هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
الجمال هو الحقيقة.. الحقيقة هي الجمال.. وأكاذيب فيزيائية أخرى

الجمال هو الحقيقة.. الحقيقة هي الجمال.. وأكاذيب فيزيائية أخرى

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

من منا لا يحب الأفكار الجميلة؟ من المؤكد أن الفيزيائيين يحبونها. في أسس الفيزياء، أصبحت الفرضيات ذات الطابع الجمالي مقبولة. يعتقد الفيزيائيون أن دوافعهم لا تهم لأن الفرضيات -في نهاية المطاف- يجب اختبارها؛ لكن يصعب أو يستحيل اختبار معظم أفكارهم الجميلة. وكلما كانت النتيجة معاكسة فرضياتهم، يستطيع الفيزيائيون تعديل هذه الفرضيات لاستيعاب النتائج المعاكسة.

  

بدأ هذا الأمر منذ حوالي 40 عاماً. خلال الأربعين سنة، ازدهرت الحجج الجمالية في برامج بحثية -مثل التناظر الفائق، وتعدد الأكوان والنظرية الموحدة العظمى- التي تشغل الآن آلاف العلماء. في هذه السنوات الأربعين، أنفق المجتمع مليارات الدولارات على تجارب لم تجد أي دليل يدعم تلك الأفكار الجميلة. وخلال هذه العقود الأربعة لم يكن هناك تقدماً كبيراً في أسس الفيزياء.

          

يزعم زملائي [كاتبة المقال سابين هوسينفيلدر] أن معايير الجمال تعتمد على الخبرة؛ إن أكثر النظريات الأساسية التي نملكها حالياً -النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات ونظرية النسبية العامة لألبرت آينشتاين - هي جميلة بطريقة ما. أوافق على أنه كان من المفيد محاولة افتراض أن النظريات الأساسية أكثر جمالاً بطرق مماثلة. ولكنا حاولنا ولم ينجح الأمر. بالرغم من ذلك، يستمر علماء الفيزياء في اختيار النظريات المستندة إلى نفس معايير الجمال الثلاثة: البساطة والطبيعية والأناقة.

  

لا أقصد بالبساطة "نصل أوكام" الذي يتطلب اختيار النظرية الأكثر بساطة من بين نظريتين تحققان نفس الشيء. بل أعني البساطة المطلقة: يجب أن تكون النظرية بسيطة ، نقطة. عندما لا تكون النظريات بسيطة بما فيه الكفاية لأذواق زملائي، فإنهم يحاولون جعلها أكثر بساطة من خلال توحيد عدة قوى أو من خلال تقديم تناظرات جديدة تجمع بين الجسيمات في مجموعات منظمة.

  

المعيار الثاني هو الطبيعية؛ وهي محاولة للتخلص من العنصر البشري عن طريق اشتراط عدم استخدام نظرية للافتراضات التي تبدو منتقاة بعناية. غالباً ما يتم تطبيق هذا المعيار على قيم الثوابت بدون وحدات، مثل نسب كتل الجسيمات الأولية. تتطلب الطبيعية أن تكون هذه الأرقام قريبة من رقم واحد، وإذا لم تكن هذه هي الحال، فإن النظرية تشرح لماذا ليست كذلك.

   

ثم هناك الأناقة، الجانب الثالث والأكثر مراوغة من الجمال. غالباً ما يتم وصفها على أنها مزيج من البساطة والمفاجأة مجتمعتان تكشفان عن اتصالات جديدة. نجد الأناقة في "تأثير يوريكا (وجدتها)"، لحظة البصيرة عندما توضع الأمور في مكانها الصحيح.

   

يعتبر الفيزيائيون حالياً نظرية ما واعدة إذا كانت جميلة وفقاً لهذه المعايير الثلاثة. قادهم هذا إلى التنبؤ -على سبيل المثال- إلى أن البروتونات يجب أن تكون قادرة على التفتت. لقد بحثت التجارب في هذا منذ ثمانينيات القرن العشرين، ولكن حتى الآن لم يشهد أحد أي تفتت في البروتون. وتوقع واضعو النظريات أيضاً أنه يجب أن نكون قادرين على اكتشاف جسيمات المادة المظلمة، مثل جسيم الأكسيون (axion)* أو جسيمات التفاعل الضعيف الضخمة (WIMPs). لقد كلفنا بإجراء العشرات من التجارب ولكننا لم نعثر على أي من الجسيمات الافتراضية، على الأقل ليس حتى الآن. وقد دفعت نفس معايير التماثل والطبيعية بالعديد من علماء الفيزياء إلى الاعتقاد بأن مصادم الهدرونات الكبير أو المسارع النووي الكبير (LHC) يجب أن يرى شيئاً جديداً إلى جانب بوزون هيغز**، على سبيل المثال ما يسمى بجسيمات التناظر الفائق أو أبعاد إضافية للفضاء؛ لكن لم يتم العثور على أي منها حتى الآن.

        

   

إلى أي مدى يمكنك دفع هذا البرنامج قبل أن يصبح سخيفاً ومنافياً للعقل؟ حسناً، إذا جعلت النظرية أبسط وأبسط، فسوف يصبح الأمر غير متوقع في نهاية المطاف نظراً لأن النظرية لم تعد تحتوي على معلومات كافية حتى من خلال الحسابات. ما تحصل عليه هو ما يسميه واضعو النظريات الآن "تعدد الأكوان": مجموعة لا حصر لها من الأكوان مع قوانين الطبيعة المختلفة.

  

على سبيل المثال، إذا كنت تستخدم قانون الجاذبية بدون تحديد قيمة ثابت نيوتن (ثابت الجاذبية) بالقياس، فيمكنك القول أن نظريتك تحتوي على كون لأي قيمة للثابت. بالطبع، يجب أن نفترض أننا نعيش في عالم واحد لديه قيمة ثابت الجاذبية الذي استطعنا قياسه؛ لذلك قد يبدو أنك لم تكسب الكثير. إلا أن واضعي النظريات يمكنهم الآن كتابة أوراق بحثية حول هذا العدد الكبير من الأكوان الجديدة. والأفضل من ذلك، أن الأكوان الأخرى لا يمكن رؤيتها ورصدها، وبالتالي فإن نظريات تعدد الأكوان آمنة من الاختبار التجريبي.

  

أعتقد أنه آن الأوان لأخذ العبر من تاريخ العلم. لا يملك الجمال سجلاً جيداً كدليل لتطوير نظريات. كانت العديد من الفرضيات الجميلة خاطئة تماماً، مثل فكرة يوهانس كيبلر بأن مدارات الكواكب مكدسة في "متعددات سطوح" عادية تعرف باسم "المجسمات الأفلاطونية"، أو أن الذرات عبارة عن عقد في الأثير غير المرئي، أو أن الكون في "حالة ثابتة" بدلاً من خضوعه للتوسيع.

   

والنظريات الأخرى التي كانت تعتبر قبيحة في يوم من الأيام قد صمدت صحتها بمرور الأيام. عندما اقترح كيبلر أن الكواكب تتحرك في قطع ناقص بدلاً من دوائر كاملة، وهي نظرية اعتبرها معاصروه قبيحة جداً لأن تكون صحيحة. وقد رفض الفيزيائي جيمس ماكسويل نظريته الخاصة التي تشمل المجالات الكهربائية والمغناطيسية -لأنه في عصره- كان معيار الجمال يتضمن التروس والبراغي. انتقد بول ديراك نسخةً لاحقة من نظرية ماكسويل ووصفها بالقبيحة لأنها تطلبت نظام رياضي معقد لإزالة اللانهاية من المعادلة. ومع ذلك، كانت تلك الأفكار "المفترض" أنها قبيحة صحيحة، ولا تزال قيد الاستخدام حتى اليوم، كما لم نعد نعتبرها قبيحة.

    

يوهانس كيبلر، عالم ألماني  (مواقع التواصل الاجتماعي)

   

للتاريخ عبرة أخرى؛ فعلى الرغم من أن الجمال كان حافزاً شخصياً قوياً للعديد من علماء الفيزياء، إلا أن المشاكل التي أدت إلى إحراز تقدم كبير لم تكن مجرد شكوك جمالية، بل تناقضات رياضية. على سبيل المثال، ألغى آينشتاين الوقت المطلق لأنه يتناقض مع الكهرومغناطيسية ضمن معادلات ماكسويل، وبالتالي خلق النسبية الخاصة. ثم حل الصراع بين النسبية الخاصة والجاذبية النيوتونية، وكان نتيجة ذلك: النسبية العامة. قام ديراك بعد ذلك بإزالة الخلاف بين النسبية الخاصة وميكانيكا الكم، مما أدى إلى تطوير نظريات حقل الكم التي ما زلنا نستخدمها في فيزياء الجسيمات اليوم.

   

كان بوزون هيغز أيضاً وليد الحاجة إلى الاتساق المنطقي. تم العثور على بوزون هيغز في مصادم الهدرونات الكبير في عام 2012، مما يجعله ضرورياً لعمل النموذج القياسي. وبدون العالِم هيغز، لا يقبل فيزيائيو الجسيمات الاحتمالات التي تزيد عن 1 في حساباتهم،  وهو هراء رياضي لا يمكن أن يصف الواقع. من المؤكد أن الرياضيات لم تخبرنا أنه لابد أن يكون بوزون هيغز، بل كان من الممكن أن يكون شيء آخر. لكننا كنا نعلم أنه لا بد أن يحدث شيئاً جديداً في مصادم الهدرونات الكبير قبل أن يتم بناؤه. كان هذا المنطق مبني على أسس رياضية صلبة.

   

من ناحية أخرى، تجد الجسيمات فائقة التناظر جميلة ولكنها ليست ضرورية. تم تضمينها لإصلاح النقص الجمالي للنظرية الحالية والذي تمثل في نقص في الطبيعية. لا يوجد شيء خاطئ رياضياً في نظرية ليست فائقة التناظر، ولكنها ليست جميلة على وجه الخصوص. استخدم فيزيائيو الجسيمات التناظر الفائق لمعالجة هذا النقص (من منظورهم) مما جعل النظرية أكثر جمالاً. كانت التنبؤات بأن الجسيمات الفائقة التناظر يجب أن تُرى في مصادم الهدرونات الكبير مبنية على الأمل بدلاً من المنطق السليم؛ ولم يتم العثور على الجسيمات.

  

استنتاجي من هذه السلسلة الطويلة من النتائج الباطلة هو أنه عندما تحاول الفيزياء تصحيح النقص المفترض في الجمال، فإننا نهدر الوقت في مشكلات ليست في الواقع مشكلات. يجب على الفيزيائيين إعادة التفكير في أساليبهم الآن قبل أن نبدأ في مناقشة ما إذا كان العالم يحتاج إلى مصادم جسيمات أكبر أو القيام ببحث آخر عن المادة المظلمة.

    

    

لا يمكن أن تكون الإجابة هو أن كل شيء سيتم حله بالطبع. إن الفكرة القائلة بأن النظريات الجديدة يجب أن تحل المشاكل القائمة هي جيدة من حيث المبدأ في الوقت الحالي فقط، إذ أن المشاكل بحد ذاتها غير مصاغة بشكل دقيق بما يكفي لأن يكون هذا المعيار مفيداً. الأساس المفاهيمي والفلسفي للتفكير في أسس الفيزياء ضعيف وعلى هذا الأمر أن يتحسن.

  

إن المطالبة بأن تتطابق الطبيعة مع مُثل الجمال لا فائدة منه وليس بممارسة علمية جيدة. يجب أن ندع الأدلة تقود الطريق لقوانين الطبيعة الجديدة. أنا متأكد من أن الجمال ينتظرنا هناك.

---------------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار