اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/4 الساعة 16:05 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/17 هـ

انضم إلينا
أرسنال وتشيلسي.. أمتار فينغر الأخيرة

أرسنال وتشيلسي.. أمتار فينغر الأخيرة

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
أيام "البوكسينغ" وأرسنال وتشيلسي وجاك ويلشير.. هذه الخلطة يصعب أن تنتج مباراة مملة، خاصة إذا أضفت إليها الندية التي أصبحت تميز مباريات الفريقين منذ انهيار تحالف مورينيو -تشيلسي، وحقيقة أن "البلوز" فشلوا في الفوز على أرسنال في آخر ثلاث مواجهات قبل مباراة الأمس، وأن "المدفعجية" فازوا مرتين منذ تولي كونتي وتعادلوا مرة ليتوجوا بلقب الدرع الخيرية(1). حتى فينغر نفسه استطاع الفوز على مورينيو لأول مرة في "البريميرليغ" مع مانشستر يونايتد، وكأنه كان ينتظر انهيار التحالف ليعوض ما فاته.

 

إذا أضفت إلى الوصفة السابقة دفاعا يغيب عنه ثلاثة من أهم عناصره في شخص كوسيلني ومونريال وكولازيناك، ثم وضعت قليلًا من إبداعات هازارد وكثيرًا من تمريرات فابريغاس السحرية وخلطت كل ذلك مع أوزيل في أفضل حالاته البدنية والذهنية، فستحصل على مباراة إسفنجية رائعة مليئة بالثقوب والثغرات من كل اتجاه.

  

الرجل الثالث
تشكيل الفريقين وخطة اللعب والتقييم الرقمي (هوسكورد)

 

انطلقت المباراة من الثبات ووصلت إلى السرعة القصوى خلال ربع ساعة فقط لا غير، بعدها أهدى موزيس لزميله موراتا أولَ انفراداته المهدَرة من تمريرة طولية قطرية اعتدنا أن تأتي من أزبيليكويتا. وظهر خلالها ضعف التركيز من دفاع أرسنال، الذي لم يتوقع اللعبة رغم أن "البلوز" كرروها في أكثر من مناسبة في كل مبارياتهم الكبيرة في الموسمين الحالي والماضي تحت قيادة الإيطالي كونتي.

 

كالعادة مؤخرًا، بدأ كونتي بالـ(3 -5 -2) التي استقر عليها هذا الموسم، وبقدر لا بأس به من التحفظ يثبت أن الموسم الماضي كان استثناء عن القاعدة، فاختفى الضغط المتقدم الذي كان يمارسه على أغلب خصومه وصار يكتفي بأقصر الطرق إلى المرمى، إما عن طريق الطوليات المباشرة التي يُنزلها موراتا للمندفعين من العمق، وإما بالتحولات السريعة التي تقودها انطلاقات هازارد المدعومة ببينيات سيسك. وعلى الجهة الأخرى واصل فينغر بالـ(3-4-2-1)، التي افتقدرت إلى عدد لا بأس به من أسلحتها على الأطراف.

 

كلمة السر بالطبع في أداء الفريقين كانت رجل الوسط الثالث، فمن ناحية يصر كونتي على إقحام باكايوكو في دور غير دوره، معتمدًا على الفرنسي في انطلاقات متكررة من العمق كمهاجم ثان متحرر من الرقابة، ما فشل في استثماره أكثر من مرة خاصة في المواجهات الكبيرة، التي لا يحظى فيها "البلوز" بقدر كاف من الاستحواذ، والسبب في كل ذلك هو رغبة الإيطالي في الاحتفاظ بفابريغاس في المناطق الخلفية ليتولى مسؤولية بدء الهجمة بأفضل طريقة ممكنة، في دور أقرب إلى صانع اللعب المتأخر أو "Deep Lying Playmaker".

  

الحرية النسبية التي يحصل عليها بكايوكو مقارنة بفابريغاس في وسط البلوز (سكاوكا)

 

من ناحية أخرى، يعاني "المدفعجية" كلما واجهوا خط وسط ثلاثيا بطبيعة الحال، حينذاك يجدون أنفسهم أمام خيارين كلاهما مؤلم: إما خسارة معركة الوسط بأكملها، أو تحول مساحات التحضير إلى منطقة معادية يفقدون فيها الكرة أكثر مما يحافظون عليها، ما يعد كابوسًا لفريق تلقى 26 هدفًا في 21 جولة رغم أنه يلعب بثلاثة مدافعين.

 

الباقي كله مفهوم بالبديهة ومعروف لكلا المدربين ومتابعي الفريقين، لذا كانت المفاجأة قيام فينغر بتعديل تكتيكي بسيط منح فريقه الأفضلية طيلة الساعة الأولى تقريبًا، وهو تأخير أوزيل كثالث وسط أثناء الصعود بالكرة، ببساطة لأن هجمة يبدأها صانع الألعاب الألماني هي أفضل من هجمة يبدأها أي "مدفعجي" آخر. وحينذاك يحصل "الغانرز" على حزمة من المكاسب دفعة واحدة؛ فيمتلكون مخرجًا دائمًا للكرة أثناء ضغط "البلوز" على تشاكا وويلشير، وتصبح تمريراتهم الأمامية أكثر دقة وخطورة، وينتظم تدرّجهم عبر عناصر الوسط الثلاثة من الخلف إلى الأمام، ويتخلص أوزيل بدوره من الضغط الذي يعاني منه في المناطق الأكثر قربًا من المرمى.

 

على عكس المعتاد لم ينجح البلوز في استخلاص الكرة في مناطق متقدمة نسبيًا عن مربع العمليات؛ فقط أربع تدخلات ناجحة وأربع اعتراضات خارج ثلثهم الدفاعي طيلة المباراة ا (سكاوكا)

 

 تدرج وسط أرسنال الرائع بالكرة (سكاوكا)

 

 تمريرات أوزيل خلال الساعة الأولى  (سكاوكا)
 
السكة شمال

منح ذلك التعديل هجوم أرسنال أفضل شكل ممكن في ما تلى فرصة موراتا المهدرة، فبقيادة أوزيل لمنظومة الهجوم اندفع سانشيز نحو مناطق أكثر قربًا من المرمى وأكثر ازدحامًا بالمدافعين. ومع ذكاء لاكازيت في استغلال المساحات والحركة المتواصلة وانطلاقات أوزيل المستمرة من الخلف إلى الأمام، أُجبر الجناح الشيلي على سرعة التصرف في الكرة واللعب من لمسة واحدة على غير المعتاد، مانحًا هجمات "المدفعجية" مزيدًا من السلاسة والإنسيابية، ما صعّب تعامل دفاع "البلوز" معها.

 

ولكنْ في تلك الفترة لم تكن رعونة هجوم أرسنال أمام المرمى هي المشكلة الوحيدة، والسبب الواضح هو أن وجود ثلاثة يساريين في وسط أرسنال قد أمال اللعب جهة الشاب مايتلاند نيلس وسانشيز إلى الدرجة التي منحت ألونسو حرية غير مسبوقة. ورغم أن الظهير الإسباني لم يقدم مباراة جيدة على مستوى الدفاع فإن حريته هي ما حرم أرسنال من نقاط المباراة الكاملة في النهاية.

  

 تركيز المدفعجية على يمين البلوز خلال الساعة الأولى (سكاوكا)

 

الحرية المطلقة التي حظي بها ألونسو خلال الساعة الأولى قبل خروج موزيس، أكثر من نصف لمساته أتت في ثلث أرسنال الدفاعي، حتى موراتا لم يحظى بهذه النسبة (سكاوكا)

 

القصة ببساطة أن فينغر حاول ضرب عصفورين بحجر واحد، فتركيز اللعب على تلك الجهة سيمنح نيلس عددًا أقل من الاختبارات الدفاعية التي لا يجيدها وعددًا أكبر من الفرص الهجومية التي يتحول معها إلى جناح عكسي يدفع سانشيز أكثر إلى المناطق التي تحقق الاستفادة القصوى من قدراته، ولكنْ خان فينغر دفاعُه "المهترئ"، الذي لم يكن يحتاج إلى الغيابات ليظهر ضعفه البالغ هذا الموسم؛ وبالطبع مردود ويلشير الدفاعي الذي لم يصل بعد إلى الدرجة الكافية لتغطية المساحات الكبيرة في مناطقه الخلفية، خاصة أن "مستر أرسنال" الجديد خسر معركته الأهم أمام "مستر أرسنال" القديم سيسك فابريغاس. وعلى الرغم من تسجيله هدف فريقه الأول فإنه فشل في السيطرة على المايسترو الإسباني الذي تمتع بحرية غير مسبوقة بدوره.

 

لذا وعلى الرغم من عزف هجوم أرسنال المستمر فإن تشيلسي ظل الفريق الأخطر والأقرب إلى التسجيل طيلة المباراة تقريبًا. وتكررت لقطة موراتا أكثر من مرة مع فقدان تشيمبرز وهولدينغ التركيز بكيفية متكررة. وفي كثير من اللحظات بدا وكأن "المدفعجية" يلعبون بخط خلفي من مدافع واحد هو مصطافي.

 

 

خريطة الالتحامات والاعتراضات لكل من مصطفى من جهة وهولدينغ وتشيمبرز من جهة أخرى (سكاوكا)

 

خريطة التصديات والالتحامات الهوائية لكل من مصطفى من جهة وهولدينغ وتشيمبرز من جهة أخرى (سكاوكا)

 

"فريق" اسمه هازارد

على حدود الساعة كان كونتي قد أدرك أن موزيس لن يتحمل مزيدًا من الاختبارات مع إلقاء فينغر بكل أسلحته على جبهته، فاشترك زاباكوستا المتألق مؤخرًا في محاولة للضغط على جبهة "المدفعجية" الأنشط واستغلال المساحات خلف نيلس المتقدم، ولكن حتى ذلك لم يمنع مستر أرسنال من تسجيل أول أهدافه على ملعب الإمارات منذ 2015.

 

ورغم إهدار "البلوز" كما كبيرا من فرص التسجيل فقد أتى الفرج أخيرًا من كرة ميتة استثمرها هازارد في الحصول على ركلة جزاء سجلها بنفسه. ومنذ تلك اللحظة بدا كونتي وكأنه قد رضي بالتعادل بالضبط مثل مباراة الذهاب وأجرى تبديلاته على هذا الأساس، في تزامن مع انخفاض إيقاع هجوم أرسنال بالكامل، متأثرًا بتراجع أوزيل البدني بعد ساعة كاملة قضاها في الحركة والركض المتواصل وطلب الكرة في نصف "البلوز" الدفاعي دون استثمار مناسب للفرص التي أنتجها جهده الوافر في البدايات. وكالعادة انهار "المدفعجية" في أفضل لحظاتهم في نمط يمكنك ملاحظته في العديد من المباريات أو المواسم أو الصراعات.. ضع ما تشاء وستظل العبارة صحيحة.

 

 

منح هذا الانهيار كونتي أكثر مما أراد، لأن منظومة الجبهة اليسرى تفككت تمامًا وعاد أوزيل إلى يمين أرسنال، في محاولة من فينغر للحد من صعود ألونسو وتوفير قدر من المساندة لبييرين بعد ساعة وربع من العزلة. وبمرور الوقت فقد نيلس وسانشيز ما كان يربطهما واتسمت تحركاتهما بالعشوائية والفردية، وكانت تلك الفرصة الأنسب لزاباكوستا ليضع بصمته في المباراة من عرضية بعد مراوغة معتادة للظهير الشاب الكارثي في الثنائيات. وبدا كأن هجوم أرسنال يحرث البحر ما دام دفاعه بهذه الهشاشة، فليس كل يوم ترى ظهيرًا يصنع هدفًا لظهير آخر في قلب منطقة جزاء الخصم.

 

انتقال أوزيل جهة اليمين في نهاية المباراة (يمين) مقارنة بالساعة الأولى (يسار) (سكاوكا)

 

بالتالي لم يكن هدف بيلرين -وكأنه اليوم العالمي لأظهرة الطرف- إلا محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في مباراة بدا أرسنال الأقرب لإنهائها في لحظة معينة. ورغم أنها كانت أفضل مباريات الموسم حتى الآن، بل وربما إحدى أفضل مباريات حقبة "البريميرليغ" بأكملها، فإن الايطالي حصل على ما أراد أو على جزء كبير منه على الأقل، في موسم يحاول فيه التركيز على دوري الأبطال بعد فقدانه الأمل في المنافسة على لقب الدوري، الرفاهية التي لا يملكها أرسنال فينغر، الذي فشل في كل محاولاته للتسلل إلى المراكز الأربعة الأولى حتى الآن.

 

حاجز أرسنال

منذ عامين تقريبًا، وبعد هزيمة معتادة أمام "البلوز" في أسوأ مواسمهم في حقبة "البريميرليغ" على الإطلاق، صرح آلان سميث، مهاجم "المدفعجية" الأسطوري، بأن لاعبي أرسنال يعانون مما سمّاه "الحاجز العقلي" (Mental Block) أمام تشيلسي، ببساطة لا يستطيعون الفوز عليهم أيًا كانت الظروف وحالة الفريقين وموقعهما في جدول الترتيب، ما تعامل معه فينغر إعلاميًا بالإنكار بالطبع، ثم عاد وأكده بمجرد أن حقق فوزه الأول على تشيلسي مورينيو في الدرع الخيرية(2،3،4).

 

كان تصريح سميث على قدر كبير من الصحة. ورغم انهيار تحالف تشيلسي -مورينيو بعد ذلك ونجاح فينغر في التغلب على العقدتين منفردتين، فإن التصريح الأدق للمهاجم الإنجليزي السابق خرج في منتصف الموسم الماضي، عندما تحدث عن أن الحاجز لم يكن أمام تشيلسي فقط، بل هو حاجز أمام النجاح عمومًا(5) لأنه في كل مرة كان أرسنال في حاجة إلى قطع الأمتار الأخيرة نحو الصدارة أو الفوز باللقب، كان الفشل حليفَه؛ على الرغم من تواضع مستويات أبطال "البريميرليغ" في الأعوام القليلة الماضية، ربما باستثناء تشيلسي كونتي، وعلى الرغم من أن المدرب الفرنسي يحظى الآن بأفضل قائمة من اللاعبين منذ جيل اللاهزيمة نفسه.

 

كالعادة، لا جديد يذكر في قصة أرسنال، الأزمات نفسها والمشاكل نفسها الشخصية نفسُها التي يظهرها الفريق عند كل منعطف مهم، ربما يكون الفارق الوحيد أن "توحش" المنافسين لم يعد يسمح بالمنافسة أصلًا وصار الهدف الآن هو العودة إلى الساحة الأوروبية من جديد. وهذه المباراة هي مثال واضح على ذلك؛ ففي بداياتها طفت الأسئلة المعتادة التي تقترن بأرسنال دائمًا، أسئلة مثل: لماذا لا يلعب كل مبارياته بهذه الكيفية؟ وما الذي ينقصه لينافس على البطولة؟ وفي نهاياتها، وجدت تلك الأسئلة إجاباتها للمرة المليون.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار