اغلاق
آخر تحديث: 2018/7/24 الساعة 16:06 (مكة المكرمة) الموافق 1439/11/12 هـ

انضم إلينا
مشاهد طفولتك التي تتذكرها ربما يكون اختلقها عقلك

مشاهد طفولتك التي تتذكرها ربما يكون اختلقها عقلك

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

ما الذكرى الأولى الخاصة بك؟ هل هي شيء له علاقة بالأب أو الأم؟ هل ترى صورا متداخلة غير واضحة عن زيارة لمنزل الجدة في القرية أو تشم رائحة طبقها الذي تُعِدُّه لكم بعناية مع كل زيارة؟ هل ترى نفسك بين أفراد العائلة تتأمل أحدهم بدقة؟ أم أنها كانت ذكرى حزينة تنهمر خلالها الدموع من جانبي عينيك؟ حسنا، حسب دراسة أخيرة نُشرت قبل عدة أيام فقط في مجلة1 "سايكولوجيكال ساينس"، فإن هذه المواقف التي تتذكرها.. ربما لم تحدث قط!

     

ذكريات أولى خيالية

قام الباحثون، خلال الدراسة، باختبار مدى صواب ادعاءات 6641 خاضعا للتجربة من نطاق فئات عمرية واسع (11-100 سنة) حول ذكرياتهم الأولى، هنا جاءت النتائج2 لتقول إن الذكريات الأولى لدى 2487 شخصا منهم (ما يقترب من الأربعين في المئة) مختلقة من أساسها، بينما كانوا، قبل التجربة، قد أقرّوا بأنها صحيحة تماما ولا شك لديهم أن ذلك هو ما حدث بالفعل، وكانت الفكرة أن يطلب الباحثون من الخاضعين للدراسة وصف الذكرى الخاصة بهم، ثم يحلل الفريق اللغة المستخدمة من قِبل المشاركين، ومحتوى الذكرى، وطبيعة الذاكرة، مقارنة بسِنّ الشخص، لاكتشاف صحتها من عدمها.

     

   

أضف إلى ذلك أن إشارة بعض الخاضعين للتجربة إلى ذكريات تتعلق بتذكّرهم لأحاديث أو تحدثهم، في سِنّ لا يتمكّن الطفل خلاله من إدراك الفارق بين ذاته والعالم، أو إدراك اللغة، كان ذلك مؤشرا واضحا على كذب تلك الذكريات الأولى، فنحن البشر نحتاج إلى بعض الوقت كي يكتمل وعينا بذواتنا، لتحقيق تلك الفكرة التي تقول إنني "أنا" المنفصل عن العالم والذي أمتلك لا يعدو أفكارا ومشاعر ووجودا خاصا بي فقط، من جهة أخرى فنحن بحاجة إلى اللغة التي تساهم في توصيف ذكرياتنا بشكل أوضح، وهو ما يساعد على تصنيفها مكانيا وزمانيا.

 

في الحقيقة تلقى الذكريات الأولى اهتماما واسعا في الوسط البحثي، وأحاديثنا اليومية، على حد سواء، وكان ألفريد أدلر، النفساني الشهير، وأحد مؤسسي علم النفس الحديث، في أوائل القرن الفائت قد أشار3 إلى أن الذكريات الأولى تكتسب أهمية استثنائية، لأنها تشير إلى ما تعنيه الحياة بالنسبة لنا، فإذا كانت ذكرياتنا الأولى، على سبيل المثال، عن شخص يؤذينا، فإن ذلك يعني أننا نتعامل مع الحياة على أنها مكان للأذى، يجب إذن أن نأخذ حذرنا بشكل دائم من الآخرين، وهكذا.

 

وتجد تفسيرات أدلر، في الحقيقة، بعض الصحة، حيث كانت دراسات سابقة قد ربطت بين ذكرياتنا الأولى وتركيبة شخصياتنا، أو بالأحرى هوياتنا والآلية التي ندرك بها العالم، وعلى الرغم من تلك الأهمية التي تحظى بها ذكرياتنا الأولى فإننا نواجه مشكلة كبيرة مرتبطة بها، حيث إن 40% من البشر يقولون إنهم يتذكرون أشياء حدثت في السنوات الأولى المبكرة للغاية من أعمارهم، بينما ذلك -حسب الكثير من الدراسات- غير ممكن، تسمى تلك الظاهرة بـ "فقدان الذاكرة الطفولي" (4Childhood Amnesia)، وهو عدم القدرة على استرجاع أي من ذكرياتنا قبل الفترة من 2-4 سنوات، بينما نحتفظ فقط بعدد ضئيل للغاية من الذكريات عن الفترة من 4-10 سنوات.

     

    

فقدان الذاكرة الطفولي

للوهلة الأولى نظن أن ذلك له علاقة بأننا كبرنا وانشغلنا؛ لكن الأطفال أيضا لا يتذكرون ما حدث قبل الثالثة؛ بل إنه حين نسأل أطفالا في الخامسة أو السادسة من أعمارهم عن أحداث العام الثالث نفسه تهتز إجاباتهم، وتصبح أكثر غموضا، وكان فرويد قد أشار5 إلى أن سبب ذلك هو كبت الطفل لذكرياته الجنسية عن تلك المرحلة، حيث إن مرحلة العلاقة الأولى بين الطفل وأمه تُمثل صدمة نفسية بشكل أو بآخر حينما يتعلم الطفل مصطلحات كالقرف، الحياء، أو الأخلاق، عندها ينتقل الطفل -بتعبير "فرويد"- من الغريزة إلى الثقافة؛ ورغم حبكة تلك الحكاية "الشكسبيرية" فإنها غير علمية وتم رفضها.

   

فمثلا يرى العلماء أن دماغ الطفل يهتم في المراحل الأولى المبكرة من عمره بتكوين المعاني6 لا الذكريات المحددة؛ فحينما يلعب الطفل مع قطة أو يلهو بقطعة خشب مكعبة الشكل، فإنه لا يكوِّن ذكريات عن موضع ووقت وشكل الجسم موضع التعامل؛ لكنه يتعلم عن "القطة" و"المكعب" كوحدات لهذا العالم، كأسماء فقط، بذلك فهو لا يكون ذكرى واضحة، من جهة أخرى يتدخل البعض الآخر لتفسيرات متعلقة بنمو المخ نفسه، فمثلا نعرف أن الخلايا العصبية الدماغية تنمو بصورة سريعة في بداية عمر الطفل، وهو ما يعطل دوائر الدماغ التي تخزن الذاكرة مسببة فقدان الذاكرة الطفولي.

  

هناك أيضا نقطة مهمة يمكن أن نضيفها هنا، وهي أن الأطفال -في تلك المرحلة العمرية المبكرة جدا- يتعلمون بسرعة شديدة؛ أكبر من أي وقت في المستقبل، بالتالي يعني ذلك تكوين وصلات عصبية جديدة بشكل يشبه الانفجار، لكن دعنا في تلك النقطة نفكر في أدمغتنا كقرص صلب مساحته 500 جيجابايت، حينما يمتلئ القرص تماما، وتود إضافة فيلم أو ملف وورد؛ فأنت تحتاج إلى حذف بعض الملفات القديمة من القرص، كذلك قد يحذف دماغ الأطفال بعض الذكريات القديمة؛ لكي يضع ذكريات جديدة مكانها.

  

لذلك، يتصور باحثو الدراسة الجديدة أنه7 كلما أعلن الشخص عن ذكريات أقرب في العمر لسنينه الأولى، فإن احتمال أن تكون هذه الذكريات خيالية يرتفع، خاصة أن نسب الذكريات الأولى الخيالية ترتفع مع ازدياد العمر، بمعنى أن تذكرك لشيء حدث حينما كنت في سِنّ السنتين، مثلا، يعني بنسبة كبيرة أنه لم يحدث، وربما لم تكن هذه الذكريات خيالية بالكامل، لكنها ليست ذكريات في كل الأحوال، بمعنى أنها فقط ذكرياتك عن صورة لك (في سِنّ الثانية) تم إطلاعك عليها فتذكرتها أنت على أنها -هي ذاتها- ذكرى أولى.

   

    

الذاكرة الكاذبة

تقودنا النقطة الأخيرة إلى جانب غاية في الغرابة يتعلق بالذاكرة الخاصة بنا كبشر، فالذاكرة ليست كما نتصور، ليست كاميرا لتسجيل الأحداث وتخزينها لحين الحاجة إليها، ولكنها أقرب ما يكون8 لـ "ويكيبيديا"، نعم، يمكن لك أن تدخل لتسجل بها موضوعا عن شيء ما، لكنّ الآخرين يمكن لهم أيضا أن يتدخّلوا لتعديلها مرّة بعد أخرى مع الزمن، كذلك فإن ذاكرتنا عن الأشياء يمكن أن تتدخل أشياء لتعديلها، في الحقيقة نحن نختبر ذلك الشعور بشكل شبه يومي، هل حدث من قبل وكنت تتذكر أن السيّارة التي تقف بجانب المنزل حمراء اللون ثم نزلت للشارع فوجدتها خضراء؟ من أين جاء ذلك اللون الأخضر؟

 

إنه مختلق تماما، رغم أنك رأيته في تلك الصور التي كانت في دماغك قبل قليل، وما حدث هنا هو أن شيئا ما قد تدخل لتعديل تلك الذاكرة، ربما في أثناء حديثك مع أحدهم بالأعلى في المكتب، أو لأي سبب آخر، وكان كل من9 إليزابث لوفتس وجون بالمر، متخصصا علم النفس الإدراكي من جامعة واشنطن، في السبعينيات من القرن الفائت، قد أثبتا أن تعديلات طفيفة في اللغة المستخدمة لتوصيف حادثة ما أمام الخاضعين للتجارب قد تتسبب في تعديلات مقابلة في ذكرياتهم عن الأشياء.

  

وكانت إحدى أشهر مجموعات التجارب في هذا المجال البحثي هي10 "الفقدان في المركز التجاري"، حيث يتم إيهام الشخص أنه بينما كان صغيرا قد فُقد في المركز التجاري وأعاده أحدهم لعائلته، تجارب أخرى تضمّنت إنقاذ الطفل من الغرق، أو ركوب المنطاد، ثم تزوير صور عبر الفوتوشوب بدقة لها علاقة بتلك الحوادث الوهمية، وإطلاع المتطوعين عليها على أنها أحداث حصلت بينما كانوا أطفالا، جاءت كل النتائج لتتفق أن 38% من الخاضعين للتجارب تذكروا تلك الحوادث على أنها حقيقية، بل وأكّدت نتائج الخضوع للرنين المغناطيسي التشابه بين استجابة الدماغ للذكريات الكاذبة والحقيقية.

  

ويعني ذلك أنه كلما طالت الفترة الزمنية الفاصلة بين حدث محدد وما نتذكره عنه الآن، فإن الفرصة سانحة بشكل أكبر أن تتلوث ذكرياتنا عن هذا الحدث، أو أن تكون بالكامل خيالية كما تشير الدراسة الجديدة، في النهاية، فإنه يبدو لنا أنه من الصعب أن نتذكر أي شيء يقع أسفل حاجز السنتين، لكن الأكثر دعوة للتأمل في أثناء كل ذلك الخوض عن ذكرياتنا الأولى، أو ذكرياتنا في العموم، هو دور الذكريات نفسها في تكوين عالمنا الخاص.

     

    

فنحن نعرف أن لها دورا في تكوين ما نتصوره عن ذواتنا، أضف إلى ذلك، كما تحدثنا في تقرير سابق11، فإن للذكريات دورا واضحا في تحديد الشكل الذي نُدرك به الزمن، فإذا كانت ذكرياتنا عن هذا العالم مشوهة، سواء تلك الذكريات نفسها أو تصوراتنا عن الأوقات التي حدثت فيها، فقد يعني ذلك أيضا، بشكل أو بآخر، أن ذواتنا نفسها مشوهة بتشوّه ذكرياتها، لكن الأكثر دعوة للتأمل هنا هو أن نتساءل عن: إذا كان كل شيء يبدو للوهلة الأولى حقيقيا ليس كذلك بدرجات متفاوتة.. فمَن نحن في النهاية؟ عمَّ نعبر؟ وما الذي يتحكم فينا دون أن ندري؟!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار