اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/27 الساعة 14:30 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/18 هـ

انضم إلينا
اكتشاف جديد في علم الفلك موجود بأجسادنا!

اكتشاف جديد في علم الفلك موجود بأجسادنا!

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

تنتشر "النيوترينوات" -وهي كلمة إيطالية تعني "الصغير المحايد"- في كل مكان. ظهرت بعد فترة وجيزة من الانفجار الكبير، ثم من الثقوب السوداء والنجوم المتفجرة والتفاعل النووي الذي يغذي شمسنا وحتى من التفاعل بين الإشعاع الكوني وجو الأرض. تمتلك الجسيمات الدقيقة كتلة قليلة جداً -لا يعرف أحد كم تماماً- ولا تلتزم بالقواعد نفسها مثل الجسيمات الأخرى التي نحن أكثر دراية بها. فعلى عكس الإلكترونات، تفتقر النيوترينوات إلى وجود شحنة كهربائية، وبالتالي فإن القوى الكهرومغناطيسية المعتادة في الفضاء التي تصطدم بالجسيمات الأخرى وتشحنها ليس لها أي تأثير عليها. تتجول النيوترينوات بحرية في الفضاء، وتنطلق بسرعة عبر مسافات كبيرة بسرعة تقارب سرعة الضوء دون إبطاء أو تغيير الاتجاه. يمرون عبر الكواكب والنجوم والمجرات كلها بطريقة غير محسوسة. وصفها الفيزيائي فريدريك راينس -وهو الذي اكتشف النيوترينو عام 1956- بأنها: "أكبر كم صغير الحجم قد يتخيله الإنسان على الإطلاق".

 

 لقد أمضى العلماء عقوداً في تصميم تجارب اختبار للكشف عن الجسيمات المراوغة، وخاصة النوع ذا الطاقة العالية والذي ينشأ من مصادر غامضة في أعماق الكون. قبل خمس سنوات، تمكن مرصد بالقرب من القطب الجنوبي في القارة القطبية الجنوبية من الكشف لأول مرة عن نيوترينوات من خارج نظامنا الشمسي. لم يتمكنوا من معرفة من أين جاءوا، رغم أن الجسيمات تنطلق نحو الأرض من اتجاهات عشوائية عبر السماء. في نهاية المطاف، كان مجرد اكتشاف هذه الأشياء انجازاً علمياً هائلاً. بذل العلماء جهدهم وانتظروا للعثور على المزيد.

 

يكتشف المرصد المعروف باسم "آيس كيوب" (IceCube) عدة مئات من النيوترونات كل يوم، ولكن هذه يتم إنتاجها بالقرب من كوكب الأرض. في الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر 2017، التقط الجهاز شيئاً غير عادي: نيترينو يختلف عن البقية. كان لديه طاقة أكبر بكثير من غيره، مما يشير إلى أنه جاء من مكان آخر خارج النظام الشمسي.

   

  

الآن، اكتشف الفلكيون من أين جاء هذا النيوترينو بالضبط. لقد تتبع فريق دولي من علماء الفلك هذا النيوترينو الكوني ذي الطاقة العالية إلى ثقب أسود فائق الكتلة في مركز مجرة تبعد حوالي 4 مليار سنة ضوئية. ويمثل هذا الاكتشاف -الذي تم الإعلان عنه يوم الخميس ونُشِر في مجلة ساينس (Science) العلمية- أول اكتشاف على الإطلاق لأصل النيوترينوات الكونية.

 

تبدأ قصة هذا الاكتشاف قبل مليارات السنين عندما بدأت الأرض في التبلور. في زاوية أخرى من الكون، تكوّن ثقب أسود عملاق في قلب مجرة متلألئة. تحب الثقوب السوداء أن تلتهم كل ما يقترب منها، ولكنها جيدة أيضاً في بث المادة، مما يخلق تدفقات عالية الطاقة تضيء الظلام. أطلق الثقب الأسود جسيمات نفاثة -بما في ذلك النيوترينوات- وأرسلها عبر الفضاء. انتقالاً إلى العام الماضي وأحد هذه النيوترينوات وصل في النهاية إلى الأرض. مر عبر الكوكب كما لو كان أي شيء آخر، لكنه لم يمر مرور الكرام. كان العلماء على استعداد له. كان العلماء قد حفروا أكثر من ثمانين حفرة ضيقة في جليد القارة القطبية الجنوبية الكثيف، وتمتد كل حفرة على عمق حوالي 8200 قدم. في الثقوب تم وضع أكثر من 5000 أجهزة استشعار ضوئية داخل الحفر. علم العلماء أن النيوترينوات لا تحكمها قوى كهرمغنطيسية، ولكنها في حالات نادرة تتفاعل مع نواة الذرة. ويولد هذا التفاعل نوعاً جديداً من الجسيمات، وينتج عن هذا الجسيم وميضاً صغيراً من الضوء الذي يمكن لأجهزة الاستشعار تحت الأرض اكتشافه.

 

هذا ما حدث في القطب الجنوبي. عندما ضرب النيوترينو الجليد وواصل بطريقه، سجل مرصد "آيس كيوب" بريق مروره. لقد أطلق الفلكيون في مرصد آيس كيوب جرس الإنذار في غضون دقائق، مما حفّز زملائهم في جميع أنحاء العالم على المشاهدة. دلّهم وميض الضوء الذي اكتشفوه بالاتجاه الذي جاء منه النيوترينو. بثّوا هذه الإحداثيات إلى أقرانهم الفلكيين حول العالم، الذين صوّبوا بدورهم التلسكوبات نحو الجزء المنشود من السماء، وقاموا بمسحها بدقة في كل موجة على الطيف الكهرومغناطيسي. وفي الوقت نفسه، راجع فريق آيس كيوب مشاهدات تلسكوب أرشيفية للمنطقة. ووجدوا أكثر من 600 مرشح محتمل لمصدر النيوترينو.
      

 

بعد إجراء تحليلات لا تعد ولا تحصى، بقي مرشح واحد فقط قائماً: نوع خاص من المجرات يسمى "بلازار" (blazar) أو "نجم زائف متوهج". تحتوي النجوم الزائفة المتوهجة "البلازارز" على ثقوب سوداء عملاقة التي تطلق جسيمات عالية الطاقة نحو الأرض مباشرة. هذا النجم الزائف المتوهج  -والمعروف باسم "TXS 0506+056"- يقع في كوكبة الجبار (the constellation Orion)، وهي كوكبة مرئية في سماء الليل في جميع أنحاء العالم.

    

عندما قام فريق آيس كيوب بتصنيف بياناتهم القديمة، وجدوا أن ما لا يقل عن اثني عشر نيوترينو آخر أقل نشاطاً كان منشأهم هذه المنطقة البعيدة حيث تم العثور عليهم في أواخر عام 2014 إلى أوائل عام 2015. وقد دعمت البيانات من التلسكوبات الأخرى اكتشافهم؛ اكتشف أحد التلسكوبات الفضائيّة في وكالة ناسا "فيرمي" (Fermi) توهجاً من أشعة غاما عالية الطاقة والتي بدا أنها آتية من البلازار وتبعت مساراً مشابهاً للنيوترينو. وكذلك فعل مرصد آخر، يُعرف باسم "ماجيك" (MAGIC) وهو اختصار لـ "تلسكوبات شيرينكوف الرئيسية لتصوير الغلاف الجوي بأشعة غاما"، ومقره جزر الكناري. ويأتي هذا الاكتشاف بعد قرن تقريباً من وصف عالم الفيزياء النمساوي فيكتور هيس للإشعاع الكوني، والذي افترض أن الجسيمات عالية الطاقة يمكن أن تنشأ من خارج النظام الشمسي.

 

لقد أعلن علماء الفلك عن هذا الاكتشاف بداية لفصل جديد في علم الفلك، سيسمح لهم بفهم النيوترينوات بشكل أفضل، وهي رسل صغيرة من جميع أنحاء الكون. إذا كان مفهوم النيوترينو ومفهوم النجم الزائف المتوهج "بلازار"، وغيرها من المخلوقات الفيزيائية الفلكية التي تحمل أسماء غير تقليدية يبدو من الصعب فهمها، فكر في هذا: النيوترينوات في كل مكان وتمر في كل شيء طوال الوقت؛ وهذا يشمل منزلك وجسمك والأغشية التي تحيط بالخلايا التي تكوّنك. حوالي 100 تريليون نيوترينو يمر عبر جسدك كل ثانية ولا يمكنك أن تشعر بها. ولكن قد تشعر ببعض الاستغراب عندما تعرف أنها موجودة هناك وتعبر خلالك في محطات مرور عبر رحلة غير مرئية لا نهاية لها.

__________________________________________

ترجمة: آلاء  أبو رميلة

هذا التقرير مترجم عن: The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار