انضم إلينا
اغلاق
الطقس حار؟ الكوكب كله يشتعل هذا الأسبوع!

الطقس حار؟ الكوكب كله يشتعل هذا الأسبوع!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

قبل أيام قليلة بدأت موجة شديدة الحرارة في ضرب أجزاء متعددة من الوطن العربي وصلت بدرجات الحرارة في بعض المناطق، كمصر، للـ 40 درجة مئوية وتخطى البعض الآخر في الخليج العربي حاجز الـ50 درجة، ليست تلك الدرجات الأسوأ على الإطلاق، لكنها اقتربت من الارقام القياسية في معظم مناطق الوطن العربي، كذلك اقترنت بموجة رطوبة شديدة رفعت من إحساس الناس بالحرارة، لكن ما يلفت النظر حقًا هو أن تلك الموجة لم تكن حصرية على الوطن العربي، بل ضربت، تقريبًا، كل مناطق هذا الكوكب ما عدا أقصى الجنوب!

     

العالم يحترق!

في إقليم كيبك، مثلًا، بكندا، لقي1 33 شخص مصرعهم على إثر موجة حارة ضربت البلاد خلال الأسبوع الفائت، مع معدلات وصلت إلى 1200 حالة اتصال يومي بالطوارئ والبوليس عن مشكلات متعلقة بالإجهاد الحراري، وصلت درجة الحرارة لـ 35 درجة مع  مؤشر للشعور بها يصل إلى 45 درجة، وذلك بسبب اقتران تلك الموجة العالمية مع حالة رطوبة شديدة، إنها حادثة لم تتكرر سوى قبل 18 سنة، لكن كندا ليست فقط هي المتضرر الوحيد من تلك الموجة.

  

في الولايات المتحدة الأميركية2 ارتفعت درجة الحرارة بثلثي الولايات إلى مستويات شديدة سجلت في بعضها أرقامًا قياسية غير مسبوقة بمثل هذه المناطق، من جهة أخرى سجلت بريطانيا ارتفاعات شديدة في درجات الحرارة بالنسبة لهذا الوقت من العام، أسكتلندا تحديدًا سجلت رقمًا قياسيًا جديدًا (33.2 درجة)، في أيرلندا سجلت درجات الحرارة كذلك رقما قياسيا جديدا تخطى حاجز الثلاثين درجة، من جهة أخرى سجلت كل من جورجيا وأرمينيا أرقام قياسية جديدة تخطت حاجز الـ 42 درجة مئوية في سابقة تاريخية.

  

الآن دعنا نتأمل قارة أفريقيا، حيث لفتت الجزائر3 انتباه عالم أخبار الطقس عندما سجلت رقمًا قياسيًا جديدًا يوم الخميس الفائت وهو 51.3 درجة مئوية، هذا هو رقم أفريقي (كما يُعتقد) كانت على رأسه المغرب سنة 1961، في الثالث عشر من يوليو، حينما سجلت 50.7 درجة مئوية. ليست الجزائر  فقط هي ما صنع رقمًا قياسيًا جديدًا، لكن هناك دولة عربية أخرى صنعت رقمًا عالميًا، حينما سجلت منطقة القريات4 العمانية أكبر درجة حرارة صغرى في العالم، في 28 يونيو الفائت، والتي سجّلت 42.6 مئوية، وهي أكبر درجة حرارة صغرى في العالم إلى الآن حسب الأرقام.

       

توزيع درجات الحرارة يوم 6 يوليو في كل العالم حسب منصة Climate Reanalyzer التابعة لجامعة ماين بدعم من المؤسسة الوطنية للعلوم   
  

ربما سوف تصبح الصورة أكثر قتامة حينما يضاف5 إليها أن ما يحدث في يوليو الحالي هو فقط قمة جبل جليدي ضخم امتد طوال الشهور الـ 15 السابقة. في أبريل مثلًا سجلت باكستان أعلى درجة حرارة في تاريخ العالم بتلك الفترة، 50.2 درجة، وفي مايو 2017 كانت باكستان قد سجلت كذلك رقمًا قياسيًا جديدًا لهذا الشهر وهو 53.5 درجة، أما شانجهاي فقد سجلت في يوليو 2017 درجة حرارة هي الأكبر في تلك المنطقة (40.9)، في نفس الشهر كانت قرطبة، أسبانيا، قد سجلت 46.9، الأعلى في تاريخها.

     

ما الذي يحدث هنا؟

لابد أنك تبحث الآن عن تفسير واضح لكل تلك الجلبة المناخية العالمية، هل هو أمر استثنائي؟ هل طبيعي أن يحدث ذلك ولو لمرة في العام؟ أم أن تلك الحالات الشاذة من الطقس القاسي هي نذير كارثة أكبر في الخلفية؟ والإجابة هنا تعتمد على درجة فهمنا لما يعنيه التغير المناخي العالمي، بالطبع يمكن لأية دولة أن تسجل أرقامًا قياسية في درجات الحرارة، لمرة مثلًا أو مرّتين في العام، لذلك لا يمكن لنا، على مستوى دولة بعينها، أن نربط ما يحدث أمامنا، بوضوح، بالتغير المناخي. لكن يمكن لنا، على الرغم من ذلك، أن نربط الصورة الكاملة، والتي تتضمن تزامنًا لعدد من الموجات الحارة القاسية في مختلف بلاد شمال خط الاستواء، وارتفاعًا في ترددها وقسوتها، بالتغير المناخي، بلا شك.

   

في تلك النقطة دعنا نبدأ بتوضيح هام، نعرف مثلًا أن متوسط درجات حرارة الكوكب قد ارتفع بمقدار حوالي الدرجة والنصف عن معدلاته، في تلك النقطة يتصور الجميع أن درجة ونصف ليست شيئًا كبيرًا، ما الفارق – مثلًا – بين أن تكون درجة حرارة القاهرة أو دبي أو الرباط 36 درجة فتصبح 37.5 درجة؟ لا شيء، لن يشعر المواطن العادي بها، لكن هذا الفهم لتغير المناخ لا يعبر بأية حال عن الحقيقة، لأن هذا الإرتفاع لا يعني فقط أن ترتفع درجات الحرارة عن المعدلات، بل يعني أيضًا ارتفاع معدلات وقسوة حالا التطرف والشذوذ المناخي كالموجات الحارة أو الموجات الباردة، أو الأعاصير شديدة القسوة كإيرما وهارفي العام الفائت.

     

    

لفهم ذلك، خذ مثلًا تلك الدراسة6 التي نشرت قبل حوالي العام في مجلة "ساينز أدفانسز" (Science Advances)، والتي تربط بين الارتفاع السريع بمقدار 0.5 درجة مئوية في متوسط درجات الحرارة بالهند خلال الفترة بين 1960 و 2009 وارتفاع معدلات ضرب الموجات الحارة لها بمقدار 25% أكثر من الأعوام الخمسة والعشرون السابقة لتلك الفترة، بل إن هناك ارتفاع بمقدار 50% في تردد الموجات الحارة بجنوب وغرب البلاد، بذلك ارتفعت احتمالات حدوث حالات الوفاة المرتبطة بالموجات الحارة لتصل إلى 146%، لقد دخلت دولًا كالهند وباكستان في نطاق موجات الحر القاتلة، ويعني ذلك ارتفاع حالات الوفاة بسبب الموجة الحارة عن 100 شخص.

    

من جهة أخرى، وبقياس ارتفاع معدلات الإجهاد الحراري (Heat Stress) في 44 من أصل 101 مدينة عملاقة في العالم، تلك التي يرتفع عدد سكانها عن 10 مليون شخص كـ نيو-دلهي أو القاهرة، وُجد7 أن ارتفاع معدلات الحرارة فقط بمقدار 1.5 درجة يتسبب في تضاعف الإصابة بحالات الإجهاد الحراري سنويًا بتلك المدن بحيث سوف يعرّض ذلك أكثر من 350 مليون شخص إضافي لمشكلات طبية تتعلق بارتفاع درجات الحرارة بحلول عام 2050.

  

كذلك، فإن هناك وحشًا مناخيًا آخر لم يكن في الحسبان، نعاني منه هذه الأيام، يدعى الرطوبة، والتي ترتفع درجاتها بمعدلات متسارعة، ما دعا العلماء إلى توقع8 أن يصل عدد الأيام ذات الرطوبة العالية، والتي ربما تتكرر مرة أو اثنتين في السنة حاليًا، بحلول العام 2070، إلى 100 – 250 يومًا كل عام، مع توقعات أن تصل حدود الرطوبة في جنوب أميركا، أفريقيا، الهند، والصين إلى مستويات تؤثر بالفعل على صحة البشر بشكل مباشر وتمنعهم من أداء وظائفهم، سوف يؤثر ذلك على كل شيء، سواء الزراعة، أو الصناعة، أو التجارة، لكن الأسوأ أنه قد يكون قاتلًا للبشر.

  

نحن نعرف أن أجسامنا، أثناء تعرضها للحرارة الشديدة، تقوم بتبريد ذاتها آليًا عبر إخراج العرق، والذي يتبخر من الجلد في الهواء فتبرد أجسامنا، تعمل تلك الآلية بشكل جيد في الأجواء الجافة، ولكن عندما يكون الجو مكدسًا بالرطوبة – كما يحدث هذه الأيام مثلًا - يبطئ تبخر الجلد وتتوقف عملية التبريد هذه، فترتفع درجة حرارة الجسم إلى درجات قد تتسبب في انخفاض ضغط الدم، ثم تبدأ أجهزة الجسم في التداعي شيئًا فشيئًا لتصل، في أسوأ الظروف،  إلى الموت.

      

       

تأثير الموجات الحارة على الصحة يمتد لما هو أبعد من ذلك، وكانت دراسة أخيرة قد جمعت بيانات درجة الحرارة القصوى، في ولاية مينوسوتا الأميركية، وقارنتها بالوفيات في المدينة بين عامي 1998 و 2014، وزيارات قسم الطوارئ من عام 2005 إلى عام 2014، لتجد9 علاقة بين الاثنين، واتضح أن السكّان المعرضين للخطر يتأثرون بشكل مختلف تبعا لظروفهم الصحية، فمثلًا يرتفع خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية أو أمراض الجهاز التنفسي في فصل الشتاء، أو على إثر الموجات الباردة، والتي تعد تطرفًا مناخيًا آخر، أما أمراض الكلى فترتفع وتيرتها بارتفاع درجات الحرارة.

  

ضربات في العمق

أضف لذلك أن الارتفاع الشديد في درجات الحرارة يُسهم مباشرة في حدوث الوفيات التي تنجم عن الأمراض القلبية الوعائية والأمراض التنفسية. فمثلًا، تم تسجيل أكثر من 70000 حالة وفاة إضافية أثناء موجة الحر التي حدثت في صيف عام 2003 في قارة أوروبا، وحسب نص10 التصريحات الرسمية لمنظمة لمنظمة الصحة العالمية، فمن المتوقع أن يتسبب تغير المناخ في الفترة ما بين عام 2030 و2050 في نحو 250000 وفاة إضافية سنوياً من جراء سوء التغذية والملاريا والإسهال والإجهاد الحراري، وسوف تبلغ تكاليف الأضرار المباشرة لهذا التغير على الصحة العامة ما بين 2-4 مليارات سنويا بحلول عام 2030، علمًا بأن الأماكن ذات البُنى التحتية الصحية الضعيفة، ومعظمها في البلدان النامية، ستكون الأقل قدرة على التحمل ما لم تحصل على المساعدة اللازمة للتأهب والاستجابة لتلك الكوارث المناخية.

   

وبمد الخطوط على استقامتها نجد أن ارتفاع تردد وقسوة الموجات الحارة الشديدة يؤثر بالفعل في دائرة واسعة تشمل كل شيء تقريبًا، فمثلًا يضرب التغير المناخي بعمق في التنوع الحيوي في كوكب الأرض، ما قد يتسبب في نقص واضح بكميات المحاصيل الزراعية الأساسية، إلى جانب أنه يرفع عن البشر غطاءهم البيئي الذي يحميهم من الانقراض، ما دفع بعدد ليس بقليل من العلماء للتأكيد أننا نعيش بالفعل انقراضًا سادسًا عظيمًا (في تلك النقطة يمكن لك مراجعة تقرير سابق للكاتب بعنوان: شبح النهاية.. كيف يسهم تراجع "التنوع الحيوي" في دمارنا؟)11.

  

من جهة أخرى فإن هناك جانبًا بحثيًا يشير إلى ارتباط واضح بين التغير المناخي، خاصة ارتفاع قسوة الموجات الحارة، وانتشار العنف12 في العديد من الدول، إما عبر رابط مباشر بين ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع مقابل في السلوك الغاضب، وهو غير مؤكد بعد، أو عبر ارتباط غير مباشر بين التغير المناخي واضطراب الموارد الأساسية التي يعتمد عليها الإنسان، كالمحاصيل الزراعية، أو كميات الأسماك، أو كميات المياة المتاحة، ما يتسبب بالضرورة في صراعات مسلحة محلية ودولية حول مصادرها التي تصبح أكثر ندرة يومًا بعد يوم.

       

   

بذلك يؤثر ارتفاع تردد وقسوة الموجات الحارة على اقتصاد الدول بصورة فجة، بداية من الآثار الرئيسية المتعلقة بالأمن الغذائي والأمن الوطني، وصولًا إلى التأثيرات المباشرة على المياه والكهرباء، دعنا مثلًا نتأمل ارتفاع درجات الحرارة في إيران خلال الأسبوع الفائت13، حيث سجلت بعض المناطق بها ما يقترب من 53 درجة مئوية، أثر ذلك بشكل مباشر على استهلاك المياة والكهرباء بالبلاد، ما أدى إلى انقطاعهما، حيث يسحب ارتفاع درجات الحرارة من الكهرباء ما يقابل 150 – 200 ميجا وات مقابل كل درجة حرارة زائدة، وكانت إيران قد سجلت في 2 يوليو الفائت سحب للطاقة الكهربائية قيمته 56672 ميجا وات، وهو رقم تاريخي !

   

هل انتهى كل شيء ؟!

بوصولنا إلى هذا الحد من حديثنا، ربما تكون الصورة قد ازدادت قتامة في مخيلتك، ويمكن القول أن الواقع – للأسف – أسوأ من ذلك، ويشمل أثر التغير المناخي نطاقات ربما لم تكن لتتصور وجودها، فالمشكلة الرئيسية التي تواجهنا مع البحث العلمي الخاص التغير المناخي هو أن تلك الأنظمة المعقدة لا يمكن بسهولة توقع مستقبلها، في كل مرة تنكسر توقعاتنا أمام الواقع الأكثر قسوة، بل وكانت دراسة أخيرة، نشرت فقط قبل عدة أيام في دورية نيتشر14 الأكثر شهرة، قد أشارت إلى أن معدلات تسارع حدوث التغير المناخي هي ضعف ما كنّا نتصوره.

 

ما يعني أن الحديث عن ارتفاع في متوسط درجة حرارة الكوكب بمقدار درجة ونصف لن يكون حدًا أقصى لتوقعاتنا، أو النماذج التي يقوم العلماء ببنائها من أجل وضع تصورات عن مستقبل الأرض، بل أصبح ضروريًا أن نضع في توقعاتنا حاجز الدرجتين، وربما ثلاثة درجات، كشيء قد يحدث في، ربما، أقل من نصف الوقت الذي كان متوقعًا أن يحدث ذلك عنده، وهو ما يعطينا وقتًا أقل لحل كل تلك المشكلات، ويضيف قيمًا جديدة لتسارع حدوث الحالات الشاذة كالموجات الحارة والباردة.

      

  

لكن على الرغم من ذلك، ورغم فداحة ما يحدث، وكل الخطوط الحمراء التي تجاوزتها التغيرات المناخية بسهولة سنة بعد الأخرى، إلا أنه لازال بإمكان البشر – على الأقل – الحد من تسارع آثار التغير المناخي، عبر سن سياسات جديدة تحد من نفث الغازات الدفيئة بالغلاف الجوي، وهو ما يرجح15 97% من البحث العلمي الخاص بالمناخ أنه السبب الرئيس القوي لتسارع التغير المناخي الحالي.

   

والمشكلة التي نواجهها الآن، كبشر، سياسية بالأساس، فبعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس يبقى التخبط قائما، حتّى إن جيمس هانسن16 (James Hansen) الفيزيائي السابق من وكالة ناسا وصاحب اللقب الشهير "أبو التوعية بالتغير المناخي" (father of climate change awareness) قد صرح قبل عدة أشهر بأنه لا حل مباشر إلا بمقاضاة الشركات الكبرى المسؤولة عن بث ثاني أكسيد الكربون في غلافنا الجوّي، حيث -صدق أو لا تصدق- إن هناك مئة شركة فقط في العالم هي المسؤولة عن بث 71% من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

 

لا نعرف، في الحقيقة، إن كان الأمر سيتوقف عند هذا الحد أم لا، يخبرنا هذا النطاق البحثي أن القادم أسوأ بفارق شاسع، ولا نلاحظ أية تغيرات إضافية في توجهات السياسة العالمية تجاه تلك القضايا، ويرفع من قلقنا، هنا في الوطن العربي، أننا قريبين من خط الإستواء، لذلك فبلادنا موضوعة لا شك على قائمة أول وأكثر المناطق تلقيًا لضربات التغيرات المناخية القاسية، كالموجات الحارة، وما يدعو للتأمل حقًا، والتساؤل، هو أن دول العالم النامي – تلك التي تسهم بقدر يسير فقط في نفث الغازات الدفيئة بالغلاف الجوي – هي الأكثر تضررًا، أما تلك التي تلوث الهواء، فسوف تتلقى أضعف الضربات! 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار