اغلاق
آخر تحديث: 2018/8/2 الساعة 15:57 (مكة المكرمة) الموافق 1439/11/21 هـ

انضم إلينا
إدراكك أبطأ مما تتوقع.. هل يعيش دماغك في الماضي؟

إدراكك أبطأ مما تتوقع.. هل يعيش دماغك في الماضي؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

في مايو/أيار 2012، بينما كان يلعب بدورة بوزان للمحترفين في كرة التنس الأرضي، سجّل اللاعب الأسترالي الشهير صامويل جروث1 رقما قياسيا جديدا لم يستطع أحد كسره إلى اليوم، حيث أطلق إرساله في إحدى الضربات بسرعة 263 كيلومترا في الساعة، ما يعني أنه في ثُلث ثانية فقط يمكن لكرة جروث تلك أن تقطع ملعب كرة التنس الأرضي كاملا، وهي سرعة مهولة بالنسبة لسيارة على الطريق السريع مثلا، وكذلك بالنسبة للدماغ البشري، لنتأمل معا تلك الحكاية الغريبة.

 

نحن نعرف أن السرعة التي تجري بها الإشارات الكهروكيميائية في أجسامنا هي نحو2 430 كيلومترا في الساعة، ما يترك لنا نحو عُشر الثانية لإتمام عملية إدراكية كالرؤية، بمعنى أنه لكي تدرك وجود شيء ما أمامك، تلك الجملة التي تقرأها الآن مثلا، يحتاج الأمر على الأقل إلى عُشر ثانية كي تتمكن الخلايا العصبية المستقبلة للإشارات الضوئية أن تكوّن صورة للجملة وتنقلها إلى مناطق إدراكها بالدماغ، لكن المشكلة هنا هي أنه، في أثناء المباراة، لكي يدرك خصم جروث أن هناك كرة إرسال قادمة تجاهه يحتاج هو الآخر إلى مدة عُشر ثانية كي يدرك ذلك، لكن في تلك المدة القصيرة، بحسبة بسيطة، نجد أن الكرة ستكون قد قطعت مسافة 7 أمتار كاملة، ما يعني أنها ستكون قد وصلت إليه قبل أن يدرك وجودها، كيف إذن يستطيع صدها؟!

    

صامويل جروث (رويترز)

 

كرات التنس السريعة

لفهم إجابة ذلك السؤال دعنا نتأمل قليلا ما نسميه باختبار المارشميللو3، والفكرة ببساطة هي أن تستضيف مجموعة من الأطفال، كلٌّ على حدة، في غرفة مغلقة، ثم تقدم له قطعة مارشميللو في طبق، وتخبره أنه بإمكانه أكلها الآن، أو الانتظار لعدة ساعات وعندها سوف يحصل على قطعتين بدلا من واحدة، هنا تقول بعض النتائج إنه كلما كان الطفل أكثر صبرا، كان أكثر نجاحا في المستقبل، ذلك لأن تأخير الإشباع يساعد الواحد منّا على وضع خطط أفضل للمستقبل، لكن ذلك بدوره يحيلنا إلى نقطة أخرى مهمة.

  

حيث يقف الإنسان على مسافة واسعة من أقرب منافسيه بمملكة الحياة في القدرة على السفر عبر الزمن، ولا نقصد هنا القدرة الفعلية على السفر عبر الزمن، ولكن قدرة دماغه على الغوص في أحداث مضت والتعلم منها من أجل التخطيط للمستقبل، لكن هذا التخطيط لا يشتمل فقط القدرة على التوفير من أجل رحلة مستقبلية إلى مدينة شرم الشيخ المصرية، أو التجهيز لحفل التخرج، بل هو جزء رئيس من تركيب الدماغ البشري، لفهم ذلك اذهب الآن إلى أقرب مرآة، ثم انظر قليلا إلى عينك اليسرى في المرآة، بعد ذلك انقل نظرك إلى العين اليمنى، ثم اليسرى من جديد، ثم اليمنى، واستمر هكذا قليلا، ثم أجب عن السؤال التالي: هل لاحظت حركة عينيك لليمين واليسار؟

  

بالطبع لا4، في الحقيقة لو كررت التجربة نفسها ولكن بأن تطلب من أحد أصدقائك أن يحرك عينيه ناظرا إلى عينيك اليمنى ثم اليسرى فإنك ستلاحظ حركة عينيه بسهولة، كذلك فإنه سوف يلاحظ حركة عينيك، لكن بالنسبة لك أنت، حينما تنظر إلى المرآة، فإن هناك ما يشبه البقعة العمياء في اللحظة التي تنقل فيها عينيك من اليمين إلى اليسار، هذه البقعة يغطيها عقلك، يربط بين ما يعرف في الماضي، وما يمكن أن يحدث في المستقبل، ثم يكوّن صورة واحدة تبدو لك كأنها "الآن" الذي تعرفه، لكن في الحقيقة فإن ما تراه الآن هو صورة مرقّعة تتجمع فيها اللحظات من الماضي والمستقبل المتوقع معا.

   

في تلك النقطة نصل إلى صامويل جروث مرة أخرى، فرغم أن ضربته تتخطى سرعتها حاجز الـ 263 كيلومترا في الساعة وسوف تصل إلى المتلقي قبل أن يدرك ذلك، لكن دماغنا البشري يعرف أن هناك فاصلا بين الحدث وإدراكه، لذلك فإن هذا اللاعب في الجهة المقابلة من ملعب التنس سوف يقفز، فعليا، قبل وصول الكرة إليه بإيعاز من دماغه، ليضربها، ليس في موقعها، ولكن في الموقع المتوقع أن تصل إليه بعد عُشر ثانية، إن دماغنا لا يعرف "الحاضر" بالمعنى المفهوم، لكنه قد تطور ليخدم توقعاته عما نسميه الحاضر، وحينما تفشل توقعاتنا فإن إدراكنا يهتز، الآن لنتعامل مع مشكلة الذبابات!

    

    

ذبابات وساعات متوقفة

تأمل مثلا الذبابة المنزلية5، إنها إحدى مشكلاتنا المعقدة، فرغم أن سرعتها صغيرة جدا (فقط نحو عشرة كيلومترات في الساعة) مقارنة بسرعة الكرات في لعبة التنس، فإنه من الصعب جدا أن تضربها إن أردت ذلك، وهذا لأنها تسير بشكل يبدو لنا عشوائيا تماما، إن قدرات دماغنا مبنية على توقع المستقبل، وحينما تحاول ضرب الذبابة المنزلية فأنت تضرب توقعاتك عن موضعها بعد نحو عُشر ثانية، ما يعني أنك تضرب مكانا لا توجد الذبابة فيه، في الحقيقة نحن نواجه مشكلة رئيسية مع هذا الاصطلاح الذي نسميه "الحاضر"، دعنا نغوص قليلا خلف تلك الفكرة.

    

من جهة أخرى، وفي مقال شهير6 بعنوان "زمن الدماغ"، يشرح ديفيد إيجلمان، أستاذ علم الأعصاب بجامعة رايس، ومقدم العلوم العصبية الشهير، أن الأنواع المختلفة من المعلومات الحسية (السمعية، واللمسية، والبصرية، إلخ) تتم معالجتها بسرعات مختلفة بواسطة بنى عصبية مختلفة في الدماغ، لكن كيف يمكن للدماغ أن يصنع صورة موحدة عن العالم الخارجي؟ هنا يستجيب الدماغ بسرعة شديدة لأقرب المؤثرات، لكننا في الحقيقة لا ندرك ذلك، لا ندرك أن أدمغتنا قد استجابت للمؤثر اللوني مثلا قبل المؤثرات الأخرى، وذلك لأن الدماغ الخاص بنا بعد الاستجابة للمؤثر، وخلال فترة 80 مللي ثانية يعود بالزمن للخلف، في الذاكرة، ويعيد تركيب الصورة من جديد بشكلها المتكامل، فتظن أن ذلك هو ما حدث، يعني ذلك أن أدمغتنا تعيش في الماضي، سواء باستجاباتها المتأخرة للمؤثرات، أو بالعودة، لوهلة قصيرة جدا، في الزمن لتعديل الأحداث!

   

ما يحدث إذن هو أنه لكي نستطيع بناء الواقع الذي نتعامل معه كل يوم، وفي تلك الفواصل العمياء التي لا يمتلك الدماغ أي معلومات خلالها، كالتنقل بعينيك سريعا بين عينيك في المرآة، أو بين مناطق وجه شخص ما تنظر إلى صورته، وتسمى تلك بحركة العين الرمشية أو السكّادية (Saccade)، وهي فترة صغيرة جدا لا يتلقى الدماغ خلالها أي بيانات، فإن دماغك، اعتمادا على معلوماته عن الماضي وتوقعاته للمستقبل، يمسك بخيط خاص جدا ويربط بين رقعتي الماضي والمستقبل، فيصبح المشهد أمامك كاملا.

     

    

وتعد أحد أشهر الأخطاء الإدراكية دلالة على عملية الترقيع التي يقوم بها الدماغ هي ما نسميه بوهم الساعة المتوقفة7 (Stopped clock illusion)، هل تتذكر أنك نظرت من قبل إلى ساعة ذات عقرب ثوان؟ بالتأكيد حدث ذلك مرة ما، وربما كنت تستغرب دائما أنه في اللحظة التي تنظر فيها إلى عقرب الثواني، فقط في تلك اللحظة، يبدو أن تلك النقلة، أو تلك الثانية الأولى لحظة نظرك إلى الساعة كانت أطول من التالية لها، السبب هنا هو أن دماغك قد ضمّن في طول تلك الثانية، إدراكيا، الوقت الذي كلّفه لكي يربط بين المشهدين الواقعين قبل وبعد نقل عينيك إلى الساعة، فبدت تلك الثانية تحديدا وكأنها أطول من غيرها!

  

في الحقيقة يتبدى ذلك واضحا في توهم زمني آخر نعرفه باسم "تأثير كابّا"8 (Kappa Effect) ينشأ عندما يحكم الناس على الوقت المنقضي بين المثيرات الحسية عبر تصور المسافة بينها، لنفترض مثلا أن هناك ثلاث ومضات من الضوء سوف تنبض أمامك بفارق زمني واحد بين كل منها، لكن تلك الومضات سوف تنبض على مسافات مختلفة، لتكن الأولى أقصى اليسار، ثم الثانية بعدها بالفترة الزمنية نفسها إلى اليمين مسافة 10 سنتيمترات، ثم الثالثة إلى اليمين أكثر مسافة 30 سنتيمترا من الثانية، وسوف تنبض بعدها بالفترة الزمنية نفسها.

    

    

الدماغ المسافر عبر الزمن!

هنا يستجيب دماغك بشكل مختلف لتلك الومضات، فرغم أن الفارق الزمني بينها واحد، فإنك ستميل إلى تقدير الزمن الفاصل بين الثانية والثالثة على أنه أطول، والسبب هو أنه بعد الومضة الثانية يكون دماغك قد توقع أن تضرب الثالثة على المسافة نفسها من الثانية، فتبني المستقبل على توقعاتك عنه، لكن حينما تضرب تلك الومضة على مسافة أطول يتوقع دماغك أنها قد سافرت مسافة أطول زمانيا ومكانيا معا، ما يدفعك إلى تصور أن وقتا أطول قد مر بين الثانية والثالثة، إنه بالضبط ما يحدث حينما ترى شيئا ما يجري بسرعة شديدة، ما تراه بالفعل ليس صورة مستمرة متصلة لفهد يجري في الغابة، ولكنه عبارة عن مشاهد متقطعة بسبب وجود فجوة إدراكية بين تحركات عينيك مع الفهد، هذه الفجوة يسدها الدماغ بناء على توقعاته عن سرعة الفهد، فيحسب سرعته ويتصور أنه سيكون هنا بعد عُشر ثانية، وهناك بعد عُشر آخر، إلخ.

  

ربما تكون تلك العلاقة الحرجة بين المكان والزمن هي السبب9 في أننا نستخدم -في اللغة الخاصة بنا- تعابير مكانية للدلالة على الزمن، فنقول مثلا إن "الشتاء على الأبواب" وقد "دخل وقت الصلاة" و"لم أستطع اللحاق بالموعد"، في اللغة الإنجليزية مثلا هناك طريقتان متساويتان في الأهمية في التعبير عن حدث في الزمن، فيمكن أن أقول: (I am approaching deadline)؛ أي "أنا أذهب ناحية موعد التسليم النهائي"، ويمكن أن أقول: (deadline is coming)؛ أي "موعد التسليم قادم ناحيتي"، دعنا الآن نقوم بتجربة10 شهيرة، سوف نُخضع مجموعتين من الناس للاختبار، المجموعة الأولى تجلس في مكانها ثم يشاهدون شيئا ما، وجبة ماكدونالدز ضخمة مثلا، تقترب منهم، والمجموعة الأخرى سوف تتقدم مقاعدهم بطريقة آلية نحو الوجبة، في أثناء ذلك سوف نسألهم عما تعنيه جملة: "Next Tuesday meeting has been moved forward two days" (اجتماع يوم الأربعاء القادم قد تقدم يومين).

  

هنا سنلاحظ أن غالبية المجموعة الثابتة ستجيب بأن ذلك يعني أن الموعد أصبح يوم الاثنين، والمجموعة التي تتحرك نحو الوجبة الأخرى سوف تجيب أن الموعد تقدم من الأربعاء إلى الجمعة، فقط لأن إدراكهم للزمن مختلف، فأصحاب إجابة "الاثنين" يتصورون أن الأحداث هي ما يتحرك ناحيتهم في الزمن؛ لذلك فالموعد سيتقدم ناحيتهم من الأربعاء للاثنين، أما غالبية المجموعة التي ترى الزمن ثابتا بينما هم من يتحركون فيه فسوف تكون إجاباتهم بـ"الجمعة"، لأن الحدث سوف يسير في اتجاه سيرهم خطوتين للأمام.

     

    

في تقرير سابق بعنوان11 "الأوقات السيئة والخطيرة تمر ببطء شديد؟ إليك الأسباب العلمية" تأملنا علاقة غاية في الغرابة بين إدراكنا للزمن وذاكرتنا، كان ذلك فقط هو أحد الجوانب التي تعرض للمشكلة الكبرى، والتي تتضمن، ليس فقط إدراكنا للزمن، ولكن للواقع المحيط بنا ككل، لنسأل في النهاية عن هذا العالم نفسه، هل نحن من يصنعه؟ نحن نقوم بترقيعه وربط أحداثه والفواصل الزمانية بينها ونجمع بين معلومات من الماضي وتوقعات عن المستقبل لسد البقع العمياء في إدراكنا لوضع هذا العالم -في النهاية- في صورة يمكن لنا التعامل معها، الآن يجب أن نسأل: ما الذي يوجد هناك في الخارج؟

  

قال محمد بن إدريس الشافعي، ثالث الأئمة الأربعة، ذات مرة في إحدى قصائده:12 "نعيب زماننا والعيب فينا .. وما لزماننا عيبٌ سوانا"، بالطبع كان الشافعي يقصد أن المشكلة هي أننا نلقي بأسباب فشلنا على الزمان (غدر الزمان بالتعبير الشعبي المصري مثلا)، ولكنه بريء منّا، فالذئب لا يأكل لحم أخيه ونحن قد نفعل ذلك، لكن يمكن لنا أيضا أن نُسقط ذلك البيت من الشعر على إدراكنا للزمن، فنحن لا نكوّن صورا كاملة واضحة عن الواقع الذي نعيش فيه، لكنها صورة يصنعها دماغنا لكي نتمكن من التكيف مع أي كان ما يوجد هناك في الخارج، ولذلك فإن الأوهام الإدراكية تحاصرنا من كل مكان، ليست المشكلة في الزمن نفسه، ولكن في إدراكنا نحن له، نحن البشر لا نعيش في الحاضر، لا يوجد ما يمكن أن نسمّيه بـ "الحاضر"، هذا وحده كفيل بفتح محيط واسع من الأسئلة!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار