انضم إلينا
اغلاق
هل نشهد ثورة علمية توقف التغير المناخي؟

هل نشهد ثورة علمية توقف التغير المناخي؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

أعلن فريق من العلماء من جامعة هارفارد وشركة "كربون إنجينيرينغ" (Carbon Engineering) مؤخرا أنهم وجدوا طريقة لاستخراج التلوّث الناتج عن ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي مباشرة وبتكلفة متدنية.

    

في الحقيقة، إذا نُفّذت تقنياتهم بنجاح على نطاق واسع، فقد يؤدي ذلك إلى تغيير طريقة تفكير البشرية بمشكلة تغير المناخ. فهذه التقنية قد تمنحنا أداة حاسمة جديدة في السباق ضد الاحتباس الحراري، لكنها قد تخلط الأوراق أيضا بما يتعلّق بالاعتبارات السياسية الحساسة لهذه القضية التي جعلته حتى الآن من الصعب على المجتمع التكيف معها.

    

    

   

تكاد أبحاثهم أن تكون مهرّبة من عالم الخيال العلمي إلى عالم الواقع، إذ تقترح أن الناس قد يتمكنون قريبا من إنتاج البنزين ووقود الطائرات باستعمال الحجر الجيري والهيدروجين والهواء فقط. كما تلمح إلى إمكانية بناء شبكة واسعة النطاق من أجهزة تنقية الكربون، قادرة على إزالة الغازات الدفيئة مباشرة من الغلاف الجوي.

  

وفوق كل ذلك، فإن التقنية الجديدة جديرة بالاهتمام لأنها تعد بإزالة ثاني أكسيد الكربون من الجو بثمن رخيص. في ٢٠١١، قدر فريق من الخبراء أنه سيكلف ٦٠٠ دولار على الأقل لإزالة كل طن من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. لكن الورقة البحثية الجديدة تزعم أن التقنية المكتشفة تستطيع إزالة الطن نفسه مقابل أقل من ٩٤ دولارا، وفي الحد الأقصى ٢٣٢ دولارا. بناء على هذه الأسعار، سيكلف ما بين دولار واحد و٢.٥ دولار لإزالة كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة من احتراق كل جالون من البنزين في سيارة حديثة.

  

يقول كين كالديرا، وهو عالم بارز في مؤسسة كارنيجي للعلوم: "إذا كانت هذه التكاليف حقيقية، فهذه نتيجة مهمة بالفعل". ويضيف: "إن هذا يفتح المجال لإمكانية تثبيت استقرار المناخ لقاء مبالغ مالية متدنية دون تغيير نظام الطاقة بأكمله أو تغيير سلوك كل شخص منا".

  

كين كالديرا، عالم بارز في مؤسسة كارنيجي للعلوم
  

نشر الفريق نتائجهم في "جول"، وهي مجلة علمية أميركية جديدة يطبعها ناشر مجلة البيولوجيا "سيل" (الخلية).

  

يقول ديفيد كيث، أستاذ الفيزياء التطبيقية في جامعة هارفارد والمؤلف الرئيسي للدراسة الجديدة: "ما قمنا به هو بناء عملية [التقاط مباشر للهواء] تعتمد قدر الإمكان على عمليات وتقنيات قائمة بالفعل ومنتشرة على نطاق واسع في العالم"، "لهذا السبب نعتقد أنه هناك إمكانية معقولة لتوسيع هذه العملية".

   

كيث هو أيضا مؤسس ورئيس تنفيذي لشركة "كربون إنجينيرينغ"، وهي شركة ممولة من قبل البليونير بيل جيتس مهمتها بحث كيفية إزالة ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الغلاف الجوي. تقول الشركة إن التقنية التي كُشِف النقاب عنها اليوم قد نُفّذت بالفعل في مصنعها التجريبي الصغير في سكواميش، بمنطقة كولومبيا البريطانية، وهي تبحث حاليا عن تمويل لبناء نسخة كاملة من المصنع، والتي يقول كيث إنه يمكن أن يكتمل بحلول عام 2021.

  

في الحقيقة، إن تقنيتهم، رغم تعقيدها، لا تعتمد على تقنيات غير مسبوقة. فلقد قام كيث وزملاؤه بتحويل مصنع للورق إلى ما يشبه برج تبريد حيث تمر العملية بثلاث خطوات رئيسية.

  

أولا، يتم امتصاص الهواء الخارجي وتسييره إلى الخلاطات التلامسية في المصنع حيث يتم تعريض الهواء إلى سائل قلوي. تشبه هذه الخلاطات أبراج التبريد الصناعية، فهي لديها مراوح كبيرة لاستنشاق الهواء من الخارج، وهي مبطنة بهياكل بلاستيكية مموجة تسمح لأكبر قدر ممكن من الهواء بالتلامس مع السائل. في برج التبريد التقليدي، يقوم السائل بتبريد الهواء؛ لكن في هذا التصميم، يختلط الهواء مع القاعدة القلوية. يقول كيث: "ثاني أكسيد الكربون هو حمض ضعيف، لذا فهو ينجذب إلى محلول القاعدة".

  

ثانيا، يتم إدخال السائل المائي (المحتوي على ثاني أكسيد الكربون) إلى المصنع، حيث يخضع لسلسلة من التفاعلات الكيميائية لفصل القاعدة عن الحمض. يتم تجميد السائل في كريات صلبة، ثم يتم تسخينه ببطء، وتحويله إلى سائل ملاط. مرة أخرى، تم نسخ هذه التقنيات من مكان آخر في الصناعة الكيميائية، "إن استخراج ثاني أكسيد الكربون من محلول كربونات هو ما تفعله تقريبا كل مصانع الورق في العالم"، يقول كيث.

  

       

   

وأخيرا، يتم دمج ثاني أكسيد الكربون مع الهيدروجين وتحويله إلى وقود سائل، بما في ذلك البنزين والديزل ووقود الطائرات. هذا في الحقيقة من بعض الجوانب الأكثر تقليدية في هذه العملية، فشركات النفط تقوم بتحويل الغازات الهيدروكربونية إلى وقود سائل كل يوم، باستخدام مجموعة من التفاعلات الكيميائية تسمى عملية فيشر-تروبش، وهذا مسألة حاسمة في عمل شركة "كربون إنجينيرينغ"، فهو يعني أن الشركة يمكنها إنتاج هيدروكربونات محايدة الكربون (المترجم/ أي إنها لا تضيف كميات جديدة من ثاني أكسيد الكربون إلى الجو).

  

ماذا يعني ذلك؟ قد يوضح المثال التالي هذه المسألة: إذا كنت ستقوم بحرق غاز كربون إنجينيرينغ في سيارتك، ستقوم بالفعل ببعث ثاني أكسيد الكربون من العادم الخاص بك إلى الغلاف الجوي للأرض. ولكن بما أن ثاني أكسيد الكربون هذا كان قد أتى من الجو في المقام الأول، فإن هذه الانبعاثات لن تسفر عن أي كميات جديدة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. كما لن يتم استخراج أي نفط جديد بعدها لتشغيل سيارتك.

   

في نهاية المطاف، يمكن استخدام عملية مماثلة لعزل الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري. فبدلا من تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى وقود سائل، يمكن للتقنية أن تضخه إلى أعماق الأرض، مما يقلل من كمية الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي. لكن مثل هذه التقنية لن تمنح شركة "كربون إنجينيرينغ" أي منتج لبيعه، فيما لم يظهر أي مستثمرين مستعدين لتمويل هذا الجهد في الوقت الحالي. يقول كيث: "إن السوق الرئيسية على المدى القريب هي لإنتاج وقود محايد الكربون"، "نحن نرى ذلك كتكنولوجيا إزالة الكربون من قطاع النقل".

  

يقول كيث إنه "متفائل جدا" بشأن مسألة تغير المناخ، "السبب هو أن ظروف سوق مثل هذه الأنواع من الوقود منخفضة الكربون هي أفضل بكثير مما كانت عليه قبل بضع سنوات. وفي الوقت نفسه، أصبحت الطاقة منخفضة الكربون -الكهرباء المولدة بواسطة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح- أرخص بكثير".

    

    

يقول الخبراء إن بحوث كيث وزملائه مشجعة، لكنهم يحذرون من أن الأمر سيستغرق بعض الوقت لدراسة التكلفة الحقيقية والقيام بالتطبيق الهندسي لنتائج عملهم. كان الرد من معظمهم مفاده: آمل أن ينجح هذا!

 

تقول جنيفر ويلكوكس، أستاذ مشارك في كلية كولورادو للتعدين، أنا "لا أشك في أن نطاق التكاليف التي يبلغون عنها صحيحة. أعتقد أن الحد الأدنى لـ ١٠٠ دولار لكل طن من ثاني أكسيد الكربون في مقاربتهم، ربما يكون قابلا للتنفيذ في غضون خمس سنوات أو نحو ذلك، فيما الحد الأقصى لـ ٢٥٠ دولارا لكل طن من ثاني أكسيد الكربون هو أكثر قربا من الواقع اليوم".

 

ويقول روجر آينز، عالم بارز في برنامج الطاقة التابع لمختبر لورانس ليفرمور الوطني: "إن التحسينات التي أحدثتها "كربون إنجينيرينغ" تبدو ملائمة، وأنا مرتاح لأن تكلفتها المقدرة تقع في إطار ما أتوقعه من مثل هذه التحسينات".

 

كما يقول سكوت هرسي، الأستاذ المساعد في الهندسة الكيميائية بكلية أولين: "إن الجزء الأهم من هذه الورقة، في رأيي، هو حقيقة أنهم قد اختبروا التقنية في مصنع نموذجي لبضع سنوات... هذا أمر مهم، ويقدم دليلا أقوى من الحسابات البسيطة أو النماذج الحسابية".

 

يقول كين كالديرا إن الورقة أعطت بعض الأمل حول مستقبل القطاعات الاقتصادية الأكثر تحديا من حيث القدرة على التكيف مع تغير المناخ، "هذا يشير إلى أن القطاعات التي تطرح التحدي الأكبر بما يتعلق بجعلها خالية من انبعاثات الكربون (مثل الصلب، وصناعة الأسمنت، والسفر لمسافات طويلة، وما إلى ذلك) قد يمكنها أن تستمر على المنوال نفسه، حيث نقوم فقط بدفع تكلفة إزالة ثاني أكسيد الكربون".

   

       

  

ويتابع: "اعتمادا على كيفية احتسابه، فإن الناتج المحلي العالمي الإجمالي يتراوح بين ٧٥ إلى ١١٠ تريليون دولار. لذا، فإن إزالة كامل ثاني أكسيد الكربون سيكلف ما بين ٣ إلى ٥ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (إذا كان رقم ١٠٠ دولار للطن هو الصحيح). وهذا يضع حدا أعلى على تكلفة حل مشكلة المناخ، نظرا لوجود العديد من الطرق الأخرى لخفض الانبعاثات بأقل من ١٠٠ دولار للطن الواحد".

  

يقول كيث إنه من المهم أن لا نتوقف عن محاولة تقليل انبعاث ثاني أكسيد الكربون حيثما أمكن، "وجهة نظري هي أننا يجب أن نلتزم بمحاولة خفض الانبعاثات أولا. باعتباري ناخبا، أرى أنه من الأرخص أن لا نبعث طنا من [ثاني أكسيد الكربون] من أن نبعثه ثم نزيله".

  

"ولكن بعد أن نرى الانبعاثات تتجه إلى أسفل وتتراجع نحو الصفر -والذي ربما قد يحدث بعد ١٠ أو ١٥ عاما من الآن- سأكون سعيدا لرؤية عملية إزالة ثاني أكسيد الكربون تحدث على نطاق أوسع".

-----------------------------------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار