اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/23 الساعة 15:17 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/5 هـ

انضم إلينا
أرسنال وليفربول.. هيفي ميتال في قاعة الأوبرا

أرسنال وليفربول.. هيفي ميتال في قاعة الأوبرا

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

إذا كنت قد شاهدت المباريات الأربع السابقة بين أرسنال وليفربول فأنت تعلم أن هناك طقوسًا معينة يحافظ عليها كلا المدربين قبل المواجهة، أولها هو قيام فينغر بواحد من تبديلاته العجيبة التي لا يعلم تفسيرها أحد؛ إجلاس أفضل لاعبيه على الدكة بحجة اللجوء للكرات الطويلة مثلًا، (1) أو اللعب بدون مهاجم صريح في مناسبة أخرى، أو الإصرار على الاكتفاء بثنائي في المحور وكأن هناك قانونًا يحتم على تمتع الريدز بالزيادة العددية في الوسط، وكأن مواجهة الألماني هي الفرصة الأمثل لابتكار أسباب جديدة لخسارة النقاط.

 

كان الدور تلك المرة على سعيد كولازيناك الظهير الأيسر المتألق منذ بداية الموسم، فقرر البروفيسور الفرنسي إخراجه من التشكيل الأساسي لحساب ميتلاند نايلز، واضعًا لاعب الوسط الشاب أمام أحد أصعب الأسئلة التي طرحها الريدز منذ بداية الموسم؛ كيف يمكن إيقاف محمد صلاح؟

 

هيفي ميتال
كلوب يخطىء كثيرًا ولكنه نادرًا ما يفعل أمام أرسنال، وسواء كانت المباراة في أنفيلد أو ملعب الإمارات فهو غالبًا ما يختار التشكيل الأنسب. الفارق الوحيد هذه المرة أن الألماني قرر التنازل عن كثافة الوسط طواعية على الورق، وبرباعي هجومي شديد السيولة من صلاح وكوتينيو وفيرمينو وماني على حساب فينالدوم ثالث الوسط المعتاد، جعل من تحديد خطة اللعب مهمة عسيرة للغاية، لأن هجوم الريدز لم يمتلك إلا نقطة ارتكاز واحدة هي وجود صلاح على اليمين باستمرار.

 

لذا أنت لا تحتاج لمن يخبرك أن البدايات لم تكن مفاجئة بدورها؛ فحافظ الريدز على الانطلاقة المباغتة السريعة كالعادة، ونتج عنها الهدف المبكر الذي صار حتميًا في مواجهات الفريقين لأنه تكرر في 4 من 5 مواجهات بين أرسنال فينغر وليفربول كلوب، بل وسبقه المشهد المعتاد في إهدار الفرص وكأنها نسخة مُعادة من مباراة سابقة.

  

تشكيل الفريقين وخطة اللعب والتقييم الرقمي - هوسكورد

 

بالطبع هناك سبب واضح في تفوق ليفربول شبه الدائم على الأقل في البدايات، وهو ما يمكن تلخيصه في تصريح كلوب الشهير عن أوركسترا أرسنال وهيفي ميتال ليفربول، ما يجعل تلك المواجهات صراعًا متكررًا بين بطء التحضير من جانب وسرعته من جانب آخر، بين التحركات المباغتة والتحركات النمطية عديمة الابتكار، بين فريق يبدأ مباراته بالصراخ وآخر يستغرق نصف ساعة على الأقل حتى يبدأ الغناء.

 

نصف ساعة من العزلة

خطة كلوب انقسمت إلى مراحل كما هو الحال في أغلب مباريات الريدز الكبيرة هذا الموسم، أولها هو تحديد أرضية اللعب باستخدام سرعة الرباعي الأمامي وجهدهم الوافر، وهو ما يعني فرض نمط التحولات السريعة على الخصم بالضغط المتوالي وحرمانه من الكرة وبناء الهجمات من الخلف، تستمر تلك المرحلة حتى إحراز الهدف ثم يعود الريدز إلى مناطقهم ليعتمدوا على المرتدات أملًا في زيادة الغلة.

 

تلك الخطة نادرًا ما تفشل مع أرسنال تحديدًا، لكن زادت إصابات المدفعجية من احتمالات نجاحها، فعلى الرغم من فشل تجربة كوتينيو كوسط ثالث في أكثر من مرة، إلا أن حلول ويلشير بديلًا لرامزي الغائب كان عاملًا رئيسًا في الاكتفاء بثنائي محور فقط في مواجهة وسط أرسنال الجديد الذي افتقد لأدنى درجات الانسجام والتفاهم، وعابت تحركاته العشوائية الشديدة وقلت خياراته في التمرير كلما تعرض للضغط من وسط ليفربول وهجومه.

 

الأهم هو أن هيفي ميتال كلوب ذات الايقاع الهيستيري تكفلت بالمرات التي نجح فيها أرسنال في الانتقال لنصف ملعب الريدز، فكان الضغط السريع على سانشيز يجبره على العودة للخلف في كل مرة تقريبًا، ناهيك عن عجز أيوبي وأوزيل المعتاد عن مجاراة هذا النمط من المباريات، لذا ورغم التزام هجوم أرسنال بالارتداد والمساندة الدفاعية في البداية إلا أنه فشل فشلًا ذريعًا في محاولات الخروج السريع للثلث الهجومي، وبدا لاكازيت معزولًا في بحر من الرعونة في نصف ساعة كان أقل من لمس الكرة خلالها (11).

  

دقة التمرير للفريقين في الـ25 دقيقة الأولى التي سبقت الهدف، لاحظ الفارق بين وسط وهجوم ليفربول ونظيره في أرسنال - هوسكورد 

 
النتيجة أن كلوب نال ما أراده في خلال نصف ساعة فقط؛ حول المباراة لسلسلة متتالية من التحولات السريعة التي يجيد فريقه التعامل معها، وبالتالي حصل على النسبة الأكبر من الاستحواذ (57%) والمحاولات والفرص، وبينما لا يحتاج الألماني عادة لأسباب إضافية للتركيز على صلاح، إلا أن وجود نايلز كان مغريًا ليلقي بفيرمينو هو الآخر على عاتق الظهير الشاب ليضعه في موقف 2 على 1 كلما أرسل روبيرتسون أو كوتينيو إحدى عرضياتهم من اليسار، وفي المحاولة الثالثة كان صانع الألعاب البرازيلي يسجل من رأسية تخطت تشيك، وفي هجمة بدأت بالأساس من رمية تماس للريدز في ثلثهم الدفاعي.
 

خريطة فقدان الكرة للفريقين في الـ25 دقيقة الأولى التي سبقت هدف ليفربول الأول، يظهر تركز اللعب جهة يسار أرسنال والعديد من التحولات السريعة للفريقين - هوسكورد

  

أزمة نايلز لم تكن في ملاحقة صلاح أو التصرف بالكرة بل على العكس تمامًا أجاد المدافع الشاب كلما حظي أرسنال بالاستحواذ، المشكلة الحقيقية كانت في احساسه بالمكان وبالتحديد عندما بدأت العرضيات العكسية تتوالى من جهة لأخرى، ورغم أن اللقطة تكررت مرتين قبل هدف كوتينيو إلا أن المحاولات الثلاث - بما فيها الهدف - تركزت في فترة زمنية لم تتعدى الخمس دقائق، وهو وقت أكثر من كافي لتنتهي أغنية كاملة من الهيفي ميتال بينما تكون الأوركسترا في طور الإحماء.

   

محاولات الريدز الثلاث المتتالية للتسجيل من جبهة نايلز - مواقع التواصل

 

نهاية الحفلة

بالطبع يمكنك تخمين ما حدث لاحقًا؛ شرع كلوب في تنفيذ المرحلة الثانية من خطته مانحًا الاستحواذ للمدفعجية بنسبة (63%)، وحتى نهاية الشوط الأول كان مهاجموه قد حظوا بأكبر قدر من المحاولات منذ بداية المباراة مع اتساع المساحات خلف خطوط أرسنال، وخاصة مع الارتداد الدفاعي الكارثي لوسطه تحديدًا في أغلب المرات.

 

بدأ فينغر شوطه الثاني بتعديل في خط دفاعه، لا ليس التعديل الذي توقعته، بل أبقى الرجل على نايلز في موقعه وخرج مونريال لحساب مصطفى بدلًا من أن يعود لموقعه الأصلي كظهير أيسر وينهي مهزلة الشوط الأول، وبعدها بخمس دقائق كان صلاح يخطف اللقطة الوحيدة المضيئة من مباراته بتسديدة سيئة ارتطمت بقدم المدافع الألماني لتتحول في شباك تشيك مرة أخرى، بعد أن صنع الهدف الأول لكوتينيو بنفس الكيفية وعن طريق ارتطام آخر بقدم كوسيلني.

 

بعد نهاية الحفلة، قرر ليفربول كلوب التصرف كأي فريق هيفي ميتال يحترم نفسه ودخل الجميع في نوبة من التدمير الذاتي انتهت بتحطيم المسرح بأكمله، وتحولت معها الموسيقى الصاخبة إلى ضوضاء مزعجة غير منتظمة، تزامنت مع وصول أوركسترا أرسنال للحظة الذروة بعد أن تخلى عازفوه عن ملل البدايات ورتابتها.

 

فحتى تلك اللحظة لم يكن أرسنال قد حظي بتسديدته الأولى على المرمى بعد مقابل 6 للريدز  وعدة فرص محققة للتسجيل، ولكن نجح المدفعجية في التسجيل من أول هجمة جماعية منظمة انتهت بصناعة بييرين للهدف وقيام سانشيز بتسجيله من خطأ غير معتاد لغوميز، والمثير أن الأول والثاني كانا من أسوأ لاعبي الفريقين قبل هذه اللقطة بينما كان الثالث من أفضلهم.

 

ما حدث هو أن هدف صلاح قد أدى نفس الدور الذي أداه هدف لينغارد الثاني في مباراة اليونايتد، فحرر لاعبي أرسنال من الضغط النفسي باعتبار أنه يستحيل خسارة نفس المباراة مرتين، وبالمثل حرر لاعبي ليفربول من الحاجة للضغط باعتبار أنه لا يمكن الفوز بنفس المباراة مرتين، والنتيجة أن أرسنال كرر نفس ما فعله في مباراة اليونايتد، لكن بفاعلية أكبر ولفترة زمنية أقل، وقبل أن يستعيد الريدز توازنهم كان مينيوليه يؤدي دوره في حفلة التدمير ويخطىء تسديدة تشاكا معلنًا عن الهدف الثاني، والذي عقبه لقطة كارثية في الارتداد من وسط الريدز - وتحديدًا تشان - قادت أوزيل للثالث، وكما بدأت أغنية الهيفي ميتال سريعًا وانتهت سريعًا في خمس دقائق، كذلك بدأت ذروة أوركسترا أرسنال وانتهت في نفس المدة تقريبًا.

 

توالت التغييرات من الجانبين في حالة من اختلال التوازن، ساد خلالها الصمت أثناء محاولة الفريقين لالتقاط الأنفاس بعد أن حظي كل منهم بنوبته الهيستيرية من التهديف؛ فاشترك ويلبيك أملًا في اختصار العملية الهجومية في الكرات الطويلة، ودخل تشامبرلين وفينالدوم على حساب كوتينيو وماني لاستعادة السيطرة على الوسط، وبعد ربع ساعة كان تشان يصحح خطأه بتمريرة مباشرة لفيرمينو في العمق عقبها تسديدة أخرى سيئة ارتطمت بتشيك وسكنت المرمى، وكأنه اليوم العالمي لأهداف الصدفة.

 

كما قال فينغر عقب اللقاء فإن تلك المباراة هي ما "يحب الجميع أن يراه في البريميرليغ"، (2) ولكن قراءة ما بين السطور أثبتت أنها عبرت عن أعمق المشاكل في شخصية الفريقين هذا الموسم، والتي قد تظل الحائل الأول أمام منافستهما على اللقب في المواسم القادمة، فمن جهة لا يبدو أن أي عدد من الصفقات سيعالج سوء تعامل أرسنال مع الضغط بنوعيه النفسي والبدني، ومن جهة أخرى لا يبدو أن ليفربول كلوب سيكف عن سلخ الشاه قبل ذبحها حتى لو خسر بعد تقدم بعشرة أهداف.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار