اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/24 الساعة 14:25 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/1 هـ

انضم إلينا
عرض نيمار الذي لا يمكن رفضه

عرض نيمار الذي لا يمكن رفضه

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
لسبب ما صار من الصعب تذكر عمر روبينيو، أي نجوم زاملهم وأي مونديال شارك فيه، وتحولت مسيرته لعدد من اللقطات بلا رابط بينها من أي نوع. غالبًا أنت لا تعلم أي نادي يلعب له روبينيو الآن، بل ربما لا تعلم إذا كان لا يزال يلعب من الأصل.

 

نادٍ ما في البرازيل، هذا هو مصير لاعب كان يذكر في جملة واحدة مع ميسي ورونالدو كأبرز المواهب الصاعدة في العالم، وهي إجابة معبرة للغاية لأن روبينيو نفسه لم يكن يعلم أي ناد انتقل له من ريال مدريد في 2008، وخرج على الصحافة وقتها ليقول إن تشلسي قدم عرضًا لا يمكن رفضه وكان عليه أن يوافق، فسأله المراسل ما إذا كان يقصد مانشستر سيتي فأجاب؛ "عذرًا، مانشستر سيتي.. طبعًا!"(1).

 

صدق أو لا تصدق، لم يمر على رحيل روبينيو من ريال مدريد إلا تسعة أعوام فقط، وقبلها بثلاثة مواسم تم تقديمه في البرنابيو، في الواقع روبينيو كان لا يزال على ذمة الميلان منذ عامين فقط، ولقد أتم عامه الثالث والثلاثين منذ عدة أشهر، تلك هي إجابة السؤال؛ 33 عامًا فقط هي عمر لاعب يبدو وكأنه اعتزل منذ قرون(2).

 

أقدم قصة في الكتاب

رغم تفاصيلها الكثيرة فالقصة لم تكن معقدة أبدًا، فلاعبو أميركا اللاتينية أبسط من غيرهم وكثيرًا ما تسيطر عليهم خلفياتهم الاجتماعية وظروف نشأتهم شديدة الصعوبة، وهذا التطرف يظهر أثره لاحقًا ليصنع محترفين حقيقيين أو هواة تمنحهم الكرة كل شيء فلا يتبقى لهم سوى الشغف، لا يوجد وسط هنا، إما زانيتّي وألفيش وكافو وميسي أو روبينيو وسافيولا وأندرسون ودي نيلسون.

 

 نيمار وروبينيو الذي لعب للميلان ومدريد والسيتي (رويترز)

 

لذا يخبروك دائمًا ألا تتعجل الحكم على أي لاعب لاتيني، فإن استطاع الحفاظ على جدّيته لثلاثة أو أربعة مواسم في أعلى مستويات كرة القدم فهو من الناجين، وإن حدث العكس فهو المتوقع والمعتاد.

 

الأمر ليس حتميًا ولا علاقة له بالجينات أو العِرق، ولكن مجموعة من الظروف الاجتماعية والمادية التي تتكرر في نمط واضح مع كل الحالات المشابهة، وفي ظل ظروف كتلك فإن أغلب هؤلاء اللاعبين يُحرمون من حرية الاختيار، ويصبح التحول للاعب كرة مشهور هو الحلم الذي فرضته الظروف، لأنه يبدو حينها كتذكرة الخروج الوحيدة من كل ذلك، ولأن قائمة مؤهلات الثراء السريع لا تتضمن إلا شيء واحد فقط هو مهارة لا تُضاهى في كرة القدم.

 

بمقاييس كتلك سيكون موسم أو اثنين أكثر من كافيين لتحقيق المطلوب، ومع الثراء تأتي الحرية، وحينها يكتشف اللاعب أن السبب الوحيد لانتقال كرة القدم من خانة الهواية إلى الاحتراف كان المال، وبما أن المال لم يعد مشكلة فالمنطقي أن تعود لخانة الهواية مرة أخرى.

 

الطوفان

الحقيقة المرعبة أن كمّ الأموال الذي تم ضخه في اللعبة مؤخرًا يتجاوز أضعاف ما شهدته منذ نشأتها، ولم يعد مستحيلًا أن يأتيك عرض بضعف راتبك الحالي وأيًا كان النادي الذي تلعب له، ثم تكتمل المأساة بحقوق الصورة التجارية ودخول السلع الاستهلاكية على الخط، وكل ما تحتاجه هو قليل من الموضوعية والصراحة لتدرك أن مقاومة كل ذلك تكاد تكون مستحيلة.

 

فإذا أتاك وكيل شركة عالمية ما يعرض عليك الملايين سنويًا لتصوير عدة إعلانات فستفكر ألف مرة قبل أن تستيقظ مبكرًا للتدريب في اليوم التالي، وستبدأ في التساؤل ما إذا كانت كرة القدم هي الطريقة الأمثل لكسب العيش أم أن المباريات الودية مع الأصدقاء صارت أكثر إغراءً، حيث لا مدرب ولا تعليمات ولا ضغوط جماهيرية، وحينها ستبدو الرحلة وكأنها كانت مجرد وسيلة لا أكثر، ولا يتبقى لك سوى المعطيات والنتيجة بغض النظر عما وقع بينهما، والمعطيات تقول أنك تملك شغفًا باللعبة، والنتيجة تؤكد أنك لم تعد مضطرًا لتحويله لوظيفة.

 

نيمار أثناء تقديمه أحد الإعلانات الخاصة بشركة نايك (رويترز)

 

وسط كل ذلك، يصعب الحكم على قرارات اللاعبين مهما تمزقت الحناجر بالحديث عن الوفاء والانتماء وغيره، بالطبع يبقى للجمهور معاييره حتى ولو لم تتسم بالواقعية أحيانًا، وتظل لهذه القيم مكانتها الخاصة في ذاكرته كمكافأة لمن صمدوا أمام الإغراءات، ولكن أغلبه يعلم أن قراراته لم تكن لتختلف كثيرًا إذا وُضع في نفس الظروف.

 

أول القصيدة

الأهم أن كل ذلك لم يكن بعيدًا أبدًا عن نيمار حتى لو أوحى أداؤه بالعكس في بعض الأحيان، ورغم أن روبينيو بدا منتهيًا بمجرد رحيله للسيتي، إلا أنه نفس اللاعب الذي قاد ميلان رفقة إبراهيموفيتش لأول سكوديتّو في 8 أعوام، بعد أن سجل 6 أهداف وصنع 11 غيرها في 28 مباراة، في موسم شهد أكبر كم من المشاركات منذ وطئت قدماه القارة العجوز، وكل ذلك كان منذ ستة أعوام فقط لا غير.

 

في الواقع فإن روبينيو لم ينته كليًا بعد، بل نجح منذ عام واحد فقط في تسجيل 12 هدفًا وصناعة 5 غيرها في 30 مباراة مع أتلتيكو مينييرو وكأنه يذكر الجميع بما هو قادر على فعله، ورغم ذلك فإن مسيرة الجناح البرازيلي المأساوية لم تمنع نيمار من التصريح بكونه مثله الأعلى الذي يحاول تقليده في كل شيء، فيما بدا مزحة وقتها ولكنه تحول لواقع بين ليلة وضحاها(3).

 

فريق من المحترفين وجمهور لا يشبع بالإضافة لشراكة مع أنجح ثنائي لاتيني في العقد الأخير وأكثرهم جدية وإصرارًا، ولكن كل ذلك لم يكن كافيًا لتحصين نيمار ضد عدوى روبينيو. بدأ الأمر بصفقة انتقال مشبوهة قادها رجل يقبع في السجن الآن في انتظار عدة أحكام  قضائية(4)،  ليتلقى والده بموجبها 40 مليون يورو كـمكافأة على اتمام الانتقال(5)،  فضلًا عن عدة شروط هزلية مثل وجوب السماح له بالتغيب عن التدريبات بل والمباريات لحضور عيد ميلاد أخته كل عام، والذي خرج بسببه من قائمة مباراة ديبورتيفو في (آذار/مارس) الماضي والتي خسرها البرسا لاحقًا(17)،  بالإضافة لضرورة تحمل برشلونة لنفقات سفر أصدقائه على طائرة خاصة كلما قرروا زيارته(18)،  وعدة ملايين إضافية لقاء تعيينه سفيرًا لبرشلونة في البرازيل(19).

 

عندما أدرك نيمار بأن بإمكانه قيادة الفريق -ولو مؤقتا أثناء غياب ميسي- شعر بأنه صار أهم من أن يكيف مع أسلوب لعب الفريق وأن على الفريق أن يجرب أسلوبه الخاص (رويترز)

 

تبع ذلك موسم نيمار الأول الذي صنع خلاله سمعة عالمية كأحد أمهر غطّاسي اللعبة، وعقبه أفضل مواسمه على الإطلاق في عام الثلاثية الشهير، وهنا بدأ الانحدار التدريجي وأصبح بإمكانك تحديد النمط المتكرر، وصار  من الطبيعي أن ينخفض أداء نيمار كلما قلّت الضغوط الملقاة على عاتقه، فقدم أروع عروضه بعد انضمام سواريز وموسم صفري ناله فيه من الانتقادات ما ناله، ثم انزاحت الضغوط شيئًا فشيئًا مع رحيل بيدرو والفشل في ضم نوليتو، ثم عادت مجددًا وبقوة أثناء إصابة البولجا في مطلع الموسم التالي، ليقدم نيمار لمحة مبهرة واعدة من الحياة بعد ليونيل، لمحة فشل في تكرارها مرة أخرى في الموسم الماضي لأن نفس الضغوط لم تصاحبها، وكأنه -مثل روبينيو- كان يكتفي بإثبات وجهة نظره.

 

الصعود للقمة

كانت تلك هي نقطة التحول الأولى في علاقة نيمار مع محيطه الكتالوني، حينما أدرك أن بإمكانه قيادة فريق مثل برشلونة بمفرده ولو لفترة مؤقتة، وشعر بأنه صار أهم من أن يحاول التكيف مع أسلوب لعب ناجح ومستقر فرغ لتوه من اكتساح القارة، وأن الوقت قد حان ليجرب الجميع أسلوبه الخاص، حتى لو كان سيفسد نصف هجمات فريقه بسبب نزوعه الدائم للفردية، وحتى لو كان يلعب لفريق لم يفتخر بشيء طوال صحوته بقدر الجماعية، وقدرتها على إخضاع أكثر اللاعبين استثنائية لصالح المجموعة، بما فيهم ميسي نفسه.

 

بالطبع لم يكن هناك فرصة أنسب من تلك ليستغلها والد نيمار في فتح مفاوضات التجديد، خاصة مع توارد الأخبار عن سعي كل من باريس سان جيرمان ومانشستر سيتي لضم ابنه الذي أصبح أفضل لاعبي العالم في غياب البولغا، وبعد مسلسل من مئة حلقة جدد نيمار حتى 2021 ليتضاعف راتبه ثلاث مرات على الأقل(6)،  وحصل والده على 50 مليون إضافية ليصل مجموع ما تقاضاه منذ توقيع ابنه للبرسا إلى 90 مليون يورو، أي أكثر مما تقاضاه ميسي نفسه في ذات الفترة، بحسب رافائيل هيرنانديز الصحفي المُطلع على شؤون النادي.

 

منشور للصحفي رافائيل هيرنانديز

 

المهم أن أخبار التجديد قوبلت بالترحيب بعد شعور الجميع باستحقاق البرازيلي لتعديل عقده نظرًا لراتبه السابق الهزيل(6)،  ولكن القصة لم تكن لتنتهي هنا، فبعد موسم آخر ولقطة أخرى أثبت نيمار خلالها وجهة نظره بقوة أمام باريس، وجد الكتلان أنفسهم في المربع رقم صفر مرة أخرى، باريس أتى من أجل نيمار مجددًا عارضًا 30 مليون يورو سنويًا خالصة الضرائب، بالإضافة لحزمة من المميزات قد تصل بالإجمالي لضعف هذا الرقم، فضلًا عن دفع قيمة الشرط الجزائي المقدرة بـ222 مليون يورو(7).

 

القصة تتكرر، تبدأ من والده وتنتهي عنده؛ اتصالات مع باريس تعلم عنها الصحافة بطريقة أو بأخرى، والتزام نيمار الصمت كالمعتاد مع بضع تلميحات قابلة للتفسير بأكثر من معنى، ثم انفجار الوضع بتقارير من كل حدب وصوب تؤكد بأنه قد وقع عقود الانضمام للنادي الفرنسي بالفعل(8).

 

أينما يكمن الشيطان

القصة واحدة لكن الشيطان يكمن في التفاصيل، وبمزيد من البحث تكتشف أن أحد أسباب استياء نيمار ورغبته في فسخ عقده، إلى جانب عرض باريس الخيالي، هو رحيل كل أصدقائه البرازيليين من برشلونة كأدريانو وألفيش وحتى دوغلاس، وهو ما يفسر سعي إدارة بارثوميو للتعاقد مع لوكاس ليما الذي يعد أحد أصدقاء نيمار المقربين، والذي تكتشف بالصدفة أيضًا أن وكيل أعماله هو والد نيمار نفسه(9)،  وأن الأمر كله يأتي في إطار العقد الذي وقعه نيمار مع برشلونة في 2014، والذي يحتوي على بند يحصل والده بمقتضاه على نصف مليون يورو سنويًا مقابل العمل ككشاف للمواهب التي تلعب في نادي سانتوس تحديدًا، نفس النادي الذي يلعب له ليما.

 

الطريف أن كل ذلك يحدث بعد عدة أشهر من خلاف نيمار مع خوان كارلوس أونزويه مساعد إنريكي، والذي انتقد البرازيلي في التدريبات عقب مباراة فياريال محذرًا من مصير رونالدينيو إذا ما استمر في التركيز على أمور غير كرة القدم، وبعدها أعلنت المصادر المقربة من النادي أن أونزويه قد تم استبعاده من قائمة المرشحين لخلافة إنريكي رغم أن نيمار كان أحد المؤيدين لاستمراره، ولكن قبل حدوث الواقعة بالطبع(10).

 

 نيمار ووالده (رويترز)

 

أضف لما سبق حقيقة أن النادي الكتالوني قدم عرضًا مفاجئًا لكوتينيو قيمته 80 مليون يورو وبمجرد اندلاع الأزمة(11)،  ثم ألحقه بعرض آخر بقيمة 90 مليون يورو في ظرف 12 ساعة فقط(20)،  وحقيقة أن الشخص الوحيد الذي كان له رد فعل إيجابي على أخبار المفاوضات مع باولينيو كان نيمار أيضًا(12)،  وحقيقة أن المشهد يتكرر بكل حذافيره رغم فجاجة التفاصيل هذه المرة، لأن النتيجة لكل ذلك هي اجتماع جديد لوالد نيمار مع مسؤولي برشلونة عقب مباراة يوفنتوس الودية، ولن تكون مفاجأة إذا خرج منه بحقيبة تحتوي على 40 مليون أخرى(13).

 

اختطاف

رغم كل ذلك يظل تحميل نيمار مسؤولية ما حدث من قبيل الجنون، لأن أي نادي يمتلك الحد الأدنى من الاحترافية لم يكن ليقبل بنصف هذه المهاترات، وفي الوقت الذي لم تكن فيه إدارة بارثوميو على مستوى التوقعات كان نيمار على العكس تمامًا، ولم يكن ما حدث سوى نتيجة حتمية لكل ما سبق، نتيجة فشل في توقعها قطاع كبير من جمهور برشلونة الذي قرر لسبب لا يعلمه غيره أن نيمار سيكون خليفة ميسي المستقبلي، ربما بدافع الخوف على الفريق بعد اعتزال البولغا، أما نيمار نفسه فلم يقدم دليلًا واحدًا على ذلك طيلة سنواته الأربع في كتالونيا إلا وعاد بعده ليؤكد العكس.

 

بالطبع كان لتجديد عقده الأثر الأكبر، فطول فترة المفاوضات وتلويح أبيه الدائم بعروض باريس والسيتي ومانشستر يونايتد أشعره بأنه لم يعد يحتاج البرسا كما يحتاجه، وعزّز كل ذلك التطور الكبير الذي شهدته مسيرته الفنية، فالرجل أصبح يمتلك خط لإنتاج الملابس باسمه(14)، بالإضافة لإطلاقه ألبومه الغنائي الأول(15)، وحسب آخر تقرير لفوربز الأميركية فإن دخله السنوي يبلغ 37 مليون يورو، وفقط 15 منها تأتي من كرة القدم، أي أن عقود الرعاية تجلب له مرة ونصف مما تجلبه وظيفته الأساسية(16).

 

اختبار صعب لشاب عاش حياته يحلم بأن يصبح لاعب كرة مشهور ثم اكتشف فجأة أن الكرة لم تعد أفضل مواهبه ولا أقدرها على جلب المال، هل كنت تعلم أن فيلم هوليوودي واحد يمكنه أن يؤمن مرتب عدة أشهر؟ فيلم واحد بلا ركلات من بيبي أو خوان فران، بلا تدريبات صباحية ولا مواعيد للنوم ولا مصيدة تسلل ومباريات متلاحقة مرهقة.

 

  مشهد من فيلم نيمار

 

في ظل كل ذلك أصبح من المنطقي أن تتحول كرة القدم لمجرد نزوة تنتاب نيمار من حين لآخر، وأصبح من المنطقي أن تتزايد مطالبه للتخلي عن كل هذه الامتيازات، ولتعويضه عن التضحية التي يؤديها يوميًا للقبول بدور الرجل الثاني في برشلونة، وهو الذي يمكنه تصدر الصورة وحده في أي مكان آخر، والنتيجة أن النادي بأكمله قد تم اختطافه كرهينة لحالته المزاجية وقدرة باريس والسيتي الشرائية التي لا تنضب، وهو ما يعني أن كتالونيا عليها أن تستعد لحلقة جديدة من المسلسل مع كل صيف وكل ريمونتادا وكل إصابة لميسي.

 

في ظل ميسي

الحقيقة الوحيدة هنا هي أن برشلونة أمام حالة مفتعلة من النزاع على السلطة، لأن مشكلة نيمار الفعلية ليست في كم المال الذي سيتقاضاه، ولا في ولائه للفريق من عدمه، بل في وجود ميسي في نفس الفريق، وفي كل مرة يجدد فيها الأرجنتيني عقده سيشعر نيمار بالغبن، وفي كل مرة سينهي فيها موسمه بحصيلة تهديفية أكبر سيشعر نيمار بأنه اقتطعها من نصيبه، وكل ذلك يحدث في ظل ادعاءات متكررة بأنه قادر على التفوق على البولجا بمجرد إزاحته من الصورة أو انتقال نيمار نفسه لنادٍ آخر، والدليل هو أداءه المغاير مع البرازيل.

 

نظرية تحمل الكثير من الوجاهة في ظاهرها، ولكنها في الواقع ليست أكثر من مجرد كذبة رددها الكثيرون حتى صارت حقيقة، لسبب بسيط هو أن ميسي كان ولا يزال أفضل صانع لعب في برشلونة وأفضل هدافي الفريق كذلك، بالإضافة لكونه أكثر من صنع أهدافًا لنيمار نفسه، لأن الحقيقة التي قد تفاجئ البعض هي أن ميسي أفضل من نيمار في كرة القدم.

 

بل أن أفضل مواسم نيمار مع البرسا في 2014-2015 كان تجليًا واضحًا لخطأ تلك النظرية، لأن كل مبارياته الكبيرة شهدت تراجع ميسي للوسط لصناعة اللعب مانحًا الحرية لنيمار للانضمام لسواريز في الخط الأمامي، ولولا هذا التعديل لما تمكن البرازيلي من التسجيل أمام كل الفرق التي لاقاها برشلونة ذهابًا وإيابًا في دوري الأبطال، بدءًا بدور الثمانية وانتهاءً بالنهائي أمام يوفنتوس، وفي نفس الفترة التي اكتفى فيها ميسي بهدفي بايرن ميونيخ.

 

ما زال بإمكان نيمار معادلة ميسي أو حتى التفوق عليه في عدة مباريات أو فترة زمنية مؤقتة، ولكنه لم يمنح العالم سببًا وجيهًا ليعتقد أن بإمكانه استبداله في موسم كامل (رويترز)

 

منظومة ناجحة أتت على أخضر أوروبا ويابسها، ولكنها اختلت في الموسمين التاليين بسبب تراجع مستوى خط الوسط وقرار نيمار بمحاكاة نفس أدوار البولجا سعيًا نحو مزيد من الوقت على الكرة، وصاحب كل ذلك مجموعة من الظواهر  شهدها جمهور الكامب نو لأول مرة في العقد الماضي، مثل مشهد اللاعب الذي لا يرفع عينه عن الكرة حتى يصل للثلث الأخير، ومشهد اللاعب الذي لا يمرر إلا لزميل واحد فقط، ومشهد اللاعب الذي يهدر أسهل الفرص برعونة واستهتار بالغين ثم يعوض كل ذلك بمزيد من المراوغات والمشاحنات مع المدافعين، ومشهد باقي اللاعبين الذين ينتظرون نهاية فقرة الاستعراض بلا جدوى.

 

المشكلة لم تكن فيما يفعله نيمار في الملعب بقدر ما كانت فيما لم يفعله، فرغم كل شيء يظل صناعة 27 هدفًا وتسجيل 20 غيرها حصيلة خرافية لأي لاعب في العالم، ولكنها حصيلة باهظة الكلفة تُخل بأسلوب لعب الفريق وانسيابيته وقدرته على مباغتة الخصوم، وتضع كتالونيا بأكملها أمام معادلة صفرية لا تحتمل وجود نيمار وميسي في نفس الفريق، لأن الأول يريد الاستئثار بأدوار اللعب خلف الكرة وأمامها، في صناعة الأهداف وتسجيلها، حتى لو لم يستطع أداء أي منها بنفس كفاءة وجدية وفاعلية الثاني.

 

رغم ذلك فما زال بإمكان نيمار معادلة ميسي أو حتى التفوق عليه في عدة مباريات أو فترة زمنية مؤقتة، ولكنه لم يمنح العالم سببًا وجيهًا ليعتقد أن بإمكانه استبداله في موسم كامل، فضلًا عن عدة سنوات آتية عقب اعتزال الملك الأرجنتيني، والأهم أنه لن يقدم أبدًا ما يبرر حصول والده على أطنان من الأموال كلما أتاه عرض لا يمكن رفضه من باريس أو غيره، ولا سببًا لضرورة التعاقد مع واحد من أصدقائه في كل خط من خطوط الفريق، لأنه لا يوجد لاعب واحد في العالم يستحق بقاءه كل ذلك ولا حتى ميسي نفسه، واستمرار هذا العبث يجعل رحيل نيمار عن كتالونيا هو العرض المنطقي الوحيد الذي لا يمكن رفضه.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك