انضم إلينا
اغلاق
إليك هذا الدليل لتتمكن من قراءة نجوم السماء بالصيف

إليك هذا الدليل لتتمكن من قراءة نجوم السماء بالصيف

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

تبدأ الحكاية من أقصى الشرق، في اليابان1، حيث تقول الأسطورة إن الأميرة "تاناباتا" ابنة ملك الآلهة قد وقعت في حب بشري يُدعى "كينجيو"، وحينما علم أبوها بذلك فرّق بينهما بأن رفعهما إلى السماء في صورة نجمين، بين النجمين يمر نهر المجرة ويمنعهما من التواصل إلا مرة واحدة فقط، في اليوم السابع من القمر السابع كل عام، لهذا السبب يحتفل معظم اليابانيين في السابع من يوليو/تموز بأعياد الحب حيث يقومون بكتابة الرسائل وتعليقها على أشجار البامبو وتلوينها.

      

الأميرة تاناباتا ما هي إلا النجم الذي نعرفه باسم "Vega" أو "النسر الواقع" في التسمية العربية، وحبيبها البشري هو نجم "Altair" أو "النسر الطائر"، وهما، مع رفيق ثالث يسمى "Deneb" أو الذنب، يمثلون ما نسميه بالمثلث الصيفي2 (Summer Triangle)، أشهر علامات فصل الصيف، والتي يمكنك بسهولة أن تلاحظها إذا خرجت حول الساعة العاشرة إلى الحادية عشرة مساء إلى سطح منزلكم، حول منتصف يوليو/تموز، ورفعت رأسك إلى السماء فوقك. سترى ثلاثة نجوم لامعة على شكل مثلث ضخم واضح، هذا هو المثلث الصيفي.

         

صورة ملتقطة مؤخرا لثلاثية المثلث الصيفي أعلى سور الصين العظيم، تجد النجوم الثلاثة التي تصنع المثلث معا في منتصف الصورة ناحية اليسار قليلا، ألمعها هو قمة المثلث (النسر الواقع) 

   

المثلث الصيفي

والمثلث الصيفي هو نقطة انطلاقنا في الصيف، فكما نعرف من تقاريرنا السابقة عن الشتاء والربيع، لكل فصل كوكبة أو مجموعة كوكبات أساسية مميزة سوف تساعدك على فهم كامل كوكبات سماء الليل في هذا الفصل، وهذه المرة فإن دليلنا السماوي هو مجمة3 (Asterism)، أي شكل مميز في السماء، يربط بين ثلاث كوكبات، الأولى هي كوكبة القيثارة (Lyra) (نجمها الألمع هو النسر الواقع (Vega))، والثانية هي كوكبة الدجاجة (Cygnus) (نجمها الألمع هو ذنب الدجاجة (Deneb)) والثالثة هي كوكبة العقاب (Aquila) (نجمها الألمع هو النسر الطائر (Altair))، والأسماء -كما ترى- لها أصول عربية، حتى "Vega" نفسه هو نوع من "النحت" من كلمة النسر الطائر.

   

ويمكن لك، كما قلنا منذ قليل، أن تتعرف على المثلث الصيفي بمجرد صعودك إلى سطح منزلكم والبحث عنه بعينيك، لكن يمكن كذلك أن تستخدم أحد التطبيقات الفلكية على الهواتف الذكية وهو "Google Sky Map"، لكن أفضل طرق متابعة سماء الليل هي -دائما- استخدام كوكبات لتصل إلى أخرى، وهنا يمكن لنا أن نستخدم حرف الـ "W" الشهير الخاص بالكوكبة "ذات الكرسي" (Cassiopeia)، والمقلاة أو المغرفة الشهيرة من كوكبة الدب الأكبر (Ursa Major)، وبالخريطة المرفقة سوف تتعلم بسهولة كيفية استخدام كل منهما.

        

    

وللنسر الطائر (Vega)، من هذه المجموعة، حكاية خاصة4، حيث وجد العلماء، في الثمانينيات، ما يشبه السحابة من الغبار البارد نسبيا تدور حول النجم وتمتد إلى ما يقترب من 75 وحدة فلكية منه، ما يعني أن هناك إمكانية لتكوّن أقراص كوكبية قريبة به، كانت تلك مفاجأة لأنه لم يكن أحد يتوقع أن توجد سحابة من الغبار حول نجم بهذا العمر الصغير، استغل كارل ساغان الفلكي الشهير تلك الفكرة في صياغة روايته الشهيرة "اتصال" (Contact)، والتي تحولت فيما بعد إلى فيلم شهير من بطولة جودي فوستر وماثيو ماكوناهي، لكن في 2005، تمكن التلسكوب سبيتزر من إعطائنا صورا أكثر وضوحا تشير إلى أن تجانس الغبار الملتف حول الكوكب يرتبط ببقايا تصادم مذنبات، وليست هناك أي دلائل على تكوّن أقراص تشير إلى بدايات تكوّن كواكب.

 

إلى بقية السماء

يفتح هذا المثلث الصيفي البسيط بابا لرصد أهم كوكبات سماء الليل بالصيف، فعلى بُعد نحو 95 درجة جنوب المثلث، مثلا، كما ترى بالتصميم المرفق، سوف تلتقي بقلب العقرب (Antares)، وهو ألمع نجوم كوكبة العقرب (Scorpius)، ويُسمّى كذلك بسبب لمعانه باللون الأحمر الواضح، والذي يظهر كأنه ينافس لمعان المريخ، الممثل لإله الحرب الشهير بلونه الأحمر الدموي، لذلك جاءت التسمية "Antares" من "Anti-Ares" أي "ضد آريس".

         

    

وقلب العقرب هو، في الحقيقة، حالة خاصة، فهو عملاق أحمر فائق يعيش آخر أيامه5، حيث سوف ينفجر في أي لحظة تمتد بين عدة آلاف إلى عدة ملايين من السنوات، في تلك المرحلة من حياتها تتضخم النجوم بشكل مهول وتنخفض درجة حرارة سطحها، لفهم ذلك تأمل معي نصف قطره الذي يبلغ 700 مرة أكبر من نصف قطر الشمس، لكن بعملية حسابية بسيطة ستجد أن ذلك يعني أنه يمكن لنا وضع 950 ألف كرة صغيرة بحجم الشمس داخل قلب العقرب، حينما ينفجر هذا العملاق سوف نرى ذلك هنا على الأرض، على مسافة 600 سنة ضوئية، كأنه مصباح منير!

  

كوكبة العقرب من الكوكبات الأشهر والأجمل التي يمكن لمبتدئ أن يمسك بها بكل سهولة لأنها تتفق مع شكل الكائن الذي تمثله، العقرب، يمكن أن تجدها -بدون خرائط أو تطبيقات حتّى- حينما تتأمل السماء الجنوبية، ولأنه لا تجاورها كوكبات لامعة سوى القوس فسوف تراها واضحة، وهي منطقة مهمة جدا لكل هواة التصوير الفلكي الذين يقطعون مسافات شاسعة داخل الصحاري لالتقاط أروع الصور السماوية، لكن لماذا تعد هذه الكوكبة مهمة إلى هذا الحد؟

     

قبل الإجابة عن هذا السؤال دعنا نتعرف إلى كوكبة مجاورة للعقرب، إنها القوس (Sagittarius)، يمكن لك كذلك أن تستخدم المثلث الصيفي للوصول إليها، فقط على بُعد 75 درجة بمد الخط بين ذنب الدجاجة والنسر الطائر، وإذا كنت لا تستطيع رصد كامل الكوكبة يمكن لك فقط تتبع النجوم الثمانية الأساسية لها، والتي تصنع معا ما يشبه برّاد الشاي (Teapot)، حتّى مع أضواء المدينة يمكن مع بعض التدقيق أن تلتقطهم.

   

وبتأمل المنطقة بين كوكبة القوس والعقاب، فنحن ننظر تجاه مركز مجرتنا "درب التبانة"، في هذه المنطقة تتراكب أحزمة المجرة فوق بعضها البعض لتجعلها المنطقة الألمع في سماء الليل من حزام المجرة، في الليالي الحالكة مع نسبة إضاءة قليلة جدا يمكن أن تستمتع برصد حزام المجرة، والذي يبدأ كسحابة خافتة واضحة بين العقرب والقوس، تمتد لتخفت قليلا بالأعلى بين نجوم المثلث الصيفي، لذلك فإن هدف المصور الفلكي يكون تلك المنطقة في المركز لكي يتمكن من جمع أكبر كمية ضوء ممكنة وعرض صور حزام المجرة الشهيرة والتي تملأ وسائل التواصل الاجتماعي، لكن متابعة هذا الحزام يدور بين الكوكبات بعينيك المجردتين لهو متعة خاصة في الحقيقة، ويمكن لك استخدام تقرير سابق للكاتب بعنوان "نحو كاثي: الإبحار في درب التبانة"6 سوف يعطيك دليلا مفصلا لتأمل نجوم وكوكبات درب التبانة الأشهر.

         

      

دعنا هنا -قبل استكمال رحلتنا- نتعرف إلى ما تعنيه تلك الدرجات التي نلقيها إليك في كل فقرة، حيث يقيس الفلكيون سماء الليل بالدرجات القوسية7 وليس بالسنتيمترات أو الأمتار، فسماء الليل بالنسبة إلى راصد على الأرض هي كرة ضخمة نقع نحن في مركزها ونقيسها كأننا مركز منقلة هندسية ضخمة، لذلك فكل نقطتين في سماء الليل، كل نجمتين، تقعان معا على دائرة كاملة مقياس درجاتها 360 درجة، ويمكنك بشكل تقريبي قياس المسافات بين النجوم عبر مد يديك أمامك ثم توجيهها إلى السماء واستخدام أي من الأشكال المرافقة، قد تقول إن أذرع البشر تختلف في الطول، لكن الفكرة هنا أن الشكل تقريبي، لذلك حينما نقول مثلا إن هناك مسافة 50 درجة بين المثلث الصيفي وكوكبة الحواء فإن ذلك يعني أن تمد يديك بقيمة 25 درجة ثم تكررها، أو تستخدم كلتا يديك، وهكذا يمكنك التوليف بين أدواتك البسيطة.

    

من جهة أخرى ما زال بالإمكان أن تستخدم المثلث الصيفي للوصول، خلال 50 درجة فقط من نجم الذنب قاطعا المثلث إلى نصفين، إلى ألمع نجوم كوكبة الحواء (Ophiuchus)، إنه رأس الحوّاء8 (Rasalhague)،وهو كذلك يستحق التأمل، فهذا النجم يدور حول نفسه بسرعة شديدة جدا، نحو 250 كيلومترا بكل ثانية! ما يجعله يتخذ شكلا بيضاويا وليس دائريا كباقي النجوم، ويتمكن الباحثون في المراصد الفلكية من رصد هذه الأنواع الدوّارة بسرعة شديدة من النجوم عبر دراسة فارق الحرارة الصادر عنها، فذلك التحدب الشديد يجعل من منطقة خط الاستواء الخاصة بالنجم أكثر ابتعادا عن المركز وأقل حرارة من منطقة القطبين.

      

  

أما عن كوكبة الحواء، فتمتد نجومها لتملأ جزءا كبيرا من المساحة بين المثلث الصيفي والثنائي: القوس والعقرب، ويمكن لك ببساطة أن تمسك بكامل نجومها، والتي يمتد لمعانها الظاهري في القدر الثاني، في ليلة حالكة، لكن شهرة الكوكبة تنبع من كونها توجد على خط دائرة البروج السماوي بصورة جزئية، حيث إن عدد الأبراج السماوية ليس 12 فقط كما يظن البعض، لكن هناك برج ثالث عشر تمثله هذه الكوكبة، لكن الشمس لا تبقى فيه سوى 13 يوما فقط، لذلك حذفه المنجمون قديما من كتبهم وأبقوا على الاثني عشر الثابتين، ربما -فقط- لأن الدجل يحب الانتظام.

        

إلى الأكثر خفوتا

   

كذلك تكتسب الكوكبة شهرة إضافية بوجود النجم الشهير بارنارد9 (Barnard’s Star)، الذي يسمى نسبة إلى الفلكي الأميركي إدوارد بارنارد، ضمن نطاقها. ورغم أنه يمتلك لمعانا ظاهريا بقدر 9.5 فقط، ما يعني أنك بحاجة إلى تلسكوب متوسط لرؤيته، فإنه رابع أقرب النجوم للأرض، بعد الثلاثية القنطورية، حيث يقع فقط على مسافة 4.9 سنة ضوئية، كما أنه -وهذا هو سبب الاهتمام الرئيسي بهذا النجم- أسرع النجوم التي نراها تتحرك في السماء، حيث يقطع نحو 10 ثوان قوسية في السنة، ويُعتقد أنه كان أقرب كثيرا لنا قبل نحو 10 آلاف سنة ضوئية، في الفيديو المرفق يمكن لك أن تتأمل الحركة الطفيفة لهذا النجم خلال 20 سنة كاملة.

       

    

بعد الحوّاء، يبقى لنا أن نستخدم المثلث الصيفي في البحث عن حجر الأساس (Keystone) لكوكبة هرقل (Hercules)، وهو شكل مكون من أربعة نجوم خافتة -من القدر الثالث، أي حول اللمعان الظاهري 3- في الكوكبة، يقع فقط على مسافة 50 درجة بمد الخط المنطلق من ذنب الدجاجة مرورا بالنسر الواقع، ويمكن لك استخدام دليل الاتحاد الفلكي الدولي10 (International Astronomical union) لتتبع باقي نجوم كوكبة هرقل، أو الجاثي كما سمته العرب قديما، خاصة نجم رأس الجاثي11 (Rasalgethi)، والذي يقف هناك بجوار رأس الحواء، كذلك استخدمه لتأمل نجوم مجموعة الكوكبات التي قمنا بالتعلّم عنها إلى الآن، سوف يكون مفيدا للغاية خاصة مع وجود نظارة معظمة.

         

نجم بارنارد هو قزم قريب في حجمه من المشتري (مواقع التواصل )

    

رأس الجاثي هو نجم عملاق، يمكن أن تضع بداخله 80 ألف كرة بحجم الشمس، لكن ما يميزه كذلك هو أنه نجم مزدوج، ويعني ذلك نجمين يدور كل منهما حول الآخر، في هذه الحالة يفصل بينهما نحو 500 وحدة فلكية، ويدوران حول بعضهما البعض مرة كل 3600 سنة، يمكن لك عبر تلسكوب متوسط أن تفصل بينهما لترى كلًّا منهما يقف بجوار رفيقه، لكن ما لا يمكن أن تلاحظه بالتلسكوب المتوسط هنا هو أن رفيق رأس الجاثي ليس نجما واحدا، لكنه -بدوره- نظام نجمي منفصل يتكون من نجمين يدوران حول بعضهما البعض، ما نحن بصدده إذن هو نظام نجمي متعدد يتكون من ثلاث شموس تدور معا.

   

يمكن لك أن تستخدم كوكبة هرقل للتعرف على بعض المجموعات من الكواكب والتي سوف تستمر من الربيع إلى منتصف الخريف، حيث تقف كوكبة التاج الشمالي (Corona Borealis) على مسافة قصيرة جدا إلى غرب هرقل، التاج الشمالي يمكن بدورها أن تقودك إلى القوس الربيعي العظيم (الدب الأكبر، ثم العوّاء، ثم العذراء)، لكن للتعرف إلى ذلك الثلاثي وتفرعاته يمكن لك تأمل تقرير سابق للكاتب بعنوان "دليلك لقراءة نجوم السماء في فصل الربيع"12 كان قد قدم لها عرضا أكثر تفصيلا، مع مجموعة من الخرائط الرائعة والمبسطة.

  

يمكن لتلك الصورة العامة لسماء الصيف أن تعطيك فيما بعد فرصة لتأمل عدد أكبر من الكوكبات الأكثر خفوتا، فمثلا ما زال بإمكانك أن تستخدم المثلث الصيفي للتعرف على بعض الكوكبات المجاورة كالتنين أو قيفاوس، أو بعض الكوكبات الخافتة التي تقع ضمن نطاقه، كالثعلب (Vulpecula)، أو السهم (Sagitta)، أو الدولفين (Dolphinus)، أو قطعة الفرس (Equuleus)، أو العظاءة (Lacetra)، ويمكن لنظارة معظمة أن تجعل مشهدا كهذا عظيما للغاية.

        

   

من جهة أخرى فإن تقريرا سابقا للكاتب بعنوان "الدليل الشامل لتعلم علم الفلك"13 سيقدم لك فرصة للتعرف إلى أهم المصادر التي يمكنها أن تساعدك كي تحقق رصدا ممتعا لسماء الليل، سواء بالعينين المجردتين، أو عبر نظارة معظمة، أو مع تلسكوب، سوف يعطيك هذا الدليل فرصة للتعرف على أفضل الأطالس وأشهرها، وكذلك القوائم المصاحبة للأطالس، والكتب المهمة التي تساعدك في رصد أجرام بعينها كالسدم أو المجرات أو النجوم المزدوجة، وكذلك آليات الرصد وأسرار الراصدين المحترفين.

  

في الصيف ترتفع درجات الحرارة لدرجة تدفعنا في بعض الأحيان إلى الخروج من المنزل والبحث عن بعض الهواء لاستنشاقه، وربما لا يعرف الكثيرون أن أحد تلك الأماكن التي يمكن أن تذهب إليها يقع فقط على بُعد عدة درجات فوق سطح المنزل، والذي يمكن أن يتحول، بعد قراءة تقرير كهذا، إلى مرصد بسيط تتعلم منه الكثير عن سماء الليل ونجومها، وربما مع تلسكوب بسيط تشتريه في المستقبل قد تتأمل بعض الكواكب، والمجرات، والسدم الجميلة، سوف تكون تلك تجربة ممتعة في كل مرة ومهما تكررت، فبعض من التأمل لسماء الليل، ولو لخمس دقائق بغرض الاستمتاع، قادر دائما على جعل نهارك التالي أفضل.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار