن كل ذلك دعنا نوضح عدة نقاط مهمة، تتعلق الأولى بنوعية2 منتجات نبات القنب الدارجة، فمثلا هناك الماريجوانا (الاسم الشائع، وتمثل تجاريا خليطا من الأوراق الجافة ورؤوس الأزهار الخاصة بالنبات)، والحشيش (المادة الصمغية التي تستخرج من أطراف زهور القنب، ويحتوي على نسبة أكبر من المادة الفعالة)، أما البانجو فهو خليط من الأوراق والأزهار والسيقان الخاصة بالنبات، ويستخدم هذا الاسم بالتبادل مع الماريجوانا على أنهما الشيء نفسه، كما أن هناك صورة زيتية يمكن الحصول عليها عبر عصر بعض أجزاء النبات مع إضافة مواد مذيبة، هذه الصورة الأخيرة تحتوي على أكبر نسبة ممكنة من المادة الفعالة الرئيسية للقنب، وتسمى الـ رباعي هيدرو كانابينول (tetrahydrocannabinol)، مع مادة أخرى أقل في التأثيرات النفسية تسمى كانابيديول (CBC).

  

من جهة أخرى فإن هناك فارقا بين الاستخدام الترفيهي (Recreational) والطبي (Medical) لنبات القنب، فبعض الدول تسمح قانونا بالاستخدام الطبي للقنب فقط، بينما تسمح بعض الدول الأخرى بالجانب الترفيهي أيضا مع عدد من التحفظات حول العمر بالطبع، وكذلك الكمية التي يمكن لشخص أن يمتلكها للاستخدام الشخصي، والتي تتراوح غالبا بين 15-20 جراما، في الولايات المتحدة مثلا3 سوف تجد أن القنب الطبي مسموح به، مع بعض التعقيدات، على مستوى 29 ولاية، بينما للأغراض الترفيهية مسموح به في 9 ولايات فقط. وعلى مستوى العالم، كذلك، سوف تجد فارقا واضحا بين المساحات التي يستخدم فيها نبات القنب طبيا، ولغرض الاستخدام الشخصي.

      

البانجو كعلاج

      

وبالحديث عن الاستخدام الطبي للقنب، يمكن لنا تأمل دراستين أخيرتين4، نُشرتا فقط قبل عدة أسابيع، في الدورية الشهيرة "JAMA"، تربطان، خلال بحث استمر على مدى خمس سنوات متتالية، بين اتساع رقعة تقنين القنب، وانخفاض واضح في عدد الوصفات الطبية التي تحتوي على منتجات الأفيون الدوائية (Opioids)، في الحالات التي تستدعي استخدامه لتقليل الألم، حيث وصل انخفاض الأخيرة إلى 40% لكل 1000 شخص، في الدراسة الثانية، و14% في الدراسة الأولى.

     

وكانت دراسات سابقة5 في عام 2014 قد أشارت إلى النتائج نفسها عبر فحص انخفاض حالات الوفاة، بسبب استخدام منتجات الأفيون لتسكين الألم عند المرضى في حالات طبية محددة، بنسبة 25% في الولايات التي تقنن استخدام القنب، ومن المعروف أن القنب أقل بشكل واضح في درجات الخطورة، سواء الخاصة بالوفاة، أو التسبب في الإدمان، من الأفيون، بالطبع نعرف أن للقنب العديد من الأضرار الجانبية، لكن مقارنة بمنتجات الأفيون الطبية فإن هناك مدى أكثر اتساعا من السلامة لمستخدميه، كما أنه أرخص في الثمن.

   

ويمد البعض الخطوط للتحدث عن الفوائد الجمة للقنب في أمراض كالسرطان مثلا، لكن ما نعرفه إلى الآن هو أن الاستخدام الطبي الشائع للقنب يكون فقط لعلاج حالات6 الغثيان أو التقيؤ أو تسكين الألم، أو حفز الشهية، خاصة في حالات الإصابة بالسرطان، أضف إلى ذلك قدرة النبات على تخفيف درجات القلق، ورغم أن هناك بعض الأبحاث الأولية التي تهتم بالقنب كعلاج مباشر للسرطان نفسه، وعدة أمراض أخرى، لكن ذلك غير مؤكد بعد، وربما سيحتاج الكثير من الوقت لتأكيده، لأن إحدى المشكلات التي تواجه البحث العلمي الخاص بالقنب هي -بالأساس- صعوبة إجراء هذه الأبحاث في أجواء تجرم امتلاك القنب والعمل عليه لأي غرض.

      

   

في تلك النقطة دعنا نوضح أن هناك بالفعل أدوية موثقة7 من قِبل إدارة الغذاء والدواء (FDA) مرتبطة بالقنب، حيث تحتوي على مواد فعالة مخلقة (درونابينول، نابينول) شبيهة بالمادة الفعالة الرئيسية في القنب ولها الأثر نفسه وتستخدم للأعراض نفسها، لكن ما نتحدث عنه هنا هو الاستخدام القانوني الطبي لنبات القنب نفسه، سواء سحبه من أحد المراكز المختصة كوصفة طبية، أو حتّى السماح طبيا بأن يزرعه المريض في المنزل، والذي يمكن استخدامه في عدة صور، كتدخينه، أو دهنه، أو أكله، إلخ.

 

ويتميز التعامل المباشر مع القنب كنبات مقارنة باستخدام الأدوية المخلقة التي تحتوي على مواد فعالة لها الدور نفسه، والأدوية الأخرى المستخدمة للغرض المهدئ أو المسكن نفسه كمنتجات الأفيون الدوائية، أنه أقل قدرة على التسبب في حالات وفاة مع الجرعات الزائدة، ما يعني أنه أقل خطورة، كذلك فإن هناك صورا عديدة يمكن استخدام القنب خلالها، كما أنه أكثر فاعلية، مع تأثيرات نفسية أقل بصورة واضحة عن منتجاته المخلقة.

   

مشكلات غير مباشرة

لكن المشكلة الرئيسة المتعلقة بتقنين منتجات القنب، حتى مع الجرعات المحددة والتحفظات القانونية الصارمة على الأعمار والكميات المستخدمة، هي أننا لا نمتلك عددا كافيا من الدراسات التي تفتح الباب، أو تغلقه، للسماح باستخدامه، كذلك فإن هناك عددا واسعا من المتغيرات الجانبية التي يمكن أن تؤثر سلبا أو إيجابا، خذ مثلا تلك الدراسة الأخيرة المنشورة كذلك في الدورية الشهيرة "JAMA"، والتي أشارت إلى أن عدد حالات الأطفال8 الذين قاموا بزيارة لمستشفيات الطوارئ بسبب أضرار استخدام غير متعمد للقنب في الولايات التي تقنن القنب قد ارتفع سنويا ليصبح أكبر بـ 5 مرات من عام 2009 قبل التقنين.

           

    

من جهة أخرى فإن مجموعة من الدراسات قد أشارت9 إلى أن تقنين القنب في عدة دول، أو ولايات، لاستخدامه من أجل الأغراض الطبية، لم يتسبب في رفع نسب إقبال الشباب عليه للأسباب الترفيهية كما يتصور البعض، بل كانت النسب طبيعية، وغالبا ما تُستخدم تلك الدراسات من قِبل مروجي تقنين القنب، لكن تلك الدراسات تشير كذلك إلى أن هذا التأثير يتوقف على حالة الشخص لحظة تقنين القنب، بمعنى آخر، تقنين القنب لن يجعلك تجربه من أجل المتعة لمجرد أنه قد أصبح متاحا طبيا، لكنّ مستهلكي منتجات القنب قبل ذلك التقنين الطبي كانت قد ارتفعت معدلات سحبهم لتلك المنتجات بفارق واضح بعد التقنين، ما يشير إلى خطورة بالغة.

   

وعلى الرغم من ذلك، كانت دراسة، استمرت قرابة سبع سنوات قد صدرت مؤخرا10 من مجلة " Drug and Alcohol Dependence" الطبية، قد أشارت إلى أن المراهقين الذين يشاهدون المزيد من إعلانات الماريجوانا الطبية في الطرق وعبر الإنترنت أكثر عرضة لاستخدام الماريجوانا، حيث أشاروا في استقصاء رأي خاص بالدراسة إلى أنهم سيقومون باستخدامها مستقبلا، وأن لديهم توقعات أكثر إيجابية حول المادة، ما يعني أن التقنين الطبي قد يحمل بعض المخاطر غير المتعمدة المبنية على رفع درجة ثقة الأفراد في القنب للاستهلاك الترفيهي.

   

من جهة أخرى كانت دراسة11 صادرة من المجلة المعروفة "Addiction" قد أشارت إلى أن هناك ارتفاعا واضحا في استخدام طلبة جامعات ولاية أوريغون الأميركية بعد تقنين الماريجوانا بها، سواء بصورة مباشرة عبر شرائها من الأماكن المخصصة لذلك، أو غير مباشرة من قبل الفئات العمرية غير المسموح لها بشراء الماريجوانا، لكن اللافت للنظر في تلك الدراسة أن فارق استهلاك الماريجوانا الجديد كان بشكل أكبر للأفراد الذين يتناولون الكحول بكثافة، بمعنى أن أولئك الذين يتناولون الكحول قد يكونون أكثر انفتاحا على استخدام الماريجوانا إذا كان من السهل الوصول إليها، في حين أن أولئك الذين يتجنبون الكحول لأسباب تتعلق بالنمط الثقافي أو أسلوب الحياة قد يتجنبون الماريجوانا بغض النظر عن وضعها القانوني.

     

ينقلنا ذلك إلى دراسة مهمة قد صدرت12 قبل عدة أعوام من قِبل جامعة ميتشجن تقول إنه على الرغم من السمعة الطيبة التي يجدها القنب بين السياسيين والمستهلكين على حد سواء، لأن آثاره الجانبية والإدمانية قليلة مقارنة بالمواد المخدرة، فإن استخدام منتجات القنب يؤثر في جهاز المكافأة الخاص بالفرد، ما يمكن أن يسبب تأثيرات لها علاقة بالأداء العاطفي العام للفرد، مع مشاكل أكاديمية، أو ربما تغيرات أساسية في تركيب الدماغ، لكن الأسوأ من ذلك هو أن استخدام منتجات القنب وفي وقت مبكر من حياة شخص يسرع من إمكانية أن يصبح معتمدا على المخدرات في العموم.

      

   

بمعنى أوضح، يشير هذا البحث إلى إمكانية أن يعبث القنب بالدماغ للدرجة التي قد تساعد الشخص على إدمان مواد مخدرة أخرى في المستقبل، ويتفق ذلك مع التعريف السائد للإدمان على أنه مرض، حيث ما إن يدخل الشخص في حالة إدمان حتى يتحول الدماغ ليجبر الفرد على تعاطي المواد المخدرة أيا كانت، لكن دعنا هنا نوضح أن الدراسة لا تُثبت وجود تلك العلاقة بين منتجات القنب وإدمان المواد المخدرة الأخرى، لكنها تقترحها من خلال تأثير القنب المثبط على جهاز المكافأة الخاص بنا.

  

ما الذي سيحدث عند تقنين منتجات القنب كعلاج؟

يمكن لنا الاستمرار في الحديث عن الفوائد والأضرار المباشرة وغير المباشرة للاستخدام الطبي للقنب في نطاق قانوني، ولن ننتهي، لعدة أسباب؛ أولها هو قلة عدد الدراسات التي تهتم بفحص الآثار الطبية والنفسية والاجتماعية الخاصة بالقنب، بسبب المشكلات القانونية الخاصة به، كذلك فإن تلك التجربة ذاتها ما زالت قصيرة العمر زمنيا، ما يضعنا، في النهاية، أمام مجموعة من النتائج غير الواضحة، أو التي قد تكون متضاربة في بعض الأحيان، وهو ما يفتح الباب للجانب السياسي، والتجاري كذلك، كي يتدخل في تحديد مصير استخدام القنب في دول دون غيرها.

   

في كل الأحوال، فإن الجوانب العلاجية للقنب قد وجدت أدلة على صحتها على مدى آلاف السنين في تاريخنا، ورغم أن هناك بعض النتائج المبشرة الحديثة لاستخدام هذا النبات بشكل طبي، بصورته كنبات، فإن التوقعات عن التأثيرات الاجتماعية والطبية طويلة الأمد لانتشاره بعد التقنين هي صاحبة الاهتمام الأكبر الآن بين رجال السياسة والقانون والطب بالطبع. وحتى في الدول والولايات التي قامت بتقنين القنب، ما زالت هناك تحفظات كبيرة ودرجات واسعة من الحذر من قِبل المختصين تجاه استخدامه على مستويات أكبر، فالباب مفتوح لكل التوقعات.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار