انضم إلينا
اغلاق
برشلونة وإنتر.. في غياب ملك الشمس

برشلونة وإنتر.. في غياب ملك الشمس

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

هناك قائمة طويلة بما يستحق الذكر في هذه المباراة، وكما هو متوقَع، يمكننا التحدث كما شئنا عن روعة آرثور وذكاء بروزوفيتش وتألق بوسكيتس وعجز سباليتّي وبؤس كوتينيو وتوهج ألبا ولمعان سواريز، ولكن قبل كل ذلك، ينبغي أن نشير لأن ثمة سوء تفاهم هائل قد وقع بين فالفيردي وسباليتّي أثناء التحضير للمواجهة.

  

بالطبع كان لغياب ميسي وناينغولان دورًا في بعثرة بعض الأوراق هنا وهناك ومنح التخمينات مساحة لا بأس بها على اللوحة التكتيكية، ولكن البطل الأبرز في سوء الفهم كان المباراتين السابقتين لطرفي المواجهة، لقاء إشبيلية وديربي ميلانو.

    

  

في الطريق إلى الأوليمبيكو

بيكيه سيستمر في مركزه لأنه بغض النظر عن المكانة التي يتمتع بها في برشلونة، وبغض النظر عن رداءة مستواه، فإن صفقات أبيدال الصيفية قد أتت بنتيجة عكسية، وبدلًا من أن يتعاقد الكتلان مع من يسمح بإجلاسه على الدكة، نجحوا بطريقة ما في العثور على مدافع أعسر جديد يضمن بقاء بيكيه في التشكيلة الأساسية، ببساطة لأنه ما زال الوحيد الذي يستطيع اللعب على يمين العمق.

 

ألبا في موقعه، وروبرتو يعود للظهير الأيمن في أول الألغاز، وهناك تفسيران لا ثالث لهما؛ الأول أن فالفيردي توقع غياب بيريسيتش بعد أن تدرب منفردًا ليلة المباراة، والثاني أن فالفيردي توقع اشتراك بيريسيتش بعد أن تدرب منفردًا ليلة المباراة، (1) وهو لغز فعلًا لأن سيميدو خيار أفضل في الحالتين.

  

كل هذا كان مقبولًا حتى رفع الكتلان أعينهم جهة خط الوسط ليفاجئوا برافينيا على يمين الوسط، وهنا بدأ الجميع يتحسس مسدسه لأنها إشارة سلبية للغاية، أولًا لأنها تعني أن التقارير التي خرجت مؤخرًا عن الخلاف بين أبيدال وفالفيردي صحيحة، وأن تصريحات المدرب عن مالكوم تؤكد على حالة الصدام الواقعة بين الثنائي، (2) وأن العِند هو ما يدير الفريق الآن، وثانيًا، لأن تواجد رافينيا وروبرتو على خط واحد أعاد للأذهان ذكرى ثنائية روبرتو وسيميدو على نفس الخط أمام روما في الأوليمبيكو، والتي بررها الرجل برغبته في التصدي لجبهة بيروتّي وكولاروف الفتاكة، ما يجعله قابلًا للتكرار أمام جبهة تضم بيريسيتش وأسامواه، من وجهة نظر فالفيردي على الأقل.

  

تشكيل الفريقين وخطة اللعب والتقييم الرقمي  (هوسكورد)

            

في الطريق إلى الماضي

كل ذلك كان مريبًا للغاية حتى وقعت أعيننا على تشكيلة سباليتّي، ولسبب واضح هو أن الجميع توقع أن يبني الرجل على نجاح الديربي، وأن يشترك فيرساليكو لبناء الهجمات من يمين الملعب رفقة بوليتانو المتألق منذ بداية الموسم، على أن يقوم خط دفاعه بنفس الترحيل الذي أجراه أمام ميلان، والذي بمقتضاه يتحرك أسامواه بضعة أمتار للعمق مكونًا حائط صد ثلاثي رفقة سكرينيار ودي فري، مع تولى بروزوفيتش وفيسينو حمايتهم كما هو معتاد.

 

بالطبع لم يحدث أي من ذلك، لأن إنتر يعد وافدًا جديدًا على المسابقة بعد أعوام من الغياب، ورغم أن الجميع يعلم إمكانيات لاعبيه سلبًا وإيجابًا، ولكن لا سباليتّي ولا فالفيردي يمكنهما توقع الحالة الذهنية والنفسية التي سيخوضون بها المباراة.

 

الإيطالي توقع تواجد واحد من مالكوم أو ديمبيليه في موقع ميسي المعتاد حتى ولو بمهام مختلفة، وهو جزء آخر من سوء التفاهم الذي وقع قبل المباراة، بالتالي قد يكون من المنطقي تفضيل ظهير دفاعي كدامبروزيو على فيرساليكو لمواجهة هجوم البرسا الثلاثي المتوقع، وحتى خروج دي فري لصالح ميراندا كان مفهومًا بحكم تفوق البرازيلي في الثنائيات ومعرفته السابقة بسواريز، ولكن ما لن نفهمه أبدًا هو الهدف من وضع كاندريفا في مواجهة ألبا، وكأن سباليتّي قرر إعادة فريقه في الزمن وإشراك تشكيلة الموسم الماضي كاملة.

 

لذا، وإلى جانب الركون إلى الدفاع وإعلان الاستسلام في معركة الوسط من البداية، وكلها أمور متوقعة بدورها، فإن تشكيلة سباليتّي لم تعكس أي استراتيجية فعلية للتعامل مع المباراة، وكأنه جمع تشكيلته من اللاعبين المتاحين دون خطة لعب حقيقية.

   

إنتر أكمل 75 تمريرة فقط في نصف ملعب البرسا، الأكثر تمريرًا كانوا دامبروزيو وفيسّينو وبوليتانو الذي شارك في شوط واحد  (هوسكورد)
    
جئت لا أعلم من أين

إنتر لم يكن يملك سوى خيارًا واضحًا هو اللعب على التحولات، وهو الخيار الذي دفع فالفيردي لتفضيل رافينيا على غيره أصلًا. إذن ما الذي قد يقدمه كاندريفا ويعجز عنه بوليتانو؟ ولماذا لم يشترك كيتا بالدي في العمق لتوفير مخرج إضافي للكرة في المرتدات ومزيد من السرعة والمباغتة التي يفتقدها فاليرو بشدة؟

  

إن كانت الإجابة هي مساندة فاليرو الدفاعية فالرجل توقف عن تقديمها منذ زمن، واقتصر مردوده الدفاعي على تعرضه للمراوغة في المرة الوحيدة التي حاول فيها استخلاص الكرة، وعلى الجهة الأخرى فإن أي طفل يشاهد مباراة برشلونة يعلم أن مواجهة دفاعه بثنائي هجومي في العمق سينتج العديد من اللقطات الكوميدية، وحتى لو كان هجومه في أفضل حالاته.

  

النتيجة أن سباليتّي بالغ في التحفظ خوفًا من الشيء الوحيد الذي لم يفعله فالفيردي، وهو الدفع بثلاثي هجومي صريح، وبالتالي خسر فرصة اللعب على أطراف البرسا في المرتدات بلا فائدة حقيقية، وحتى رغم ذلك فإن تحفظه كان كافيًا ليتماسك فريقه طيلة نصف الساعة الأولى، وخلالها لم يستفد الكتلان من اكتساحهم لوسط الملعب وتفوقهم في أغلب الثنائيات، حتى أتت لحظة التحول الأولى من آخر مكان يمكن توقعه؛ تمريرة سحرية من سواريز أحد أسوأ لاعبي الفريق منذ الموسم الماضي.

   

باستثناء إيكاردي وفاليرو لم ينجح أي من لاعبي إنتر في تخطي خط المنتصف في متوسط التمركز، على العكس من لاعبي برشلونة  (هوسكورد)

   

قضت الكرة في ثلث إنتر الدفاعي ضعف الوقت الذي قضته في ثلث البرسا  (هوسكورد)

  

بعدها اكتشف سباليتّي أنه قد خسر كل شيء، لأن آرثور تمدد في الفراغ الذي تركه ميسي، وبعد تقدم الكتلان لعبت المعنويات دورًا مهمًا برز في الثقة التي تملكت لاعبي الوسط بقيادة البرازيلي، لدرجة أن ثلاثي المحور تمكن من إتمام 8 مراوغات كلها أتت بعد الهدف وكلها أتت كمحاولات للتخلص من الضغط في نصف ملعب البرسا، وهو رقم لم يشهده الكتلان منذ زمن بعيد، على الأقل بهذه الكيفية، وكان له دور مهم في إحباط انتفاضة النيراتزوري المؤقتة التي قادها بوليتانو مطلع الشوط الثاني بعد أن صحح سباليتّي واحد من أخطاء البداية الكارثية.

   

مراوغات ثلاثي وسط برشلونة الناجحة كانت كلها محاولات لكسر خطوط الضغط من إنتر وأتت كلها بعد الهدف الأول (هوسكورد)

 

رأس الرجاء

كل ذلك أضيف لرقم آخر غاية في الأهمية هو استخلاص بوسكيتس للكرة 6 مرات من أصل 7 محاولات، وهو رقم آخر لم يشهده الكتلان منذ زمن، والأهم أنه ثلاثة أضعاف ما قدمه أي لاعب آخر في برشلونة ولم يتفوق عليه سوى جهد فيسّينو الخارق بـ  7 مرات.

   

فيسّينو وبوسكيتس كانوا الأكثر نجاحًا في استخلاص الكرة من الفريقين، 7 و6 مرات على الترتيب (هوسكورد)

     

أمر بديهي ومنطقي وطبيعي ومتوقع أن يتألق بوسكيتس كلما نجح الكتلان في فرض منظومتهم وتطبيق الأسلوب الذي سمح بتأخير مركزه أصلًا وتحويله من لاعب محور إلى ارتكاز، ولكن المهم في هذا السياق أن قاعدة الوسط الصلبة سمحت بتوفير الإلهاء اللازم لتحركات رافينيا وكوتينيو القطرية جهة العمق، وفي النهاية حصل فالفيردي على الثلاثي الهجومي الذي كان يخشاه سباليتّي ولكن بطريقته المفضلة؛ ثلاثي يتموقع خلف الكرة أكثر مما يتموقع أمامها، ويعتمد على سواريز كمحور لعب يدور الجميع في فلكه، الدور الذي لمع فيه الأوروغواياني بشدة بعد مئة عام من القرارات الخاطئة والتمريرات الافتراضية واللمسات الأولى الكارثية.

   

الأمر كله يعبر عن فلسفة فالفيردي التدريبية، وتفضيله المباغتة على المواجهة، وإن كانت النظرية صالحة للعديد من المباريات فإن التطبيق مازال يعاني بشدة كلما حلت الكرة بين قدمي كوتينيو. البرازيلي رائع في الهرب من الرقابة وتسلم الكرة بين الخطوط، ولكن فقط عندما يكون هو قائد الهجمة، بينما يغلب عليه السلبية الشديدة في أي حالة أخرى، ونادرًا ما تمثل تحركاته أي إزعاج عندما لا يكون جزءًا من لعبة ثنائية مع سواريز أو غيره، وبالطبع يصبح الأمر أكثر صعوبة مع لياقته البدنية شبه المنعدمة، بغض النظر عن حقيقة أنه كان أسوأ لاعبي البرسا أمام إنتر، وفقد الكرة منفردًا 10 مرات، ضعف أي لاعب آخر من الكتلان.

   

     

ملك الشمس

في يونيو الماضي وأثناء المونديال كتب بارني روني في الغارديان عن "ملك الشمس الذي يعمي أبصار الأرجنتينيين عن أية حلول جديدة"؛ ملك الشمس هو ميسي، والحلول الجديدة هي الحرية التي قد ينعم بها باقي اللاعبين في غيابه، عندما لا يتحكم في كل لعبة وكل هجمة، عندما لا تغريهم الشمس الواضحة الساطعة بحلول سهلة خزعبلية لا يمكنها جلب بطولة منفردة مهما استمرت، والإشارة هنا أوضح من أن نشرحها. (3)

    

يمكننا أن نعتبر ما جرى بالأمس على أنه كسوف، والفارق هذه المرة أن النور لم ينعدم تمامًا. صحيح أن كوتينيو أخفق على عكس المتوقع، وصحيح أن النيراتزوري لم يكن في وضعية تسمح بالقياس عليه، ولكن آرثور أقنع الجميع أنه يجعل برشلونة فريقًا أفضل، وأن عودة ميسي لا ينبغي أن تصاحبها نفس الظواهر السابقة من تواكل باقي اللاعبين أو اختبائهم خلفه خوفًا من تعرضهم للنقد إن أخطأوا. آرثور لن يصنع أهدافًا غزيرة ولن يسجلها، ولكنه سيمنح الكتلان القاعدة اللازمة لكل ذلك رفقة بوسكيتس والمغضوب عليه فيدال، فقط يلزمه قليل من العمل على لياقته وسرعة قراراته وسيصبح أفضل لاعب وسط في برشلونة بلا منازع.

    

  

النتيجة ليست كارثية لإنتر، فرغم كل شيء لم يخسر برشلونة على أرضه من فريق إيطالي منذ 15 عامًا، (4) ولكن المؤكد أنه لاقى قدرًا أكبر من المقاومة في أغلب هذه المرات، وإن كان الصينيون عازمين على استكمال المشروع للنهاية، فلابد من تحرك سريع في نافذة انتقالات يناير وبعدها في الصيف، والأهم، لابد من مدرب أنسب للمرحلة القادمة.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار