اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/5 الساعة 11:44 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/13 هـ

انضم إلينا
الحياة بعد نيمار.. برشلونة ورحلة البحث عن شبيه

الحياة بعد نيمار.. برشلونة ورحلة البحث عن شبيه

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

المعطيات كما هي لم تتغير؛ برشلونة يعاني من مشكلة كبيرة في خط وسطه، وفيراتي خرج من دائرة الحلول على الأقل في هذا الصيف، وإنييستا لن يستطيع إكمال موسم إضافي لنهايته بنفس الايقاع البدني السابق، ولا يوجد لاعب واحد في العالم قادر على اللعب في العمق وعلى الخط وتأدية أدواره الدفاعية في نفس الوقت، وإذا أضفنا لما سبق خروج نيمار إلى باريس، ووضعنا هستيريا الأسعار الحالية في الاعتبار جنبًا إلى جنب مع ضيق الوقت المتبقي للتعاقد مع بديل، فسيبدو الأمر أشبه بلعبة الكراسي الموسيقية، والفارق الوحيد هنا أن برشلونة مرشح بقوة ليصبح الخاسر الوحيد عندما يتوقف العزف.

 

وضع سيء لا شك، ولكنه قابل للتجاوز لو لم يكن لإدارة البرسا الحالية تاريخ بائس من التعاقدات عديمة الجدوى، بل إن نظرة سريعة لقائمة المرشحين لتعويض الجناح البرازيلي توحي بأنه قابل للتفاقم، (2) لأن هستيريا السوق قد انتقلت لإدارة بارتوميو التي تفتقر للحد الأدنى من التخطيط والدراية باللعبة، لذا كان أقصى ما استطاعت فعله هو تحويل سوق انتقالات البرسا إلى مدفع رشاش يحاول إطلاق أكبر كم من الرصاصات العشوائية ليُلهي الجميع عن فقدانه لواحد من أبرز نجومه، ولصالح الفريق الذي ساهم بنفسه في سحقه بسداسية منذ عدة أشهر.

 

الهروب إلى الماضي
المعادلة الحالية صعبة للغاية، ولكن ما يجعلها مستحيلة هو إصرار كتالونيا المستمر على استجداء الماضي، فمنذ بدأت أوراق الجيل الذهبي في التساقط وكل ما يشغل رأس الكتلان هو محاولة استبدالها، وكأن الأمر بهذه البساطة، فيبدأ البحث عن شبيه تشافي بمجرد اعتزاله، وقبل أن يتم ذلك يفاجأ الجميع بأن إنييستا على وشك الاعتزال بدوره، وسيلحق به بوسكيتس وبيكيه وميسي قريبًا، وحينها سيجدون أنفسهم مطالبين بالبحث عن شبيه لكل واحد من هؤلاء.

 

الفريق الكتالوني أمام خيارات محدودة للغاية، فبديل ميسي عليه أن يكون جناحًا أعسرًا؛ يميل للتوغل إلى العمق وصناعة اللعب وحبَّذا لو كان أرجنتينيًا مثل ديبالا

الأوروبية
 

بضع خطوات إلى الخلف ستُمكِّنُكَ مِن النظر إلى الصورة كاملة، ومن هناك يبدو الأمر بِرُمَّتِهِ كحالة تقليدية من الركض خلف السراب، لأن الأزمة لم تقع مرة واحدة وإنما تمّت بالتدريج، والتدريج خادع ويُغري بتقبُّل أي شيء مهما بلغت خطورته؛ فاليوم تنحصر الأزمة في مركز واحد وهو أمر يبدو قابلًا للحل مادامت باقي الأضلاع في أماكنها، وغدًا تتكرر القصة بحذافيرها مع مركز آخر، ولأن الكتلان ما زالوا أسرى الصورة وتفاصيلها، فهم لا يدركون عبثية المحاولة لاستبدال مجموعة من الاستثنائيين، الذين لم يصبحوا كذلك إلا لاستحالة استبدالهم من الأصل.

 

المشكلة أن أفضل ما يمكن الحصول عليه إن نجحت تلك العملية هو فريق من الأشباه، يحاولون تقديم كرة قدم شبيهة، وربما مع مدرب شبيه كذلك، لذا لا يصعب تخيل الحال عقب اعتزال الملك الأرجنتيني، لأنه سيكون نسخة مكررة مما حدث بعد رحيل تشافي وما يحدث الآن مع رفيق عمره؛ وهو محاولة إقحام أقرب شبيه ممكن في قالب مُعد مسبقًا، بغض النظر عن ملائمته للدور من عدمه، وحتى لو كان ذلك سيعني إهدار إمكانياته أو تحجيمها، لأن الهدف لم يعد تكوين فريق استثنائي آخر حتى لو تغيرت تفاصيله، بل استنساخ القديم مهما تكلف الأمر.

 

بل إن الهوس بالماضي تجاوز إفساد الحاضر وانتقل للمستقبل كذلك، فيتم النظر لمواهب الأكاديمية على أنها قوالب جاهزة لتسديد نفس الخانات، ويُقال بأن هذا اللاعب هو بوسكيتس الجديد، وذاك هو ميسي المستقبلي، وكأننا نتحدث عن خطّ تجميع هدفه الوحيد إنتاج نسخ متكررة من نفس اللاعبين ونحت تماثيل جديدة للجيل الذهبي، فالكتلان صاروا يرفضون كل أشكال الاستثنائية إلا ما ألفوه منها، ويقتلونها دون دراية بالإصرار على تحويلها إلى قاعدة، للمفارقة الساخرة.

 

كل ذلك يضع كتالونيا أمام خيارات محدودة للغاية، فبديل ميسي عليه أن يكون جناحًا أعسرًا؛ يميل للتوغل إلى العمق وصناعة اللعب وحبَّذا لو كان أرجنتينيًا مثل ديبالا، وبديل تشافي لا يمكن أن يكون أي لاعب آخر إلا فيراتي، في تسطيحٍ مُخِل للفروقات الفردية بين لاعب وآخر، المهم ألاَّ يُمسَّ القالب المقدس الذي سيقحم فيه كل واحد من هؤلاء.

 

كوتينيو وديبالا وآخرون
مقدّمة طويلة ولكنها ضرورية، لأن ما يحدث الآن هو  تكرار لنفس الخطأ، ولكن بدلًا من البحث عن شبيه لعناصر مثلت نقطة قوة الكتلان كتشافي وإنييستا، انتقل الأمر لعنصر مثَّل تناقضًا واضحًا مع أسلوب لعب البرسا وهو نيمار، فرغم إمكانيات البرازيلي الاستثنائية والتي قد تجعله أفضل لاعبي العالم قريبًا إذا تحلّى بمزيد من الجدية، إلا أنه افتقد لأهم المبادئ التي ميزت البلوغرانا في العقد الماضي، كتقديس اللعب التموضعي والثقة العمياء في الزملاء وتغليب الجماعية على الفردية، واضعًا كتالونيا أمام خيار مستحيل بينه وبين الفريق.

 

كوتينيو امتلك ماني في الموسم الماضي، وحاليًا نقله كلوب لمنطقته المفضلة في القلب للاستفادة من قدراته في التمرير وصناعة الفرص لثنائي هجومي من صلاح وماني أو ثلاثي بإضافة فيرمينو (غيتي)

 
كل ذلك ساهم في تزايد دوره مع البرسا في الموسمين الأخيرين على حساب باقي اللاعبين وبخاصة عناصر الوسط، وتحول نيمار مع الوقت إلى أكثر لاعبي البلوغرانا لمسًا للكرة، وهذا هو السبب الرئيسي في الهلع الذي أصاب الجميع بمجرد اعلانه الرحيل، لذا أُعِدَّت قائمة بدلائه على عجل ودون دراسة، فمع التسليم بكفاءة ونجومية الأهداف المحتملة مثل كوتينيو وهازارد وديبالا وسانشيز، (2) إلا أن أي تحليل متأني سيخرج بنتيجة واحدة هي عدم ملاءمتها للوضع التكتيكي الحالي، الذي سيتطلب إقحامها عليه عددًا من التغييرات الجذرية التي تجعل انضمامهم مخاطرة غير مأمونة العواقب.

 

مبدئيًا فإن كل تلك الأسماء تشترك في قائمة مواصفات محددة، أولها هو أن تواجدهم في التشكيل يعني خلوه من صانع لعب تقليدي في المركز رقم 10 أو تراجع تأثيرهم في وجوده، وثانيها هو ضرورة أن يكون الجناح المقابل جناحًا تقليديًا يلعب وقدمه القوية أقرب إلى الخط، لاستخدامه في فتح الملعب على آخره وتفريغ العمق الذي ينشط فيه كل أعضاء القائمة بدرجات متفاوتة.

 

كوتينيو امتلك ماني في الموسم الماضي، وحاليًا نقله كلوب لمنطقته المفضلة في القلب للاستفادة من قدراته في التمرير وصناعة الفرص لثنائي هجومي من صلاح وماني أو ثلاثي بإضافة فيرمينو، وسانشيز قدم أفضل مواسمه في غياب أوزيل أو تراجعه والعكس بالعكس، وهازارد لم يتوهج مثلما فعل في وجود ويليان على الخط، وهو نفس الدور الذي يؤديه ماندزوكيتش على الجهة المقابلة من ديبالا في اليوفي، وكل هؤلاء قضوا أغلب فترات مسيرتهم دون صانع لعب صريح، لسبب واضح هو أنهم يقتحمون مناطق نفوذه بانتظام وبشكل دائم هربًا من خندق الخط.

 

بالطبع يبدو كل ذلك مألوفًا، لأنها نفس المشكلة التي كانت أحد أسباب رحيل نيمار في المقام الأول؛ السعي الدائم لمزيد من التحكم في الكرة والتوقيع على كل هجمة، وبينما حال ميسي دون حصول نيمار على مراده في البرسا فإن هؤلاء اللاعبين قد نالوه بالفعل في أنديتهم، كونهم نجوم الصف الأول بلا منازع، وهو ما جعل مدربيهم يبنون الخطة حولهم ويمنحونهم حرية الحركة شبه المطلقة.

 

لذا وبينما تبدو نظرية استبدال جناح كنيمار بأحدهم منطقية للوهلة الأولى، فهي تمتلك ثغرة واحدة فقط هي أنهم ليسوا أجنحة من الأصل، أو لم يعودوا كذلك على الأقل، وتقليص أدوارهم مرة أخرى يعني أن برشلونة سينفق 100 مليون يورو أخرى ليكرر نفس المأساة مجددًا، أو أنه سيجبر ميسي على الخروج للخط لصالح صانع لعب لا يضاهيه في الكفاءة.

 

خرائط لمسات الرباعي توضح تمركزهم شبه الدائم في العمق وتحديدًا في المناطق 11 و14 الواقعة بين دائرة المنتصف ومنطقة جزاء الخصم، على العكس من نيمار الذي خرجت أغلب انطلاقاته من الخط (سكواوكا)

 

يتضح الأمر أكثر بدراسة نفس الخرائط طبقًا لتقسيم الجبهات بين اليمين واليسار والعُمق (سكواوكا)

 

خير الأمور الوسط
ولأن برشلونة يمتلك العديد من الخانات الخالية أو التي أوشكت على ذلك، فالمحاولات لا تتوقف لتُملأ بأي طريقة متاحة، فإن كان كوتينيو لا يصلح للعب دور نيمار فالحل التالي هو إقحامه في قالب إنييستا، في محاولة جديدة من محاولات البحث عن الأشباه التي لا تتوقف.

 

صحيح أن الثنائي يتشابه في كثير من المواصفات كالقدرة على المراوغة والتمرير وصناعة اللعب، ولكن استبدال أحدهما بالآخر يتجاهل حقيقتين غاية في الأهمية، أولها أن كوتينيو لم يلعب في هذا المركز المتأخر إلا مباريات معدودة في مسيرته وانتهت بإعادته إلى موقعه المفضل، والثانية هي عجزه عن الوفاء بواجبات إنييستا الدفاعية الحالية، والتي تمثل بدورها تدهورًا ملحوظًا عما اعتاد الرسّام تقديمه فيما سبق.

 

رغم تراجع مردود إنييستا الدفاعي الحالي عن آخر مواسمه الجيدة في 2014-2015 إلا أن كوتينيو غير قادر على معادلتها حتى في أسلوب الضغط العالي مع كلوب (سكواوكا)

 

الأخطر مما سبق هو أن حلول البرازيلي مكان إنييستا سيؤدي لتزايد الحِمل الدفاعي على بوسكيتس بالتبعية، وهو الأمر الذي عجز عنه الأخير مع تراجع مردود إنييستا نفسه، ودون التطرق لاحتمالية تقليصه أكثر من ذلك بضم كوتينيو، وهي نفس النتيجة التي سيحصل عليها الكتلان إن حاولوا تفكيك صانع الألعاب البرازيلي بثنائي وسط من طراز إريكسين وسيري، فرغم أن الثنائي يشغل مساحات متأخرة نسبيًا عن كوتينيو إلا أن أداءهما يغلب عليه الطابع الهجومي، وبينما ستمثل قدراتهما حلًا ناجعًا لأزمة الوسط من جهة، فإن مشاركتهما سويًا رفقة بوسكيتس ستفجّرها من جهة أخرى، وكأنك تعالج الأساسات المتهالكة بإضافة المزيد من الأدوار.

 

الإحصائيات تُظهر تراجعًا فادحًا لمردود بوسكيتس الدفاعي عن موسم الثلاثية الأخيرة (سكواوكا)

 

تفاوت المردود الدفاعي بين ثنائي وسط البرسا الحالي وثنائية سيري وإريكسين يؤكد أن ضمَّهُما معًا سيؤدي لتفاقم الأزمة الدفاعية أو سيبقي عليها في أقل تقدير (سكواوكا)

 

الجدير بالذكر هنا أن نيمار أسدى خدمة كبيرة للكتلان في الموسم الماضي وربما دون أن يدري، فكما ساعدته فرديته المفرطة على حمل الكرة لمسافات طويلة وتخطي خطوط الخصوم بمراوغاته "الخزعبلية"، فإنَّ نصف هذه المحاولات على الأقل كانت تنتهي بقطع الكرة وتحولها لمرتدات مباغتة، تُجبر ثلاثي الوسط على سباقات سرعة تكشف بطأهُمُ الشديد، وبالتالي تتباعد الخطوط وتُستنفذ طاقات الجميع في تجاوزها بحثًا عن بعضهم البعض، وهو ما يتطلب منهم حمل الكرة لمسافات طويلة بدورهم، وكأن البرازيلي كان يعيد هيكلة منظومة البرسا وفقًا لأسلوب لعبه لا العكس، وأثناء ذلك كان يكشف للجميع افتقار وسط الكتلان للقوة والسرعة، وسهولة اختراقه بالمراوغات العمودية المباشرة.

 

عصافير على الشجرة
ليس سرًا أن الإجابة على ألغاز الوسط تكمن في أهم عناصره حاليًا وهو بوسكيتس، وبعودة سريعة في الزمن سنكتشف أن الارتكاز الكتالوني قضى أغلب مراحل تطوره في مركز لاعب الوسط المُساند (CM)، قبل أن يقوم بيب بتأخيره لموقع الارتكاز الدفاعي، لاستغلال إمكانياته الفنية وقدراته على ضبط إيقاع اللعب في اخراج الكرة من الخلف.

 

وانياما الذي يبدو للوهلة الأولى كوحش عديم الموهبة يخرق فلسفة البرسا المعتادة بتغليب الفنيات، ولكن الحقيقة أن العملاق الكيني قدم موسمًا مبهرًا مع بوتشيتينو، وفي منظومة لعب تعتمد كليًا على الضغط العكسي

رويترز
 

ومع التسليم بتحوله لاحقًا إلى أحد أفضل قاطعي الكرات في العالم، إلا أن أفضل مواسمه رافقها ظاهرة من اثنتين أو كلاهما معًا؛ الأولى هي مثالية الضغط العكسي كمنظومة ناجحة في تقليل المرتدات والاختبارات الدفاعية الصعبة، والثانية هي تواجد عنصر قوة (Enforcer) بجواره في وسط الملعب، غالبًا ما اتَّسم بسرعة نسبية وإيجابية في ملاحقة الخصوم إلى جانب القدرة على خوض الثنائيات البدنية الخشنة، وهو الدور الذي قام به توريه وكيتا وماسكيرانو على فترات متباعدة من العقد الأخير، وهو نفس الدور الذي حاول إنريكي إقحام راكيتيتش فيه رغم كونه صانع لعب بالأساس.

 

بالطبع كان التعاقد مع فيراتي ليوفّر إجابة لأغلب الأسئلة، ولكن مع ارتفاع معدّل أعمار الفريق وتراجع لياقته ومن ثم قدرته على تنفيذ الضغط بالكفاءة الكافية لحماية بوسكيتس، فإن الحل قد لا يقتصر على التعاقد مع مايسترو آخر للوسط، بل ربما يكمن في التعاقد مع ماسكيرانو آخر لحماية اللاعب الوحيد القادر على أداء دور المايسترو بين عناصر وسط البرسا الحاليين، وهو بوسكيتس نفسه.

 

هنا تطفو عدة أسماء إلى السطح، أبرزها على الاطلاق هو وانياما الذي يبدو للوهلة الأولى كوحش عديم الموهبة يخرق فلسفة البرسا المعتادة بتغليب الفنيات، ولكن الحقيقة أن العملاق الكيني قدم موسمًا مبهرًا مع بوتشيتينو، وفي منظومة لعب تعتمد كليًا على الضغط العكسي، وفضلًا عن مهاراته الدفاعية الخارقة ففنياته لا بأس بها على الإطلاق وعلى عكس ما يتوقعه الكثيرون، خاصة قدرته على التخلص من الضغط وحمل الكرة لمناطق متقدمة من الملعب وتجاوز لاعبي الخصم.

 

   

بالطبع تتسع الخيارات نسبيًا لتشمل عدة مواهب مميزة في هذا الصدد إلى جانب لاعب السبيرز، مثل إدريسا غاي من إيفرتون وإيناسيو كاماتشو من ملقة وكريستوف كريمر من غلادباخ والمتنوع جاليارديني من إنتر ميلان، بالإضافة لأوريول روميو من ساوثامبتون والذي تخرج من لاماسيا في الأصل.

 

أسماء غير لامعة ولكنها قادرة على تأدية الغرض المطلوب، بالضبط مثلما كانت أسماء كماسكيرانو وكيتا وتوريه قبيل انفجاره الهجومي في السيتي، والأهم أنها تأتي خالية من التعقيدات الصعبة المصاحبة لصفقة مثل فيراتي، إلى جانب إضافتها حزمة من المميزات التكتيكية للوضع الحالي، أبرزها تخفيف العبء الدفاعي عن بوسكيتس، والذي تتساقط بعده القطع المتبقية في مكانها لتصنع الصورة الجديدة، فالقاعدة الدفاعية الصلبة ستكفل انضمام واحد من سيري أو إريكسين إلى خط الوسط، وستمنح مزيدًا من الحرية لظهيري الطرف للصعود وفتح الملعب، وهذا التدرج في المهام سيعيد تقارب الخطوط للفريق ويدفع ميسي لمناطق أقرب من المرمى، موفرًا عليه مسافات هائلة كان يضطر لقطعها مع كل هجمة، وكأن الكتلان قد ضربوا سربًا من العصافير بحجر واحد.

 

مطلوب بديل

جوسيب بارتوميو، رئيس نادي برشلونة

رويترز
 
ما سبق كله يصل بنا إلى أن إدارة بارتوميو عليها أن تُسيّر سوق الانتقالات خارج الملعب بنفس فلسفة البرسا داخله، أي بناء الفريق من الخلف أولًا، لأن تركيز الاهتمام على الخطوط الأمامية هو ما أوصل البرسا للوضع الحالي من الأصل، وحينها يصبح التعاقد مع ارتكاز دفاعي حقيقي في صدارة أولويات الكتلان، ومن هنا يمكن ترتيب باقي القطع بالتوالي طبقًا لسير التفاوض وبناءً على دراسة تفصيلية لتوافقها مع بعضها البعض.

 

فبفرض أن فالفيردي سيحافظ على (4-3-3) التي خاض بها المباريات الودية، فإن الدور سيأتي بعدها على ثالث الوسط بين سيري وإريكسين، كون أسماءهم هي الوحيدة التي ارتبطت بالبلوغرانا في الصيف الحالي. (3)(4)

 

النظرة المبدئية توحي بتشابه أدوار الثنائي وقدرتهم على المساهمة في صناعة اللعب، ولكن الفوارق تظهر مع مزيد من التدقيق، فسيري يشارك مع نيس في مركز أقرب لارتكاز ثاني إلى جانب ريمي وولتر في موقع مائل لليسار، ولكن بحرية أكبر للتقدم والمشاركة في الهجوم، وهو ما يجعله أحد أكثر لاعبي فريقه لمسًا للكرة، فضلًا عن لياقة بدنية ممتازة تؤهله للوفاء بحظه من المهام الدفاعية، ما يفتقده إريكسين الذي يلعب متحررًا من أغلب المهام الدفاعية باستثناء إغلاق زوايا التمرير، ويميل بطبعه للجبهة اليمنى من الملعب حيث يمكنه إرسال عرضياته الذكية المتقنة لرأس كل من كين وآلي، والتي تمنحه ثلث حصيلته من التمريرات الحاسمة على الأقل، بينما يصنع سيري أغلب أهدافه من التمرير المباشر في العمق.

 

خريطة لمسات الثنائي توضح تموقع سيري في مناطق متأخرة نسبيًا عن إريكسين (سكواوكا)

 

وبتقسيم الملعب للجبهات الثلاث، تتضح أهمية العرضيات الهوائية في أسلوب لعب الدانماركي كونها تعتمد على تواجد ثنائي قادر على التعامل معها في المنطقة من كين وآلي (سكواوكا)

 

مقارنة بين نسب صناعة إريكسين وسيري لفرص التهديف؟ (سكواوكا)

 

هذا التباين الواضح في التفاصيل قد يجعل من سيري الخيار الأنسب للعديد من الأسباب، مثل حقيقة أن ضعف ميسي وسواريز في الثنائيات الهوائية سيمنع البرسا من الاستفادة من كامل قدرات إريكسين، إلا إذا كان مبابي هو بديل نيمار، كون الرأسيات واحدة من ميزاته العديدة إلى جانب السرعة والمراوغة، وهو ما يبدو مستبعدًا في الوقت الحالي رغم التقارير التي تؤكد رغبة البرسا في ضمه، (5) وإذا أضفنا لذلك تقارير أخرى سابقة أكدت رغبته في اللعب لريال مدريد، (6) فضلًا عن الرقم الخرافي الذي يطلبه موناكو للتخلي عنه، (7) فإن نسبة المخاطرة تزداد لحد كبير، خاصة أن مسيرته تقتصر على 44 مباراة فقط لا غير، ومهما تعاظمت حصيلته التهديفية منها فهو بحاجة لما هو أكثر من 27 هدف و17 تمريرة حاسمة ليبرر إنفاق 180 مليون يورو لضمّه. (8)

 

ثم تظهر نقاط تفوق أخرى لسيري كونه معتادًا على شغل نفس المناطق التي يشغلها إنييستا حاليًا، وتواجد ظهير دفاعي سريع كألبا في نفس الجبهة سيمنحه حرية أكبر، وإذا وضعنا في الاعتبار سهولة التفاوض مع نيس وسيري بالمقارنة برئيس عنيد صعب المراس كدانيال ليفي مالك توتنهام، (9) ومدرب سبق له إعلان عداءه للبرسا كبوتشيتينو، (10) فإن الخيار يكاد يكون محسومًا.

 

الحياة بعد نيمار

   
هنا تكمن الخدعة كلها، لأن أولى الخطوات لن تكون البحث عن بديل نيمار، بل تدعيم الفريق ككل بالشكل الذي يعيد نيمار لحجمه الأصلي أولًا، والذي قدم من خلاله أفضل مواسمه مع البرسا في عام الثلاثية كلاعب مهم من ضمن 11 لاعب، ثم البحث عن لاعب يستطيع أداء نفس هذه الأدوار ثانيًا.

 

حينها كان أحد أهم أسباب نجاح البلوغرانا هجوميًا هو التزام نيمار بفتح الملعب في الثلث الأخير حيث تجدي المراوغة، وبتحركه الدائم أمام الكرة لا خلفها، لاستثمار  تمريرات ميسي الساحرة التي ساهمت في تسجيله أعلى حصيلة تهديفية له في مواسمه الأربعة في كتالونيا، وبناءً عليه فإن البرسا بحاجة للاعب مغرم بالخط، وبإمكانه اللعب كمهاجم ثان في نفس الوقت، وهنا يطرأ خيار مألوف لإدارة بارتوميو هو أنتوني مارسيال جناح الشياطين، والذي حاول الكتلان التعاقد معه في 2015 ولكن حالت مغالاة موناكو في سعره دون ذلك، (11)  وانتهى به المطاف في مانشستر يونايتد ليقدم موسمًا أولًّا رائعًا مع استحواذ فان خال وتعود الشائعات للظهور مجددًا عن رغبة عملاقي إسبانيا في ضمه، (12) قبل أن يتراجع بشدة في الموسم التالي بسبب مشاكله الشخصية.

 

ولكن حتى مع ذلك يظل مارسيال أحد أهم المواهب الصاعدة، ويتمتع بقدرات ممتازة في المساحات الضيقة فضلًا عن كونه مهاجم ظل فطري لا يحتاج لأي تعديلات ليصبح القطعة الناقصة في هجوم الكتلان، بالإضافة لكونه استثمار ناجح للغاية في ظل قدرته على اللعب كمهاجم صريح، وهو ما يجعله بديل مستقبلي للسفاح الأوروغواياني، والأهم هو تأكيد التقارير الأخيرة على انفتاحه لفكرة الرحيل عن مانشستر ضمن صفقة تبادلية يحصل بمقتضاها الشياطين على بيريسيتش جناح إنتر. (13)

 

مارسيال قد يكون أفضل الاستثمارات المتاحة على المدى القريب والبعيد في ظل قدرته على اللعب على الخط والانضمام للهجوم في الثلث الأخير للتسجيل (سكواوكا)

 

الحل الثاني والأقرب للحدوث هو اللجوء لديمبلي دورتموند مع تأكيد أغلب المصادر على تحوله لأولوية بالنسبة للكتلان، (14) خاصة مع إعلان اللاعب سابقًا عن حلمه باللعب في برشلونة، (15) واهتمام أسود الفيستيفاليا بديلوفو وإمكانية عقد صفقة تبادلية، وفي الحالتين - ديمبلي أو مارسيال - تحتوي الصفقة على نسبة من المخاطرة، ولكنها لا تختلف كثيرًا عن تلك التي صاحبت صفقة نيمار نفسه في 2013، فالبرازيلي لم يكن قد لعب موسمًا واحدًا في أوروبا قبل انضمامه، على العكس من الثنائي الفرنسي الذي سيخوض موسمه الثالث في الدرجة الأولى خلال أيام.

 

الاختلاف الجذري بين مارسيال وديمبلي يقع في علاقتهم بمناطق التحضير وصناعة اللعب، والتي يتجنبها الأول ويفضلها الثاني عادة، ولكن صغر سن جناح دورتموند وقدرته الهائلة على التجاوب مع تجارب (توخيل) التي وضعته في أكثر من مركز يجعله مؤهلًا للتكيف مع المطلوب منه، مع ميزة استثنائية إلى جانب السرعة والمهارة الفنية هي تَمكنه من استخدام كلتا قدميه بكفاءة يصعب معها تحديد قدمه القوية، ما يجعله لاعب خط مثالي يمتلك كافة الحلول في جعبته ما بين الاختراق والعرضيات وأيًا كانت الجبهة التي يشغلها.

 

صغر سن ديمبلي جعله أداة ممتازة لتجارب توخيل في ظل قدرته على اللعب بكلتا قدميه وفي أكثر من مركز وعلى أكثر من جبهة (سكواوكا)

 

يتضح الأمر كذلك عند مراجعة خرائط لمساته في عدة مباريات وتقسيم الملعب لثلاث جبهات (سكواوكا)

 

بالطبع ورغم كل ما سبق فإن الخيارات تظل محدودة نوعًا نظرًا لضيق الوقت، ومن المستحيل توقع ما سينتهي إليه صيف البلوغرانا، ولكن أيًا كانت نتائجه فإن إدارة البرسا قد تلقت درسًا مفرط القسوة في التخطيط لمستقبل الفريق والتعامل مع معضلة انحسار جيله الذهبي، كتبت مقدماته بنفسها بتعاقدات من طراز توران وغوميش ودوغلاس وماتيو، وسطَّر نهايته نيمار الذي كان التعاقد معه رحلة عبثية أخرى للبحث عن شبيه رونالدينيو، أنفق فيها الكتلان ما يجاوز شرطه الجزائي بكثير، والمفارقة أنه رحل بعد أن فاز بكل شيء كذلك، ولكن في الاتجاه المعاكس، ربما ليثبت مرة أخيرة عدم جدوى الأمر.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك